أزمة الغاز في إيران.. من الأسباب الخفية إلى تداعيات تهدد الاقتصاد واستراتيجية النجاة

ترجمة: ساره شعبان المزين

ذكرت وسائل إعلام إيرانية، الاثنين 6 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أن إيران شهدت خلال الأشهر الأخيرة أزمة حادة في إمدادات الغاز الطبيعي، رغم امتلاكها ثاني أكبر احتياطي عالمي. 

هذه الأزمة تأتي في ظل ارتفاع الطلب على الغاز، خاصة خلال فصل الشتاء، بالإضافة إلى تحديات هيكلية في قطاع الطاقة، مثل ضعف البنية التحتية ونقص الصيانة، مما أدى إلى تقليص كميات الغاز المتاحة للاستخدام الصناعي.

تأثرت بذلك قطاعات حيوية مثل البتروكيماويات، حيث اضطرت بعض المصانع إلى خفض الإنتاج أو التوقف تماما، ما أدى إلى خسائر اقتصادية كبيرة، وزيادة الضغوط على الاقتصاد الوطني.

أسباب أزمة الغاز في إيران 

ذكرت صحيفة “ارمان امروز” أن أزمة الغاز في إيران نتجت عن عدة عوامل مترابطة، أبرزها الفجوة بين حجم الاحتياطيات وإمكانات الإنتاج، وزيادة الاستهلاك، والمشكلات في البنية التحتية، وسوء الإدارة، إضافة إلى تأثير العقوبات الدولية. 

ورغم امتلاك إيران أكبر احتياطي غازي في العالم، فإن حجم الإنتاج وقدرة المعالجة لا تتناسب مع هذه الاحتياطيات، نتيجة نقص الاستثمار في قطاع الغاز، وقدم المنشآت، وغياب إدارة متكاملة للإنتاج والتوزيع، وهو ما يُعد من أبرز العقبات التي تواجه هذا القطاع الحيوي.

كما أدى النمو السكاني وتوسع الصناعات إلى زيادة ملحوظة في استهلاك الغاز، فيما ساهم الدعم الكبير المقدم لهذا المورد وانخفاض سعره في الاستخدام المفرط للطاقة، وتعاني شبكة نقل وتوزيع الغاز من مشكلات عدة نتيجة قدمها وقلة الصيانة، بما في ذلك تسرب الغاز، وانخفاض ضغط الأنابيب، وعدم التوازن في توزيع الغاز بين المناطق المختلفة. 

إضافة إلى ذلك، يمثل غياب التخطيط الدقيق للإنتاج والتخزين والتوزيع، ونقص الاستثمار في البحث والتطوير، وعدم الشفافية في البيانات المتعلقة بصناعة الغاز، عوامل إدارية أسهمت في تفاقم الأزمة، ولا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه العقوبات الدولية، إذ فرضت قيودا على الوصول إلى التقنيات الحديثة وقطع الغيار والاستثمارات الأجنبية، مما أبطأ وتيرة تطوير صناعة الغاز في إيران.

Image

كما أشارت صحيفة” جام جم” الإيرانية إلى أن هناك عدة عوامل أيضا تساهم في تفاقم أزمة الغاز في البلاد، منها الاستهلاك غير الأمثل في القطاعين المنزلي والتجاري، حيث يشكلان أكثر من 65% من إجمالي استهلاك الغاز، وغالبا ما يُهمل الالتزام بنمط الاستهلاك الأمثل نتيجة الأسعار المدعومة، مما يؤدي إلى هدر واسع. 

ولفتت الصحيفة إلى أن بعض المشتركين يستهلكون كميات تفوق عدة أضعاف الاستهلاك العادي، مثل تدفئة المسابح الخاصة أو تشغيل المواقد المفتوحة، وهو ما يزيد الضغط على شبكة الغاز. 

وأضافت أن قلة الاهتمام بكفاءة الطاقة في بعض الصناعات، وضعف التخطيط لتحقيق التوازن بين الاستهلاك والإنتاج، يؤدي إلى تقليل الغاز المتاح للاستخدام الصناعي، مما ينعكس على انخفاض الإنتاج وانقطاع الغاز عن المصانع  كما يرى الخبراء أن غياب التسعير العادل يلعب دورا مؤثرا في الاستهلاك المفرط وعدم توزيع الدعم بشكل مناسب.

Image

وتابعت أن من العوامل الأخرى التي تساهم في أزمة الغاز في إيران، النمو السريع في الطلب إلى جانب محدودية تطوير البنية التحتية للإنتاج والنقل، ما أدى إلى ظاهرة تُعرف بـ “الفجوة في الغاز”، حيث يتجاوز الاستهلاك الموسمي قدرة الإنتاج والتوريد. 

وأشارت إلى أن الزيادة السنوية في الاستهلاك المنزلي، نتيجة غياب سياسة جدية لإصلاح نمط الاستهلاك، تزيد من حدة الأزمة كما تواجه الصناعات الكبرى مثل الحديد والأسمنت والبتروكيماويات خلال فصل الشتاء انخفاضا أو انقطاعا في إمدادات الغاز، مما ينعكس سلبا على الإنتاج والصادرات ويزيد الضغوط الاقتصادية.

عواقب نقص الغاز 

تابعت صحيفة “آرمان امروز” أن نقص الغاز في إيران يحمل معه عواقب اجتماعية واقتصادية وبيئية متعددة، ومن بين هذه العواقب تعطيل الصناعات، وزيادة تلوث الهواء نتيجة اللجوء إلى استخدام وقود بديل، وارتفاع مستوى السخط العام، وانخفاض الإنتاجية.

وأشارت الصحيفة إلى أن معالجة مشكلة نقص الغاز تتطلب اتخاذ إجراءات شاملة وطويلة الأمد، تشمل الاستثمار في قطاع الإنتاج والبنية التحتية، وتعزيز ثقافة الترشيد، وتحديد أسعار حقيقية للطاقة، وتطبيق إدارة متكاملة، وتطوير مصادر الطاقة المتجددة. 

Image

وأوضحت أن أزمة الغاز في إيران مشكلة معقدة تنبع من عدة عوامل، وأن التغلب عليها يتطلب إرادة وطنية وتعاونا شاملا بين مختلف الجهات التنفيذية، وأن اعتماد سياسات صحيحة وتنفيذ برامج طويلة المدى يمكن أن يساعد في تجاوز هذه الأزمة واستغلال الموارد الغازية الضخمة في البلاد على نحو أمثل.

كما حذرت من أن القلق بشأن انقطاع التيار الكهربائي في الشتاء، إلى جانب النقص السنوي في الغاز، يجعل الأوضاع أكثر خطورة، وأشارت إلى أن هذا القلق ليس بعيد الاحتمال، خاصة في ظل عدم تطوير قطاع إنتاج الكهرباء وإمكانية وصول العجز إلى 25 ألف ميغاواط، الأمر الذي يجعل استمرار الإنتاج الصناعي في البلاد بلا معنى إذا استمر غياب الكهرباء والغاز.

Image

ومن أبرز هذه العواقب الناتجة عن نقص الغاز في إيران هو انخفاض الإنتاج الصناعي وانقطاع الغاز عن المصانع، مما يفرض خسائر اقتصادية كبيرة تصل إلى مليارات الدولارات  كما يترتب على ذلك زيادة الضغط على شبكة الغاز، وارتفاع الفجوة الشتوية في التوريد، وهو ما يؤدي إلى حرمان الصناعات ومحطات الطاقة من الوقود اللازم، ويهدد استقرار الطاقة في البلاد.

التداعيات العامة لأزمة الغاز

ذكر موقع “دنيا اقتصاد” أن أزمة نقص الغاز في إيران تحمل تداعيات عامة واسعة النطاق تؤثر على الاقتصاد والمجتمع والصناعة على حد سواء. 

فقد أدت هذه الأزمة إلى زيادة تكاليف الإنتاج الصناعي، مما انعكس مباشرة على ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وزيادة معدلات التضخم، وهو ما أثّر سلبا على القدرة الشرائية للمواطنين. 

كما تسببت في انخفاض الإنتاج الوطني، بما أثر على الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وتقليص حجم الصادرات والإيرادات بالعملة الصعبة، وهو ما زاد من عدم استقرار سوق الصرف.

Image

إلى جانب ذلك، تسبب توقف أو خفض الإنتاج في فقدان فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة في بعض القطاعات، ما زاد الضغوط الاجتماعية. 

كما أحدثت الأزمة اضطرابا في سلسلة الإمداد التجاري، مما أعاق استيراد المواد الأولية والسلع الأساسية للصناعات المحلية، وزاد من صعوبة تلبية الطلب المحلي. 

وتشير التحليلات إلى أن هذه التداعيات لا تقتصر على الأمد القصير، بل تمتد لتشكل خطرا منهجيا على القدرة التنافسية للصناعة الوطنية، مما يجعل الحاجة إلى وضع سياسات عاجلة وفعّالة لمعالجة الأزمة وضمان استقرار الاقتصاد الوطني أمرا ملحا.

خطر البتروكيماويات

تابع موقع “دنيا إقتصاد” الذي أشار إلى أن قطع الغاز وعدم توازن الطاقة في البلاد يُعتبر خطرا منهجيا على صناعة البتروكيماويات، لأنه يؤثر ليس فقط على المنتجين الرئيسيين، بل على كامل سلسلة التوريد والصناعات المرتبطة بها. 

حيث تعد صناعة البتروكيماويات واحدة من القطاعات ذات الميزة النسبية في إيران، القائمة على الوصول إلى طاقة منخفضة التكلفة، وإذا فقد هذا القطاع هذه الميزة بسبب نقص الغاز أو السياسات غير السليمة، فإن الميزة التنافسية لهذه الصناعة على المستوى العالمي ستضعف بشكل ملحوظ.

Image

استراتيجية شاملة لمواجهة أزمة الغاز في إيران

بحسب تقرير ذكره موقع بورنا، لمواجهة الخلل المتزايد في توازن إنتاج واستهلاك الغاز الطبيعي، تحتاج إيران إلى تغيير جذري في سياسات قطاع الطاقة. 

البداية تكون بإعادة النظر في الاستراتيجية الصناعية، عبر التحول من دعم وتوسيع الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة إلى تطوير وحدات تكميلية في سلسلة القيمة، بما يحقق قيمة مضافة أكبر للاقتصاد الوطني ويحد من الاستهلاك المفرط.

Image

في قطاع الطاقة الكهربائية، يجب إعطاء الأولوية لتحويل المحطات الحالية من العمل بالغاز في الدورة البسيطة إلى نظام الدورة المركبة الأكثر كفاءة، إلى جانب تنويع مزيج إنتاج الكهرباء عبر الاستثمار الواسع في الطاقة المتجددة. 

هذا التوجه يقلل الاعتماد الكبير على الغاز الطبيعي، الذي يشكل حاليا نحو 80% من وقود إنتاج الكهرباء في البلاد، ويخفف الضغط على الاحتياطيات الوطنية في الأشهر الباردة.

أما في مجال البناء والمرافق العمرانية، فيجب ربط إصدار تصاريح الانتهاء من البناء تدريجيا بموافقة الجهات المختصة بتحسين كفاءة استهلاك الطاقة، وفقا لمقتضيات المبحث (١٩) من اللوائح الوطنية للبناء، وهو ما يضمن الحد من الاستهلاك غير الفعال للغاز.

أيضا من الناحية المؤسسية، من المهم إصلاح الهيكل الإداري للطاقة في البلاد فحتى الآن، عملت وزارة النفط ووزارة الطاقة وفق نموذج يربط زيادة الإنتاج بالزيادة المستمرة في الاستهلاك، دون إعطاء الأولوية الفعلية لتحسين الكفاءة. 

Image

لذلك، من الضروري إنشاء جهة موحدة ومتكاملة تتولى ملف تحسين كفاءة استهلاك الطاقة، عبر دمج الهياكل الحالية وتنسيق الجهود بين وزارات مثل الطرق والبناء، الصناعة والمعادن والتجارة، والزراعة.

بهذه السياسات المتكاملة، يمكن لإيران أن تتجاوز أزمة الغاز الحالية، وتحول التحديات إلى فرصة لتحسين استدامة الطاقة وتقوية الاقتصاد الوطني.