- زاد إيران - المحرر
- 1056 Views
كتب: محمد فتحي النادي
إن الصورة النمطية عن الشيعة أنهم أقوام طلَّقوا الحديث النبوي ثلاثا؛ فلا علاقة لهم به.
وإن اجتهد أحدٌ ذَكَر مُحدِّثا أو اثنين انتسبوا للتشيع، وهذا هو مبلغ العلم إن كان موجودا.
وهذه الصورة النمطية أوضحها السيد الشفيع الماحي أحمد بقوله: “الشيعة كاليهود والنصارى لا يكترثون كثيرا بصحة المنقول حديثا كان أو خبرا ورواية، وبالتالي فلا عناية لهم ولا اهتمام بالإسناد، ولا خبرة لهم بالأسانيد وطرق التمييز بين رواة الأحاديث والأخبار وعدالتهم التي هي قوام الصحة وعمود الإسناد، ولا سائر الأدلة التي يُعرف بها صحيح المنقول من الكاذب والضعيف.
أي: لا توجد عندهم على الإطلاق أسانيد صحيحة، ولا روايات متصلة يحتج بها عند الخلاف، وبها يكتمل الدين والتدين”().
وهذه تهمة عظيمة وفرية شنيعة بتشبيه أقوام مسلمين بغير المسلمين من أهل الكتاب، ثم رمي الشيعة من أولهم لآخرهم، متقدمهم ومتأخرهم بأنهم لا عناية لهم بالإسناد، ولا توجد عندهم أسانيد صحيحة على الإطلاق.
وهذا السيد قد أخذ هذا الوصف عن ابن تيمية، لكن ابن تيمية لم يعمم، بل كان يتحدث عن طائفة بعينها، وهم الرافضة؛ فقال: “وأهل البدع سلكوا طريقا آخر ابتدعوها اعتمدوا عليها ولا يذكرون الحديث -بل ولا القرآن- في أصولهم إلا للاعتضاد لا للاعتماد، والرافضة أقل معرفة وعناية بهذا؛ إذ كانوا لا ينظرون في الإسناد ولا في سائر الأدلة الشرعية والعقلية هل توافق ذلك أو تخالفه، ولهذا لا يوجد لهم أسانيد متصلة صحيحة قط، بل كل إسناد متصل لهم فلا بد أن يكون فيه من هو معروف بالكذب أو كثرة الغلط.
وهم في ذلك شبيه باليهود والنصارى فإنه ليس لهم إسناد، والإسناد من خصائص هذه الأمة، وهو من خصائص الإسلام، ثم هو في الإسلام من خصائص أهل السنة، والرافضة من أقل الناس عناية إذ كانوا لا يصدقون إلا بما يوافق أهواءهم و علامة كذبه أنه يخالف هواهم.
ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم.
ثم إن أولهم كانوا كثيري الكذب فانتقلت أحاديثهم إلى قوم لا يعرفون الصحيح من السقيم فلم يمكنهم التمييز إلا بتصديق الجميع أو تكذيب الجميع، والاستدلال على ذلك بدليل منفصل غير الإسناد”().
وعندما قال ابن تيمية: “ليس للشيعة أسانيد متصلة برجال معروفين مثل أسانيد أهل السنة حتى ينظر في الإسناد وعدالة الرجال، بل إنما هي منقولات منقطعة عن طائفة عُرف فيها كثرة الكذب، وكثرة التناقض في النقل”().
فهو كان يتكلم عن الرافضة، وليس عن عموم الشيعة.

والآن إذا أُطلق لفظ (الشيعة) فإنه يُقصد به الاثني عشرية … الإمامية… الجعفرية… الرافضة؛ وذلك لأنهم أصبحوا السواد الأعظم من الشيعة؛ فلا يُلتفت إلى الزيدية، أو غيرهم.
لكن التطور في الدلالة لا يعني طمس الحقائق، أو تغييب التاريخ والقفز عليه؛ فالشيعة كان منهم كبار المحدثين والمسندين، وقدموا خدمات جليلة في الاعتناء بالحديث النبوي رواية وتصنيفا.
ركن من الأركان
فمنهم الإمام الثبت الحافظ سلمة بن كهيل الكوفي، والذي قال فيه أحمد بن حنبل: “كان متقنا للحديث.
وقال أحمد العجلي: تابعي ثقة، ثبت في الحديث، وفيه تشيع قليل.
وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت على تشيعه.
وقال جرير بن عبدالحميد: لما قدم شعبة البصرة، قالوا: حدثنا عن ثقات أصحابك، فقال: إن حدثتكم عن ثقات أصحابي، فإنما أحدثكم عن نفر يسير من هذه الشيعة: الحكم، وسلمة بن كهيل، وحبيب بن أبي ثابت، ومنصور.
وقال ابن المبارك، عن سفيان: حدثنا سلمة بن كهيل، وكان ركنا من الأركان”().
الواسع العلم
ومنهم علي بن زيد بن جدعان، “الإمام العالم الكبير، كان من أوعية العلم على تشيع قليل فيه، وسوء حفظ يغضه من درجة الإتقان.
وقال العجلي: كان يتشيع، ليس بالقوي”().
قال الذهبي: “له عجائب ومناكير، لكنه واسع العلم”().
صاحب إتقان وتأله وخير
وهذا منصور بن المعتمر “الحافظ الثبت القدوة، كان من أوعية العلم، صاحب إتقان وتأله وخير.
قال عبدالرحمن بن مهدي: لم يكن بالكوفة أحد أحفظ من منصور”().
وقد كان مجلاّ لأبي بكر وعمر -رضوان الله عليهما؛ فعن زائدة قال: قلت لمنصور بن المعتمر: اليوم الذي أصوم أقع في الأمراء؟
قال: لا.
قلت: فأقع في من يتناول أبا بكر وعمر؟
قال: نعم”().
وقال ابن مهدي: “لم يكن بالكوفة أثبت من أربعة فبدأ بمنصور، وأبي حصين، وسلمة بن كهيل، وعمرو بن مرة.
قال: وكان منصور أثبتهم.
قال أحمد بن عبد الله العجلي: كان منصور أثبت أهل الكوفة، لا يختلف فيه أحد، صالح متعبد، أكره على القضاء فقضى شهرين قال: وفيه تشيع قليل وكان قد عمش من البكاء.
قلت: تشيعه حب وولاء فقط.
قال أبو نعيم الملائي: سمعت حماد بن زيد يقول: رأيت منصور بن المعتمر صاحبكم، وكان من هذه الخشبية، وما أراه كان يكذب، قلت: الخشبية: هم الشيعة”().
المختلف فيه
مجالد بن سعيد “العلامة، المحدث.
قال النسائي: ثقة.
وقال مرة: ليس بالقوي.
وقال أبو سعيد الأشج: شيعي.
وقيل لخالد الطحان: لم لم تكتب عن مجالد؟
قال: لأنه كان طويل اللحية”().
الصدوق
عوف بن أبي جميلة “الإمام الحافظ.
كان من علماء البصرة على بدعته.
وثقه غير واحد، وفيه تشيع.
قال ابن المبارك: ما رضي عوف ببدعة حتى كان فيه بدعتان: قدري، شيعي.
وقال بندار كان قدريّا، رافضيّا.
قلت: لكنه ثقة مكثر”().
غير المتقن
فطر بن خليفة “الشيخ العالم، المحدث الصدوق.
وثقه أحمد بن حنبل، وقال مرة: كان فطر عند يحيى بن سعيد ثقة، لكنه خشبي مفرط.
وقال أحمد العجلي: ثقة، حسن الحديث، فيه تشيع يسير.
وعن أبي بكر بن عياش قال: ما تركت الرواية عن فطر إلا بسوء مذهبه.
وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن فطر، فقال: ثقة، صالح الحديث، حديثه حديث رجل كيس إلا أنه يتشيع.
وقال أحمد بن يونس: تركته عمدا، وكان يتشيع.
ليس بذاك المتقن مع ما فيه من بدعة.
عن جعفر الأحمر قال: دخلنا على فطر بن خليفة وهو مغمى عليه، فأفاق، فقال: يا عبد الله! ما يسرني أن مكان كل شعرة في جسدي لسان يسبح الله بحبي أهل البيت”().
المتأله
فضيل بن مرزوق “المحدث.
وثقه سفيان بن عيينة، ويحيى بن معين.
وقال الحاكم: عيب على مسلم إخراجه في (صحيحه).
قلت: ما ذكره في الضعفاء البخاري، ولا العقيلي، ولا الدولابي، وحديثه في عداد الحسن -إن شاء الله- وهو شيعي.
كان يتأله.
قال الهيثم بن جميل: جاء فضيل بن مرزوق -وكان من أئمة الهدى زهدا وفضلا- إلى الحسن بن حي، فأخبره أنه ليس عنده شيء، فأخرج له ستة دراهم، وقال: ليس معي غيرها.
قال: سبحان الله! ليس عندك غيرها، وأنا آخدها؟! فأبى ابن حي إلا أن يأخذها، فأخذ ثلاثة، وترك ثلاثة”().
المحدث الحجة
وهذا محمد بن موسى الفِطري وصفه الذهبي بأنه: “المُحدِّث الحُجَّة”()، وقال أبو حاتم: “صدوق، يتشيع”().
محدث الشيعة
جعفر بن سليمان “الشيخ العالم الزاهد، محدث الشيعة.
كان من عباد الشيعة وعلمائهم، وقد حج، وتوجه إلى اليمن، فصحبه عبد الرزاق، وأكثر عنه، وبه تشيع.
ويروى أن جعفرا كان يترفض، فقيل له: أتسب أبا بكر وعمر؟ قال: لا، ولكن بغضا يا لك.
فهذا غير صحيح عنه.
وقال الحافظ زكريا الساجي: إنما عني بقوله: بغضا يا لك: جارين له يؤذيانه، اسمهما: أبو بكر وعمر.
عن عمر بن علي: رأيت ابن المبارك يقول لجعفر بن سليمان: رأيت أيوب؟
قال: نعم.
قال: ورأيت ابن عون؟
قال: نعم.
قال: فرأيت يونس؟
قال: نعم.
قال: كيف لم تجالسهم، وجالست عوفا، والله ما رضي عوف ببدعة حتى كانت فيه بدعتان: كان قدريّا شيعيّا.
وقال السعدي: روى مناكير، وهو متماسك لا يكذب”().
من نبلاء الرجال في كل أمره
عباد بن العوام “الإمام المحدث الصدوق.
قال ابن سعد: كان من نبلاء الرجال في كل أمره.
قال: وكان يتشيع، فحبسه الرشيد زمانا، ثم خلى عنه، فأقام ببغداد.
قلت: أظنه خرج مع إبراهيم، فلذلك سجنه”().
سليل بيت يتشيع
علي بن هاشم “الإمام الحافظ الصدوق، الكوفي، الشيعي.
عن ابن المديني: صدوق يتشيع.
وقال الجوزجاني: كان هو وأبوه غاليين في مذهبهما.
وقال أبو حاتم: كان يتشيع، يكتب حديثه.
وعن عيسى بن يونس قال: هم أهل بيت تشيع، وليس ثم كذب.
وقال ابن حبان في (الثقات): كان غاليّا في التشيع، وروى المناكير عن المشاهير”().
موطؤه أضعاف موطأ الإمام مالك
إبراهيم بن أبي يحيى “الشيخ العالم المحدث، أحد الأعلام المشاهير.
صنف (الموطأ) وهو كبير أضعاف موطأ الإمام مالك.
حدث عنه الشافعي، وقد كان -مع حسن رأيه فيه- إذا روى عنه ربما دلسه، ويقول: أخبرني من لا أتهم.
فتجد الشافعي لا يوثقه، وإنما هو عنده ليس بمتهم بالكذب، وقد اعترف الشافعي بأنه كان قدريّا.
قال أحمد: قدري جهمي، كل بلاء فيه، تركوا حديثه.
عن ابن معين قال: هو رافضي قدري.
قال محمد بن عبد الله بن البرقي: كان يرى -أو قال: يرمى- بالقدر والتشيع والكذب.
قال ابن حبان: كان الشافعي يجالس ابن أبي يحيى في حداثته، ويحفظ عنه حفظ الصبي، فلما دخل مصر في آخر عمره أخذ يصنف، واحتاج إلى الأخبار، ولم تكن معه كتبه، فأكثر ما أودع الكتب من حفظه، وربما كنى عن إبراهيم، ولا يسميه.
قال ابن عدي: لم أجد لإبراهيم حديثا منكرا إلا عن شيوخ يحتملون، وقد حدث عنه ابن جريج، والثوري، والكبار، وموطؤه أضعاف موطأ مالك، وأحاديثه كثيرة.
قلت: لا يرتاب في ضعفه.
بقي: هل يترك أم لا؟”().
محدث العراق
وكيع بن الجراح “الإمام الحافظ، محدث العراق، أحد الأعلام.
وكان من بحور العلم وأئمة الحفظ.
وقال أحمد بن حنبل: ما رأيت أحدا أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع.
محمد بن سلام البيكندي: سمعت وكيعا يقول: من طلب الحديث كما جاء، فهو صاحب سنة، ومن طلبه ليقوي به رأيه، فهو صاحب بدعة.
وقال محمد بن سعد: كان وكيع ثقة مأمونا عاليا رفيعا كثير الحديث حجة.
قال ابن عمار: ما كان بالكوفة في زمان وكيع أفقه ولا أعلم بالحديث من وكيع، وكان جهبذا.
قال بشر بن موسى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما رأيت قط مثل وكيع في العلم والحفظ والإسناد والأبواب مع خشوع وورع.
قال حنبل بن إسحاق: سمعت ابن معين يقول: رأيت عند مروان بن معاوية لوحا فيه أسماء شيوخ: فلان رافضي، وفلان كذا، ووكيع رافضي.
فقلت لمروان: وكيع خير منك، قال: مني؟
قلت: نعم.
فسكت، ولو قال لي شيئا، لوثب أصحاب الحديث عليه.
قال: فبلغ ذلك وكيعا، فقال: يحيى صاحبنا، وكان بعد ذلك يعرف لي، ويرحب.
قلت: والظاهر أن وكيعا فيه تشيع يسير لا يضر -إن شاء الله، فإنه كوفي في الجملة، وقد صنف كتاب (فضائل الصحابة)، سمعناه قدم فيه باب مناقب علي على مناقب عثمان -رضي الله عنهما”().
العابد المجتهد
أبو أحمد الزبيري “الحافظ الكبير المجود.
قال العجلي: كوفي ثقة يتشيع.
وقال بندار: ما رأيت رجلا قط أحفظ من أبي أحمد الزبيري.
وقال أبو حاتم: حافظ للحديث، عابد مجتهد، له أوهام”().
محدث الوقت
عبد الرزاق بن همام الصنعاني “الحافظ الكبير، الثقة الشيعي.
قال علي بن المديني: قال لي هشام بن يوسف: كان عبد الرزاق أعلمنا وأحفظنا.
قلت: هكذا كان النظراء يعترفون لأقرانهم بالحفظ.
قال أحمد العجلي: عبد الرزاق ثقة، كان يتشيع.
قال أحمد بن صالح: قلت لأحمد بن حنبل: رأيت أحسن حديثا من عبد الرزاق؟
قال: لا.
قال كاتبه: ما أدري ما عنى أحمد بحسن حديثه، هل هو جودة الإسناد، أو المتن، أو غير ذلك؟
قال محمد بن أبي السري، قلت لعبد الرزاق: ما رأيك أنت؟
يعني: في التفضيل.
قال: فأبى أن يخبرني، وقال: كان سفيان يقول: أبو بكر وعمر، ويسكت، ثم قال لي سفيان: أحب أن أخلو بأبي عروة -يعني: معمرا- فقلنا لمعمر، فقال: نعم، فخلا به، فلما أصبح، قلت: يا أبا عروة، كيف رأيته؟
قال: هو رجل، إلا أنه قلما تكاشف كوفيّا إلا وجدت فيه شيئا -يريد التشيع.
ثم قال عبد الرزاق: وكان مالك يقول: أبو بكر وعمر، ويسكت.
وكان معمر يقول: أبو بكر وعمر وعثمان، ويسكت.
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي: أكان عبد الرزاق يفرط في التشيع؟
قال: أما أنا، فلم أسمع منه في هذا شيئا، ولكن كان رجلا يعجبه أخبار الناس أو الأخبار.
آدم بن موسى: سمعت البخاري يقول: عبد الرزاق ما حدث من كتابه فهو أصح (1).
قال محمد بن عثمان الثقفي: لما قدم العباس بن عبد العظيم من عند عبد الرزاق من صنعاء، قال لنا -ونحن جماعة: ألست قد تجشمت الخروج إلى عبد الرزاق، فدخلت إليه، وأقمت عنده حتى سمعت منه ما أردت؟
والله الذي لا إله إلا هو، إن عبد الرزاق كذاب، والواقدي أصدق منه.
قلت: بل والله ما بر عباس في يمينه، ولبئس ما قال، يعمد إلى شيخ الإسلام، ومحدث الوقت، ومن احتج به كل أرباب الصحاح -وإن كان له أوهام مغمورة، وغيره أبرع في الحديث منه- فيرميه بالكذب، ويقدم عليه الواقدي الذي أجمعت الحفاظ على تركه، فهو في مقالته هذه خارق للإجماع بيقين.
قال أحمد بن زهير: سمعت يحيى بن معين، وبلغه أن أحمد بن حنبل تكلم في عبيد الله بن موسى بسبب التشيع، فقال يحيى: والله العظيم، لقد سمعت من عبد الرزاق في هذا المعنى أكثر مما يقول عبيد الله بن موسى، ولكن خاف أحمد بن حنبل أن تذهب رحلته إلى عبد الرزاق.
قال سلمة بن شبيب: سمعت عبد الرزاق يقول: ما انشرح صدري قط أن أفضل عليّا على أبي بكر وعمر، فرحمهما الله، ورحم عثمان وعليّا، من لم يحبهم فما هو بمؤمن، أوثق عملي حبي إياهم.
قال أبو الأزهر، سمعت عبد الرزاق يقول: أفضل الشيخين بتفضيل علي إياهما على نفسه، كفى بي إزراء أن أخالف عليّا .
وذكره أبو أحمد بن عدي في (كامله)، فقال: نسبوه إلى التشيع، وروى أحاديث في الفضائل لا يوافق عليها، فهذا أعظم ما ذموه به من روايته هذه الأحاديث، ولما رواه في مثالب غيرهم، مما لم أذكره، وأما الصدق، فإني أرجو أنه لا بأس به، إلا أنه قد سبق منه أحاديث في أهل البيت، ومثالب آخرين مناكير”().
أول من صنف المسند
عبيد الله بن موسى “الإمام، الحافظ العابد.
أول من صنف المسند على ترتيب الصحابة بالكوفة، كما أن أبا داود الطيالسي أول من صنف المسند من البصريين، على ما نقله الخليلي في (إرشاده).
وكان من حفاظ الحديث، مجودا للقرآن.
وتصدر للإقراء والتحديث.
وحدث عنه أحمد بن حنبل قليلا، كان يكرهه لبدعة ما فيه.
وثقه ابن معين وجماعة.
وحديثه في الكتب الستة.
قال أبو حاتم: ثقة صدوق حسن الحديث.
قال أحمد بن عبد الله العجلي: ثقة، رأس في القرآن، عالم به، ما رأيته رافعا رأسه، وما رئي ضاحكا قط.
وروى أبو عبيد الآجري عن أبي داود قال: كان شيعيّا محترقا، جاز حديثه.
قلت: كان صاحب عبادة وليل، صحب حمزة، وتخلق بآدابه، إلا في التشيع المشؤوم، فإنه أخذه عن أهل بلده المؤسس على البدعة.
عن عبيد الله بن موسى، حدثنا مالك بن مغول، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: قال علي : خيرنا بعد نبينا أبو بكر وعمر .
ورواية عبيد الله مثل هذا دال على تقديمه للشيخين، ولكنه كان ينال من خصوم علي.
قال ابن مندة: كان أحمد بن حنبل يدل الناس على عبيد الله، وكان معروفا بالرفض، لم يدع أحدا اسمه معاوية يدخل داره.
فقيل: دخل عليه معاوية بن صالح الأشعري، فقال: ما اسمك؟
قال: معاوية.
قال: والله لا حدثتك، ولا حدثت قوما أنت فيهم”().
المكثر المغرب
خالد بن مخلد “الإمام المحدث، الحافظ المكثر المغرب.
قال يحيى بن معين: ما به بأس.
وقال أبو داود: صدوق، لكنه يتشيع.
وقال محمد بن سعد: كان منكر الحديث، مفرطا في التشيع، كتبوا عنه ضرورة”().
صاحب المسند الكبير
يحيى بن عبد الحميد “الحافظ الإمام الكبير، المحدث الثقة، صاحب (المسند) الكبير.
سئل أحمد بن حنبل عن يحيى الحماني، فسكت، فلم يقل شيئا.
قال أبو داود: كان حافظا.
وقيل: كان يتشيع.
قال أبو داود: سألته عن حديث لعثمان، فقال لي: تحب عثمان؟
قال مطين: سألت محمد بن عبد الله بن نمير عن يحيى الحماني، فقال: هو ثقة، هو أكبر من هؤلاء كلهم، فاكتب عنه.
وروى عنه عثمان بن سعيد: صدوق مشهور، ما بالكوفة مثله، ما يقال فيه إلا من حسد.
وقال أبو حاتم: سألت ابن معين عنه، فأجمل القول فيه، وقال: ما له؟ كان يسرد مسنده أربعة آلاف سردا، وحديث شريك ثلاثة آلاف وخمسمائة كمثل.
وذكر أبو حاتم نحو عشرة آلاف.
ثم قال: كان أحد المحدثين.
عن علي بن عبد العزيز: سمعت يحيى الحماني يقول لقوم غرباء في مجلسه: من أين أنتم؟ فأخبروه.
فقال: سمعتم ببلدكم أحدا يتكلم في، ويقول: إني ضعيف في الحديث، لا تسمعوا كلام أهل الكوفة، فإنهم يحسدوني؛ لأني أول من جمع المسند، وقد تقدمتهم في غير شيء.
قال أبو أحمد بن عدي: ليحيى الحماني مسند صالح.
ويقال: إنه أول من صنف المسند بالكوفة، وأول من صنف المسند بالبصرة مسدد، وأول من صنف المسند بمصر أسد السنة، وهو أقدم منهما موتا.
قال ابن عدي: ولم أر في مسنده وأحاديثه أحاديث مناكير، وأرجو أنه لا بأس به”().
المحدث الصدوق
سعيد بن محمد الجرمي “الإمام المحدث الصدوق.
سئل أحمد بن حنبل عنه، فقال: صدوق، كان يسمع معنا الحديث ويطلب.
وقال بعضهم: كان يتشيع”().
الإمام الثقة
عبد الله بن عمر مُشكَدانة “المحدث الإمام الثقة.
قال أبو حاتم: صدوق.
وقال: لقبني بها أبو نعيم، كنت إذا أتيته تلبست وتطيبت، فإذا رآني، قال: جاء مشكدانة.
وقيل: هو وعاء المسك.
ومشك: مسك.
وقيل: كان مشكدانة شيعيّا”().
نادرة الزمان
ابن عقدة أحمد بن محمد “الحافظ العلامة، أحد أعلام الحديث، ونادرة الزمان، وصاحب التصانيف على ضعف فيه.
وعقدة لقب لأبيه النحوي البارع محمد بن سعيد، ولقب بذلك لتعقيده في التصريف، وهو من العلماء العاملين.
جمع التراجم والأبواب والمشيخة، وانتشر حديثه، وبعد صيته، وكتب عمن دب ودرج من الكبار والصغار والمجاهيل، وجمع الغث إلى السمين، والخرز إلى الدر الثمين.
عن أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى الطلحي، حدثنا محمد بن الحسن، حدثنا شريك، عن أبي الوليد، عن الشعبي، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ وأنا عنده، وأقبل أبو بكر وعمر: (يا علي هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين. إلا النبيين والمرسلين).
وبه إلى الحافظ أبي بكر: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد ابن حماد الواعظ، حدثنا أبو العباس بن عقدة إملاء في صفر سنة ثلاثين وثلاثمائة، حدثنا عبد الله بن الحسين بن الحسن بن الأشقر قال: سمعت عثام بن علي العامري، قال: سمعت سفيان، وهو يقول: لا يجتمع حب علي وعثمان إلا في قلوب نبلاء الرجال.
قلت: قد رمي ابن عقدة بالتشيع، ولكن روايته لهذا ونحوه، يدل على عدم غلوه في تشيعه، ومن بلغ في الحفظ والآثار مبلغ ابن عقدة، ثم يكون في قلبه غل للسابقين الأولين، فهو معاند أو زنديق.
قال ابن النجار: كان عقدة زيديّا، وكان ورعا ناسكا، سمي عقدة لأجل تعقيده في التصريف، وكان وراقا جيد الخط، وكان ابنه أحفظ من كان في عصرنا للحديث.
قال الدارقطني: أجمع أهل الكوفة أنه لم ير من زمن عبد الله بن مسعود إلى زمن أبي العباس بن عقدة أحفظ منه.
قلت: يمكن أن يقال: لم يوجد أحفظ منه وإلى يومنا وإلى قيام الساعة بالكوفة، فأما أن يكون أحد نظيرا له في الحفظ، فنعم، فقد كان بها بعد ابن مسعود وعلي، وعلقمة، ومسروق، وعبيدة، ثم أئمة حفاظ كإبراهيم النخعي، ومنصور، والأعمش، ومسعر، والثوري، وشريك، ووكيع، وأبي نعيم، وأبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبي كريب، ثم هؤلاء يمتازون عليه بالإتقان والعدالة التامة، ولكنه أوسع دائرة في الحديث منهم.
قال أبو الطيب أحمد بن الحسن بن هرثمة: كنا بحضرة أبي العباس بن عقدة نكتب عنه وفي المجلس رجل هاشمي إلى جانبه، فجرى حديث حفاظ الحديث، فقال أبو العباس: أنا أجيب في ثلاثمائة ألف حديث من حديث أهل بيت هذا سوى غيرهم، وضرب بيده على الهاشمي.
قال أبو بكر بن أبي دارم الحافظ: سمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن سعيد يقول: أحفظ لأهل البيت ثلاثمائة ألف حديث.
قال أبو جعفر الطوسي في (تاريخه): كان ابن عقدة زيديّا جاروديّا، على ذلك مات، وإنما ذكرته في جملة أصحابنا لكثرة رواياته عنهم.
قال أبو عمر بن حيويه: كان ابن عقدة في جامع براثا يملي مثالب الصحابة، أو قال: الشيخين، فلا أحدث عنه بشيء.
وقيل: إن الدارقطني كذب من يتهمه بالوضع، وإنما بلاؤه من روايته بالوجادات، ومن التشيع”().
مسند خراسان
أبو عمرو بن حمدان “الإمام المحدث الثقة، النحوي البارع، الزاهد العابد، مسند خراسان.
كان من القراء والنحويين.
قال الحافظ محمد بن طاهر المقدسي: كان يتشيع.
قلت: تشيعه خفيف كالحاكم”().
المحدث الزاهد
الأكواخي “المحدث الحجة الزاهد.
قال الصوري: كان ثقة ثبتا مكثرا.
وقال الكتاني: ثقة يتشيع”().
شيخ المحدثين
الحاكم محمد بن عبد الله “الإمام الحافظ، الناقد العلامة، شيخ المحدثين.
صنف وخرج، وجرح وعدل، وصحح وعلل، وكان من بحور العلم على تشيع قليل فيه.
هو ثقة واسع العلم، بلغت تصانيفه قريبا من خمسمائة جزء، يستقصي في ذلك، يؤلف الغث والسمين. ثم يتكلم عليه، فيبين ذلك.
قال أبو بكر الخطيب: كان أبو عبد الله بن البيع الحاكم ثقة، وكان يميل إلى التشيع.
قال عبد الغافر بن إسماعيل: الحاكم أبو عبد الله هو إمام أهل الحديث في عصره، العارف به حق معرفته.
عن ابن طاهر: أنه سأل أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي، عن أبي عبد الله الحاكم، فقال: ثقة في الحديث، رافضي خبيث.
قلت: كلا ليس هو رافضيّا، بلى يتشيع.
قال ابن طاهر: كان شديد التعصب للشيعة في الباطن، وكان يظهر التسنن في التقديم والخلافة، وكان منحرفا غاليّا عن معاوية وعن أهل بيته، يتظاهر بذلك، ولا يعتذر منه، فسمعت أبا الفتح سمكويه بهراة، سمعت عبد الواحد المليحي، سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: دخلت على الحاكم وهو في داره، لا يمكنه الخروج إلى المسجد من أصحاب أبي عبد الله بن كرام، وذلك أنهم كسروا منبره، ومنعوه من الخروج، فقلت له: لو خرجت وأمليت في فضائل هذا الرجل حديثا، لاسترحت من المحنة، فقال: لا يجيء من قلبي، لا يجيء من قلبي”().
المسند العالم
ابن السمسار “الشيخ الجليل، المسند العالم.
كان مسند أهل الشام في زمانه.
قال الكتاني: كان فيه تشيع وتساهل.
وقال أبو الوليد الباجي: فيه تشيع يفضي به إلى الرفض، وهو قليل المعرفة، في أصوله سقم.
ولعل تشيعه كان تقية لا سجية، فإنه من بيت الحديث، ولكن غلت الشام في زمانه بالرفض، بل ومصر والمغرب بالدولة العبيدية، بل والعراق وبعض العجم بالدولة البويهية، واشتد البلاء دهرا، وشمخت الغلاة بأنفها، وتواخي الرفض والاعتزال حينئذ، والناس على دين الملك، نسأل الله السلامة في الدين”().
العالم الأديب
أبو منصور محمد بن محمد العكبري “الشيخ، العالم، الأديب، الأخباري، النديم.
من أولاد المحدثين.
قال الخطيب: كتبت عنه، وكان صدوقا.
وقال سبط الخياط: كان يتشيع”().
الشيخ الرئيس
أبو الحسن محمد بن الحسن الجهني “الشيخ الرئيس الكوفي، الشيعي.
كان رديء العقيدة -الله يسامحه”().
مسند الوقت
أبو عبد الله القاسم بن الفضل الثقفي “الشيخ العالم المعمر، مسند الوقت، رئيس أصبهان ومعتمدها.
روى الكثير، وتفرد في زمانه، وكان صدرا معظما.
قال السمعاني: كان ذا رأي وكفاية وشهامة، وكان أسند أهل عصره، وأكثرهم ثروة ونعمة وبضاعة ونقدا، وكان منفقا، كثير الصدقة، دائم الإحسان إلى الطارئين والمقيمين والمحدثين، وإلى العلوية خصوصا، كثير البذل لهم.
وكان من رجال الدنيا، عمر، ورحلت إليه الطلبة من الأمصار، وكان صحيح السماع، غير أنه كان يميل إلى التشيع.
قال يحيى بن منده: لم يحدث في وقت أبي عبد الله الرئيس أوثق منه في الحديث، وأكثر سماعا، وأعلى إسنادا، كان فيما قيل: يميل إلى الرفض”().
مسند العراق
أبو عبد الله الحسين بن أحمد النعالي “الشيخ المعمر، مسند العراق.
قال أبو علي بن سكرة: هو رجل أمي، له سماع صحيح عال، وكان فقيرا عفيفا، من بيت علم، يخدم حماما في الكرخ.
قال شجاع الذهلي: هو صحيح السماع، خال من العلم والفهم.
وقال أبو عامر العبدري: هو عامي أمي رافضي، لا يحل أن يحمل عنه حرف، لا يدري ما يقرأ عليه.
وقال السمعاني: سألت إسماعيل الحافظ بأصبهان، فقال: هو من أولاد المحدثين، سمع الكثير، وسألت إبراهيم بن سليمان عنه، فقال: لا أحدث عنه، كان لا يعرف ما يقرأ عليه”().
المسند الكاتب
أبو علي محمد بن سعيد بن نبهان “الشيخ الكبير، العالم المعمر، مسند وقته، الكاتب.
قال السمعاني: هو شيخ عالم، فاضل مسن، من ذوي الهيئات.
قال ابن ناصر: فيه تشيع، وكان سماعه صحيحا.
وقال ابن ناصر: لم يكن من أهل الحديث، وكان أولا على معاملة الظلمة، وكان رافضيّا”().
الشيخ الجليل المسند
أبو منصور، عبد الله بن محمد بن عبد السلام “الشيخ الجليل المعمر، المسند، الكاتب.
من بيت الرواية والكتابة.
وهو والد مسند وقته الفتح بن عبد السلام.
وقال فيه الحافظ ابن النجار: كان شيخا نبيلا، وقورا، من ذوي الهيئات وأولاد الرؤساء والمحدثين.
وسمعت محمد بن النفيس بن منجب يقول: كان ثقة يتشيع”().
المحدث العالم
أحمد بن طارق بن سنان، “المحدث العالم الشيعي.
قال ابن الدبيثي: كان حريصا على السماع، وعلى تحصيل الأجزاء، مع قلة معرفته، وكان ثقة.
قال الشيخ الضياء: كان شيعيا غاليا.
وقال ابن النجار: لم يزل يطلب، وكان يوادني، وكان صديقا طيب المعاشرة، إلا أنه غال في التشيع، شحيح مقتر، يشتري من لقم المكديين، ويتبع المحدثين ليأكل معهم، ولا يوقد ضوءا، خلف تجارة بثلاثة آلاف دينار، ومات وحده، ولم يعلم به.
وقال عبد الرزاق الجيلي: كان ثقة ثبتا، مع فساد دينه.
وقال ابن نقطة: خبيث الاعتقاد، رافضي”().
وقد أطلت النفس والنقل عن الذهبي لنقف على مدى الإسهام الذي قام به الشيعة في الاهتمام بالحديث النبوي، وقد رأينا فيهم من فيه تشيع خفيف يسير، والزيدي، والرافضي، ومن كان منهم من أولاد المحدثين، ومن بيوت العلم.
وما تم إيراده فيه بعضُ الرد على شيخ الإسلام ابن تيمية حينما شبَّه الرافضة باليهود والنصارى في عدم الاهتمام بالإسناد.
وللأسف فإن الصور النمطية عموما قد تنتشر وتشيع وعند التحقيق فيها والتدقيق نجدها صورة غير دقيقة تماما، ولا تعبر عن الواقع تعبيرا حقيقيّا.

