أزمة العملة في إيران بين الشركات الحكومية والقطاع الخاص

نشرت صحيفة كيهان الأصولية، الثلاثاء 16 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا ذكرت فيه أن بعض الدراسات والشواهد تشير إلى أن السبب الرئيسي وراء المشكلات المتعلقة بالعملة الصعبة هو عدم إعادة 35% من عائدات الصادرات إلى إيران من قبل 20 شركة كبرى حكومية وشبه حكومية.

وأضافت الصحيفة أنه قد مرّ نحو عام على تصريح وزير الاقتصاد الإيراني السابق عبد الناصر همتي، الذي أعلن أن حوالي 35% من العملة الأجنبية الناتجة عن الصادرات غير النفطية لم تعد إلى إيران، وقد قال حينها إن المصدّرين يرون أن إعادة العملة الأجنبية لا تُعد مجدية اقتصاديا لهم، ولكن بمراجعة الإحصاءات والبيانات الرسمية يتضح أن أصل المشكلة يتجاوز قضية سعر الصرف، ويعود إلى خلل هيكلي في الاقتصاد الإيراني ودور الشركات الكبرى الحكومية وشبه الحكومية.

وتابعت أن المراجعات تُظهر أنه في القطاع الزراعي، سُجِّل عام 2024 نحو ستة مليارات دولار من الصادرات في مجالات الخضار والفواكه المجففة والمواد الغذائية.

وأردفت أن قسما من هذه الصادرات، بسبب طبيعتها الصغيرة والمتفرقة، جرى على شكل صادرات بالريال الإيراني، أي إن المصدّر يبيع السلعة في الدول المجاورة من دون أن تدخل العملة الصعبة فعليا في الدورة الاقتصادية، وفي مثل هذه الحالات، تصبح عملية تسوية الالتزامات بالعملة الصعبة صعبة التنفيذ.

وأوضحت أن جوهر القضية يتعلق بقطاع الصادرات الصناعية، والتعدينية والبتروكيميائية، وهو القطاع الذي تهيمن عليه الشركات الكبرى الحكومية وشبه الحكومية، وفي عام 2024، قدّم أحد نواب البرلمان جدولا في الجلسة العلنية أظهر أن الحصة الأكبر من عدم إعادة العملة الصعبة تخص هذه الشركات؛ وهي شركات إما حكومية بشكل مباشر أو تعمل تحت إدارة صناديق التقاعد والهيئات التابعة للحكومة.

شركات شبه حكومية كبرى لم تفِ بالتزاماتها بالعملة الصعبة

أكَّدت الصحيفة أن التقارير الرسمية تشير إلى أن نحو 20 شركة كبرى شبه حكومية في صناعات البتروكيميائيات والصلب والتعدين تتصدر قائمة المصدّرين الذين لم يعيدوا عائداتهم من العملة الصعبة إلى إيران.

وأبرزت أن نائب رئيس لجنة الدمج في البرلمان محسن زنغنه، أكَّد أن “8% من الشركات التي لا تعيد عملتها الصعبة إلى إيران شركات حكومية أو شبه حكومية، وإحدى الشركات المصدّرة الكبرى مثلا تابعة لأحد صناديق التقاعد، وعندما نضغط عليها لإعادة العملة الصعبة، يبرّرون ذلك بأنهم إذا أخّروا عملية الإرجاع سيحققون أرباحا أكبر، وبواسطة هذه الأرباح يدفعون رواتب المتقاعدين”. 

وبيَّنت أن هذه الحلقة جعلت الحكومة في موقع المستفيد، وبالتالي قلّصت قدرتها على مواجهة هذه الشركات.

وأضاف زنغنه أن الحكومة تمنح المنتجين والمصدّرين في القطاع الخاص طاقة رخيصة جدا وإعفاءات ضريبية حتى تكون أسعار منتجاتهم قادرة على المنافسة مع الدول الأخرى، وهم ملزمون بإعادة عملتهم الصعبة إلى إيران، لكن في بعض الحالات لا يقومون بذلك.

وأفاد بأنه عكس الانطباع الذي يحاول القطاع شبه الحكومي (الخاص ـ الحكومي) تكريسه، بأن المصدّرين من القطاع الخاص هم المتهم الرئيس في أزمة العملة الصعبة، فإن جزءا كبيرا من المشكلة يعود إلى سلوك الشركات الكبرى التابعة للدولة؛ وهي شركات تحصل على المواد الأولية والطاقة واليد العاملة الرخيصة، لكنها تتصرف في سوق العملة بيد طليقة.

نظام صرف منفلت

أوردت الصحيفة أن زنغنه أوضح أن النظام النقدي في إيران منذ عام 2017 شجّع المصدّرين على عدم إعادة عملتهم الصعبة أو تأخيرها، فجميع المسؤولين الماليين والنقديين في هذه السنوات، بالاعتماد على نظرية خاطئة، تعاملوا بتبسيط مع قضية ارتفاع سعر الصرف.

وصرَّح بأن هذا التصور أوصل رسالة واضحة للمصدّرين، مفادها، كلما أخرتم إعادة العملة الصعبة، ازدادت أرباحكم، ونتيجة ذلك كانت ظهور نظام صرف منفلت يرفع يوما بعد يوم منسوب التوقعات التضخمية وعدم الاستقرار الاقتصادي، في حين أن سوق العرض والطلب للعملة يجب أن يخضع لجهة تنظيمية واضحة.

أما عضو لجنة الشؤون الاقتصادية، حسين صمصامي، فقد كتب في صفحته الشخصية، أنه بحسب قانون مكافحة تهريب السلع والعملات واللوائح المرتبطة به، فإن جميع المصدّرين ملزمون بإعادة العملة الأجنبية الناتجة عن صادراتهم إلى الدورة الاقتصادية لإيران، لكن التفسير الخاطئ من قبل لجنة إعادة العملة أدى إلى عدم عودة مليارات الدولارات إلى الداخل.

وأظهر أن اللائحة التنفيذية الخاصة بعودة العملة الأجنبية حدّدت الحد الأدنى للمحفّزات، لكن لجنة إعادة العملة بدلا من ذلك طبّقت حدود القيود، وهو ما يخالف روح القانون وأدى إلى إضعاف عملية إعادة العملات إلى إيران.

وأكد أن الإصلاح العاجل لإجراءات لجنة إعادة العملة والالتزام الصارم بالقانون يمكن أن يعيد جزءا كبيرا من الموارد المالية المجمّدة في الخارج إلى الدورة الاقتصادية، ويُشكّل خطوة مهمة لدعم الإنتاج والسيطرة على سوق الصرف.

تبعات عدم عودة العملة الصعبة

أبلغت الصحيفة أن عدم إعادة العائدات التصديرية من العملات الأجنبية ترك آثارا مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد.

  • الأثر الأول هو تقليص الموارد المالية اللازمة لاستيراد المواد الأولية للإنتاج، وبما أن قطاعا مهما من الصناعات في إيران يعتمد على الاستيراد، فإن غياب هذه الموارد عن الدورة الرسمية يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التوريد، ومن ثم إلى زيادة التضخم.
  • الأثر الثاني يتمثل في الضغط على سوق الصرف الحر، إذ عندما لا يعيد المصدّرون عملاتهم الأجنبية، لا تتم تلبية الطلب عبر السوق الرسمي، فيضطر المنتجون لشراء ما يحتاجون إليه من السوق غير الرسمي (التهريب)، وهو ما يؤدي بشكل مباشر إلى ارتفاع سعر الصرف في السوق الحرة وزيادة التضخم.

سياسة المقايضة؛ مسكّن مؤقت أم حل مستدام؟

أوضحت الصحيفة أنه لمعالجة جزء من المشكلة، طبّقت الحكومة منذ عام 2022 سياسة المقايضة بالعملة، ووفقا لهذه الآلية، يمكن للمصدرين استخدام عائداتهم مباشرة في عمليات الاستيراد، وهذه السياسة توفّر سنويا ما بين 5 إلى 10 مليارات دولار من احتياجات الاستيراد، وتمتاز بميزة أساسية، وهي أن المستوردين لم يعودوا مضطرين للانتظار في طوابير تخصيص العملة، بل يستطيعون إنجاز وارداتهم خلال أقل من أسبوع.

لكن ما يزال الغموض قائما حول نقطتين:

  1. هل تتم هذه الواردات فعلا عبر العائدات التصديرية، أم أن بعض المستوردين يشترون العملة من السوق الحرة ثم يسجّلون بيانات تصدير صورية للاستفادة من امتياز المقايضة؟
  2. إن السلع المستوردة عبر هذه الآلية تُسعّر بسعر الصرف الحر، وهو ما يدفع بعض التيارات الحكومية المؤيدة لتوحيد سعر الصرف إلى دعم هذه السياسة.