تحديات وفرص الذكاء الاصطناعي في إيران وتأثيره على التربية والأسرة

نشرت وكالة أنباء دانشجو، الثلاثاء 16 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا ذكرت فيه أن ندوة بعنوان “الأبناء في عصر الذكاء الاصطناعي واستعداد الأسر”، انعقدت بهدف مناقشة الفرص والتهديدات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي في حياة العائلات، وذلك في مؤسسة تبيان، بمشاركة الأستاذ المساعد في تكنولوجيا التعليم بجامعة علامة طباطبائي مهدي واحدي، والخبير والناشط الإعلامي محمد إحسان خراميد، والمعلم والباحث في مجال التربية والإعلام حسين غفاري.

وأضافت أنه خلال الجلسة، قدّم واحدي، شرحا حول الفرص والتهديدات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في مجال التربية، وخصوصا دور الأسر، مؤكّدا ضرورة تكوين فهم صحيح ووضع سياسات متماسكة في هذا المجال.

وتابعت أن واحدي قال، في بداية كلمته، مشيرا إلى “النفوذ غير المرئي ولكنه شامل للذكاء الاصطناعي في الحياة، قبل أن نتمكن من مناقشة الفرص والتهديدات وعلاقة العائلات بهذه التقنية، علينا أولا الوصول إلى فهم صحيح أو شبه صحيح لهذه الظاهرة، فذلك أمر بالغ الأهمية في هذا الحوار”.

وحذَّر من وجود إدراك عام ينطوي على مخاطرة في المجتمع قائلا: “إن أي نقاش تربوي حول الذكاء الاصطناعي لم يعد اليوم مجرّد تجارب عشوائية، فالبرامج التعليمية التي يستخدمها الأطفال والمراهقون، وأنظمة المراقبة في شبكات التواصل الاجتماعي، ومختلف الأدوات التكنولوجية، بل وحتى أحاديثنا اليومية؛ فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد أثر فيها، بل هو طبقة غير مرئية لكنها حاضرة بقوة ومؤسِّسة للمعايير”.

ووصف مجالات نفوذ الذكاء الاصطناعي بأنها واسعة جدا، مؤكّدا أن “الذكاء الاصطناعي حاضر في التعليم، وفي الترفيه، وفي الاتصالات، بل حتى في تشكيل هوية أطفالنا ومراهقينا، حيث تُرى بصماته بوضوح في الوقت الراهن”، وأشار إلى أن حصره في حدود المحادثات فقط قد يجعلنا نغفل عن الجزء الأكبر- وغير المرئي في الغالب- من تأثير الذكاء الاصطناعي على التربية وحياة الأطفال.

وطرح واحدي سؤالا محوريا على النحو الآتي، هل يمكن لتقنية الذكاء الاصطناعي أن تتحول إلى أداة لتمكين جيلنا القادم، أم أنها خطر خفي يهدّد مجالات متعددة مثل الخصوصية، والإبداع، واستقلالية الأطفال، والحوار؟ وأكد أن هذا السؤال يمكن أن يفتح الطريق أمام بعض النقاشات.

وأوضح قائلا: “نحن على أعتاب انتقال تاريخي في مجال التكنولوجيا، مشيرا إلى الفرص الفريدة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، إذ يمكن لهذه التقنية في الوقت الحالي أن تقلّص الفجوات التعليمية بشكل كبير، وأن تجعل التعليم أكثر تخصيصا بما يتناسب مع ظروف كل طفل أو طالب، بل ويمكنها أن تهيئ أبناءنا لعالم جديد”.

وأشار في الوقت ذاته إلى وجود مخاوف جدية، محذرا من أنه إذا لم تُعتمد برامج لمواجهتها فسوف نواجه مخاطر حقيقية، ومن أبرز هذه المخاوف، استبدال التواصل الإنساني، وهو ما نراه حاليا لدى بعض الأطفال بسبب الاستخدام المفرط للذكاء الاصطناعي، كذلك فإن البيانات الضخمة الخاصة بالأطفال، التي تُجمع بلا رقابة عبر الألعاب والتطبيقات المختلفة، قد تشكل تهديدات على الأسر والمجتمع. 

وأكّد أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي نفسها تمثل قضية مهمة ومقلقة، وأضاف أننا نعيش في خضم مفترق تاريخي، لافتا إلى أن السياسات العالمية تتجه الآن بجدية نحو تشريع القوانين وتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، فيما تبادر الدول الرائدة في مجال الثقافة والإعلام التربوي إلى اتخاذ خطوات عملية.

وتابع تحليله لوضع إيران مشيرا إلى “أننا قبلنا هذه التكنولوجيا أسرع من تقنيات سابقة مثل الفيديو والإنترنت والأقمار الصناعية”، ومن دون مقاومة، لكنه رفض ادعاء أن ذلك نابع من تغيّر في البارادايمات الذهنية لصنّاع السياسات، موضحا، لو كان الأمر كذلك، لكنا شهدنا خلال السنوات الأربع أو الخمس الماضية تطورات مهمة، وهو ما لم يحدث بعد. 

وتساءل: “أين وصلت المؤسسات المسؤولة؟ وما دورها الحالي في وضع السياسات والأطر المنظمة للذكاء الاصطناعي في إيران؟ وأين يقف هذا الملف داخل نظام التعليم والتربية لدينا؟”.

وأردف مستندا إلى تواصله مع بعض الجهات المعنية بالسياسات، أنه حتى الآن لم يحدث شيء ملموس، مؤكدا أنه لو كان هناك إدراك حقيقي ودقيق لمكانة الذكاء الاصطناعي في العالم المعاصر، لكانت الهواجس والمخاوف تُترجم إلى أنشطة تتعلق بالتقنين والتنظيم وحتى بالممارسات اليومية داخل المدارس، لكننا ما زلنا بعيدين عن ذلك.

وشدد على أن الذكاء الاصطناعي يتغلغل في حياتنا بشكل شامل، موضحا أنه لا يقتصر على المحادثات النصية، بل يشكل طبقة غير مرئية لكنها حاضرة بقوة في التعليم، والترفيه، والاتصالات، بل وحتى في تكوين هوية أطفالنا، وأن حصر فهمنا له في حدود المحادثات يجعلنا غافلين عن معظم تأثيراته

وتساءل: “هل يمكن أن تتحول هذه التكنولوجيا إلى أداة لتمكين الجيل القادم، أم أنها خطر خفي يهدد خصوصية الأطفال وإبداعهم واستقلالهم؟”.

وأوضح “أننا على أعتاب تحول تاريخي، مشيرا إلى المفارقة القائمة، فمن جهة، يستطيع الذكاء الاصطناعي تقليص الفجوات التعليمية، وتخصيص التعليم بما يلائم كل طفل، وإعدادهم لعالم جديد، ومن جهة أخرى، تبرز مخاوف جدية مثل استبدال العلاقات الإنسانية، واستغلال البيانات الضخمة الخاصة بالأطفال، إضافة إلى خوارزميات غير شفافة”.

وانتقد جمود المؤسسات المعنية، قائلا: “لو كان هناك إدراك حقيقي لمكانة الذكاء الاصطناعي، لَكنا اليوم نشهد أنشطة تتعلق بالتقنين والتنظيم، بل وحتى ممارسات تربوية على مستوى المدارس، لكن للأسف هذا لم يحدث بعد”.

وأضاف في تحليله أنه “يبدو أن طبيعة الذكاء الاصطناعي واتساع نطاقه تجعل من فكرة مقاومته أو الوقوف ضده أمرا غير عقلاني، وهو ما قادنا إلى حالة من غياب القرار، فلا نحن في موقع الممانعة والمواجهة السلبية، ولا نحن في موقع الجاهزية الكاملة للتخطيط المنظم”.

ونقلت الوكالة عن محمد إحسان خُراميد قوله، خلال اللقاء حول مستقبل الأبناء في عصر الذكاء الاصطناعي واستعداد العائلات في مؤسسة تبيان، إن الأطفال في الوقت الراهن قبل أن يتلقوا أي تعليم، لديهم بالفعل زميل رقمي إلى جانبهم، منبها من أن الذكاء الاصطناعي يلتهم خصوصيات العائلات بلا أي إطار تربوي، بينما لا نزال عاجزين عن تحديد إن كان خيرا أم شرا.

وأشار إلى ازدواجية الموقف تجاه هذه التقنية قائلا: “من جهة، يُنظر إليها على المستويات الإدارية والأكاديمية باعتبارها أداة ميسِّرة وموفرة للوقت، ومن جهة أخرى قد تمثل هذه التكنولوجيا خطرا كبيرا على الطالب وأسرته”.

وأبرز بمثال واقعي عن ابنه البالغ من العمر 10 سنوات، قائلا: “لاحظت أنه يقضي ساعات طويلة في إعداد محتوى يمكن إنجازه بسهولة بمساعدة الذكاء الاصطناعي في أقل من خمس دقائق، وهنا تكمن أهمية أن نُعلِّم الأطفال كيف يستخدمون الأدوات بذكاء أكبر، بحيث يوفّرون وقتهم لأعمال أخرى”، وشدّد على ضرورة تقديم حلول عملية ومحددة للأُسر، مؤكدا أن العائلات بحاجة ماسّة لمعرفة ما الذي يجب أن تفعله بالضبط، وكيفية التعامل مع هذه الظاهرة.

الذكاء الاصطناعي مهارة عامة لا أداة محظورة

أوردت الوكالة عن خُراميد، في سياق حديثه عن فرص وتحديات هذه التكنولوجيا، تأكيده ضرورة إنشاء بروتوكول عائلي لاستخدام الذكاء الاصطناعي، منوها إلى أن على الأسر أن تضع لنفسها قواعد واضحة وفق نموذج إشارات المرور: أخضر، وأصفر، وأحمر.

وأظهر أن الأخضر يشمل الاستخدامات المفيدة والآمنة مثل المساعدة في توليد الأفكار، أو تدريب المفردات، أو إعداد الملخصات تحت إشراف، أما الأصفر فيتعلق بالمجالات التي تحتاج إلى رقابة أدق، مثل الحصول على محتوى تعليمي قد يكون مبنيا على مصادر غير موثوقة، بينما الأحمر هو خط أحمر صارم، كإدخال أي بيانات شخصية، أو إرسال صور للأطفال، أو مشاركة أي معلومات حساسة، فهذا ممنوع تماما.

وجزم بأن الذكاء الاصطناعي مهارة عامة يجب أن يتعلمها الجميع، مع بقاء الحكم النهائي للإنسان، حيث يتم دائما مراجعة مخرجات الآلة من قبل مختصين لضمان صحتها، وأشار إلى الفرص الكبيرة لهذه التقنية، مثل تعزيز العدالة التعليمية للطلاب في المناطق النائية والريفية وتطوير المهارات اللازمة لمستقبل الأجيال.

وحذّر من مخاطر أساسية تشمل الأخطاء في المخرجات، وقضايا الخصوصية والأثر الرقمي، والاعتماد المفرط الذي قد يضعف المهارات الجوهرية، وأوضح أن عائلته تطبّق بروتوكولا تشاركيا لاستخدام الذكاء الاصطناعي، حيث يستخدم الأطفال التقنية تحت إشراف ومراجعة دقيقة لضمان دقة النتائج.

وأكد أن النقطة الأساسية هي التعامل مع الذكاء الاصطناعي كمساعد وليس كبديل، بحيث يتعلم الأطفال استخدامه بذكاء مع الحفاظ على مهارات التفكير النقدي والقدرة على الحكم.

وأوضحت الوكالة أن حسين غفاري أبلغ أن “الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطبيق أو ميزة برمجية، بل ظاهرة حقيقية تحدث أمام أعيننا، بعد أن كانت الرقمنة والتحول إلى الأجهزة المحمولة مجرد تمهيد، وما نراه الآن هو النسخ التجريبية الأولى للذكاء الاصطناعي الجاد، وهو بداية لعصر جديد، فيما يشير إلى أهمية تحديد المخاوف ووضع حدود واضحة عند التعامل معه، خصوصا في المدارس والعائلات”.

وحدد غفاري مخووفين أساسيين بشأن الذكاء الاصطناعي: الأول هو عدم اليقين العالمي حول تأثير هذه التكنولوجيا على حياة البشر، حيث أن نماذج التطوير لا تعتمد رؤية مستقبلية واضحة، والشركات المطورة لا تعرف بالضبط تبعات استثماراتها وتصاميمها خلال السنوات القادمة، وأشار إلى مثال خلل تقني، حيث يجيب الذكاء الاصطناعي بثقة على أي سؤال حتى لو لم يعرف الإجابة، مما قد يضلل المستخدمين. 

واستخدم غفاري استعارة فيلم العصر الجديد للتحذير من أن هذه الظاهرة لا تعرف نتائج أفعالها، ودخولها مجال تربية الأطفال يشكل تجربة قائمة على التجربة والخطأ.

وأبرز أن المخوف الثاني، يتعلق بالفلسفة الحاكمة لتطوير هذه التكنولوجيا، حيث إن التحكم بها وإدارتها يتم وفق وجهة نظر غربية، ما يجعلها خطيرة ومقلقة، مع هدف نهائي لتحقيق آرمانيات الغرب مثل المساواة المطلقة بين الأعراق والجنسين، وليس الأهداف التربوية الإلهية.

وأكَّد أن “الذكاء الاصطناعي حتمي ويجب تعلم التعايش معه بشكل واع، مع التحدث مع العائلات حوله، وتجنب الخوف المفرط، والإشارة إلى أن الإجراءات العملية أكثر فاعلية من التفاؤل الساذج، فمثلا تحديد أوقات الاستخدام وحده لا يكفي”، وبيَّن أن “الأجهزة الرقمية استهدفت العقل، حيث تخلصنا من الأعمال المتكررة لكنها تُضعف القدرات الذهنية، مستشهدا بعدم احتفاظه بالأرقام في ذهنه بسبب الاعتماد على الهاتف”. 

وأنذر من الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، مشيرا إلى تأثيرها على مهارات التواصل الواقعي والتفاعل الاجتماعي، داعيا للتفكير في ما تخسره هذه التكنولوجيا وما تضعفه.

حذر غفاري من فقدان المهارات الإنسانية الأساسية بسبب الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي، مشددا على ضرورة اتخاذ قرار واع بشأن استخدامه، وانتقد دقة أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية، موضحا أنها دقيقة أحيانا ومخترعة أحيانا أخرى، مما يبرز أهمية التفكير النقدي.

ولفت إلى التحيّزات اللغوية والثقافية لهذه الأنظمة، لأنها قائمة على بيانات مترجمة من الإنجليزية وغير محلّلة بالفارسية، ما يتطلب الحذر في استخدامها، ونبَّه من استبدال الذكاء الاصطناعي بالواقع الاجتماعي والتعليم التقليدي، مؤكدا أن الأطفال قد يشكّلون هويتهم عبر الذكاء الاصطناعي بدلا من الأسرة والثقافة. 

وحثَّ على أهمية تعزيز المهارات الإنسانية الأساسية مثل التفكير المنطقي، والنقدي والعلاقات العاطفية، ومحو الأمية الأساسية، ليتمكن الإنسان من السيطرة على الذكاء الاصطناعي بدلا من أن يسيطر هو عليه.