أزمة ثقة تتفاقم وصراع جديد بين التيارات

في خطوة أثارت ردود فعل متباينة، وافق البرلمان الإيراني على مناقشة عاجلة لمشروع قانون يهدف إلى مكافحة نشر المحتوى الإخباري غير الحقيقي في الفضاء الإلكتروني، يأتي ذلك في ظل أجواء سياسية وأمنية مشحونة تمر بها البلاد بعد حرب دامت 12 يوما مع إسرائيل، وحيث يتجدد النقاش حول حدود حرية التعبير، ودور الإعلام في كشف الفساد.

تسريع إجراءات المناقشة وسط تحذيرات من آثار مجتمعية

فخلال الجلسة العلنية للبرلمان التي عقدت الأحد 27 يوليو/تموز 2025، صوَّت النواب بأغلبية الأصوات، 205 أصوات مؤيدة في مقابل 49 صوتا معارضا، و3 أصوات ممتنعة من إجمالي 257 نائبا حضروا للجلسة، لصالح النظر في مشروع القانون المثير للجدل بصيغة عاجلة وهو ما يعني تجاوز النقاشات المفصلة في اللجان المختصة، والذهاب مباشرة نحو التصويت في جلسة عامة.

هذا، على أن القرار لم يمر بدون نقاش، فقد انتقد النائب الإصلاحي، سيد فريد موسوي، هذه السرعة التشريعية، وقال في مداخلته تحت قبة البرلمان: “في ظروف حساسة تمر بها البلاد، حيث نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى التلاحم الوطني، والثقة العامة، ومساحات الحوار المفتوح، فإن تقديم مثل هذا المشروع بصيغة استعجالية أمر يثير الاستغراب ولا يتماشى مع مصلحة الوطن”، مضيفا: “المحتوى نفسه مثير للجدل، فهل الأولوية الآن هي إسكات النقاد أم مواجهة الغلاء، وانعدام الثقة، والحاجة إلى الشفافية؟”.

أيضا، تساءل موسوي عن الجهة التي ستحدد ما إذا كان خبر ما غير حقيقي حسب وصف القانون، مشيرا إلى أمثلة عديدة في الماضي القريب حيث أنكر المسؤولون حقائق كشفت لاحقا، مثل تفشي كورونا، وفضيحة صندوق المعلمين، ورواتب المسؤولين العالية، وقضايا الفساد في وزارة الجهاد الزراعي.

وأنهى موسوي مداخلته بالقول: “هذه العجلة تعني إغلاق باب الحوار، وتجاهل تحذيرات الإعلاميين والمثقفين، وتهميش النقاش القانوني والاجتماعي الذي يجب أن يسبق إصدار أي قانون بهذه الحساسية”.

موجة عارمة من الانتقادات.. من النواب إلى الأحزاب السياسية

في تطور لافت، بعث 19 نائبا في البرلمان برسالة مفتوحة إلى الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، عبروا فيها عن رفضهم مشروع القانون، الرسالة التي حملت توقيع شخصيات بارزة مثل فريد موسوي، وغلام رضا تاج جردون، ومصطفى بوردهقان، ومهرداد لاهوتي، ورضا سبه ‌وند، انتقدت الحكومة لتقديم مشروع يتناقض، حسب قولهم، مع شعاراتها السابقة عن الشفافية، ومناهضة الاحتكار، ودعم الحوار الوطني.

وقد جاء في رسالة النواب البرلمانيين: “من المدهش أن الحكومة التي رفعت شعار العدالة ومكافحة الفساد وشاركت الشعب آلامه بعد الحرب الأخيرة، ترسل الآن مشروعا يهدد مصداقية الإعلام ويقيّد حرية التعبير”.

هذا وقد حذرت الرسالة من أنه “هذا المشروع ليس مجرد إجراء إداري، بل خطأ استراتيجي سيقوّض شرعية النظام الإعلامية ويعمّق أزمة الثقة بين الشعب والدولة، الآن هو وقت الإنصات، لا زيادة الشروخ”.

بدورها لم تتأخر جمعية الصحفيين الإيرانيين في إعلان موقفها من مشروع القانون، حيث أصدرت بيانا شديد اللهجة، الاثنين 28 يوليو/حزيران 2025 اعتبرت فيه أن المشروع يمثل تهديدا خطيرا لحرية الصحافة والعمل الإعلامي المستقل في البلاد، وقال البيان: “باسم مكافحة الأخبار غير الحقيقية، تمنح السلطات التنفيذية صلاحيات واسعة يمكن استخدامها ضد أي صحفي أو وسيلة إعلامية تخرج عن الخط الرسمي أو تكشف قضايا فساد”.

وأضاف البيان: “مَن يقرر ما هو الخبر الحقيقي؟ التاريخ القريب أثبت أن كثيرا من الحقائق أنكرتها المؤسسات الرسمية، لتنكشف لاحقا بفضل الصحافة، نحن نرفض استخدام مصطلحات فضفاضة كذريعة لتكميم الأفواه”، في حين أشار البيان إلى أن “الأخطر من النصوص هو غياب آلية شفافة للطعن والاستئناف ضد قرارات الحجب أو العقاب، ما يعني فتح الباب لتطبيق القانون بانتقائية”.

وختمت الجمعية بيانها بالمطالبة بسحب المشروع فورا، وإشراك ممثلين عن الإعلام والمجتمع المدني في أي نقاش حول تنظيم الفضاء الإلكتروني.

من جانبه، أصدر حزب الإصلاحات الإيراني بيانا رسميا عبر فيه عن رفضه التام لمشروع القانون، معتبرا أنه “ينتهك صراحة المادة 24 من الدستور الإيراني التي تضمن حرية الصحافة ما لم تخل بالمبادئ الإسلامية أو الحقوق العامة”، وجاء في البيان: “نأسف أن يقدم مثل هذا المشروع في وقت يقف فيه الشعب الإيراني شامخا رغم كل التحديات، مؤكدًا التفافه حول الوطن. هل مكافأة هذا الشعب هي مشروع قانون يهدد فضاءه الحر؟”.

وتابع البيان: “تحت ذريعة محاربة الأخبار الكاذبة، يتم خلق أداة قانونية لقمع المعارضة، وتكميم الإعلام المستقل، وإرهاب مستخدمي الشبكات الاجتماعية. هذا مسار خطير لن يخدم الأمن القومي، بل يضعف الدولة أمام شعبها”.

كما طالب الحزب بإلغاء الصفة العاجلة لمناقشة مشروع القانون فورا، وإطلاق حوار وطني يضم إعلاميين وقانونيين ومثقفين لصياغة أي تشريع ينظم الإعلام الرقمي، على أن يضمن الدستور وحقوق المواطنين.

جبهة الدفاع.. الحكومة ووزارة العدل والصحافة الأصولية

على الجانب الآخر، قال سيد كاظم دلخوش، مساعد الشؤون التشريعية لنائب الرئيس الإيراني لشؤون البرلمان، في دفاعه عن مشروع القانون: “يتكون هذا المشروع من 22 مادة، ويحدد بوضوح مهام الوزارات، وأمثلة على المخالفات، والعقوبات المترتبة عليها”.

 وأشار دلخوش إلى خصائص الفضاء الإلكتروني قائلا: “إلى جانب مزايا السرعة وانتشار المعلومات، هناك أيضا أضرار مثل نشر المحتوى المحرَّف، والذي يمكن أن يضر بالثقة العامة والتماسك الوطني”، مؤكدا أن “الحكومة مستعدة تماما للتعاون مع البرلمان في إصلاح واستكمال تفاصيل هذا المشروع”.

كذلك، فقد نشرت وزارة العدل تفاصيل رسمية حول مشروع القانون، في محاولة لتبديد بعض الشبهات التي تلاحقه، وجاء في التوضيح أن “نشر الأخبار الكاذبة أو الخاطئة أو المحرّفة، والذي يؤدي إلى إثارة الرأي العام، أو الإخلال بهدوء المجتمع، أو الإضرار بالاقتصاد، أو بالأمن النفسي، يستوجب المحاسبة”.

 كما أشارت الوزارة إلى أن تجارب الدول المختلفة في العالم تظهر أن مواجهة الأخبار الكاذبة أمر ضروري وشائع، وأن العديد من الحكومات خلال العقدين الماضيين تدخلت بوسائل عقابية حازمة لمعالجة هذه الظاهرة، وأضاف البيان أن “الاستناد إلى تصريحات المرشد الأعلى، على خامنئي، حول ضرورة الحفاظ على الأمن النفسي للمجتمع، يشكل دعامة شرعية وقانونية لهذا المشروع”.

هذا، فيما دافعت صحيفة كيهان الأصولية عن مشروع القانون في مقالها الافتتاحي، الاثنين 28 يوليو/تموز 2025، حيث ترى أنه لا يشكل تهديدا لحرية التعبير كما يدعي المعارضون، بل خطوة قانونية لحماية الأمن النفسي للمجتمع ومحاسبة مروجي الشائعات والأكاذيب، وتؤكد كيهان أن المشروع لا يستهدف كشف الفساد أو الخطاب النقدي، بل يمنع نشر أي محتوى لا أساس له في الواقع أو يمثل تحريفا متعمدا للحقائق بشكل يضلل الرأي العام أو يسيء إلى الآخرين، على حد تعبيرها.

وتهاجم الصحيفة التيار الإصلاحي الذي يعارض المشروع، متهمة إياه باستخدام الشائعات في العمل السياسي والإعلامي، متسائلة: “ما الذي تريدون قوله وتخشون من مطالبتكم بالدليل عليه؟”، كما وتعتبر أن الاعتراضات دليل على تورّط بعض الأطراف في تشويه الحقائق وترويج الأكاذيب دون محاسبة.

بين الأمن والحرية.. معركة لم تُحسم بعد

مشروع القانون، رغم ما يحيط به من تحفظات وانتقادات، يمضي الآن في مساره البرلماني السريع، وهو ما يزيد من قلق شرائح واسعة في المجتمع الإيراني، لا سيما الإعلاميين، والحقوقيين، والشباب النشطين في الإنترنت.

فبين من يعتبره أداة لحماية الأمن الرقمي ومن يراه غطاء للقمع، تعكس المعركة حول هذا القانون مجمل التوترات التي تعيشها إيران في علاقتها بالمجتمع المدني وحرية التعبير، بينما تستند الدولة إلى ضرورات حماية الأمن القومي في مرحلة ما بعد الحرب، يرفع المنتقدون شعار الشفافية والحقوق أولا، وبينما تتجه الأنظار إلى الجلسات المقبلة في البرلمان، يترقب الجميع، هل يتراجع المشرّعون عن السرعة ويخضع المشروع لحوار مجتمعي واسع؟ أم تفرض بنوده وسط اعتراضات تتزايد؟