حين تفقد “الهمّة” معناها!

في عالم الترجمة الصحفية، لا تكفي إجادة اللغة، ولا حتى الإلمام بموضوع المادة حتى تترجم نصا متماسكا؛ فهناك طبقة ثالثة من الفهم لا تُدرَّس في الجامعات، لكنها تصنع الفرق بين مترجم ينقل، وآخر يُضيف قيمة: إنها طبقة السياق، وهي مستوى الفهم الإضافي الذي يتجاوز الكلمات والجُمل نفسها ليشمل الظروف والعوامل التي تحيط بالنص، وتؤثر على معناه الحقيقي، ومنها
السياق الزمني، والمفاهيمي، والسياسي، والاقتصادي. 

وهذا بالضبط ما يُفسّر لماذا قد تخرج جملة “صحيحة لغويا”، لكنها كارثية دلاليا!
وقد مرّ عليّ الكثير من هذه الحالات، لكن نادرة “الهمّة” تستحق أن تُروى، لا لأنها مجرد سقطة طريفة، بل لأنها تكشف كم هو هشٌ الفهم عندما ينفصل عن السياق.

في غرفة الترجمة بموقع “زاد إيران” تسلّمت تقريرا مترجَما عن خطة اقتصادية جديدة أطلقتها الحكومة الإيرانية، تهدف إلى دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وهو نوع من التقارير المليء بالمصطلحات المالية والاختصارات المحلية، التي كثيرا ما تتسلل من تحت أيدي المترجمين.

كنت أراجع النص بعين خبيرة تعرف كيف تلتقط الانزلاقات الخفية، حتى وقعت عيني على هذه العبارة:

“أعلنت وزارة الاقتصاد عن زيادة الهمّة لدى المنشآت الصغيرة.”

توقفت، العبارة لغويا سليمة، لكن شيئا فيها كان غريبا… “زيادة الهمّة”؟ هل أصبح التقرير المالي خطابا تحفيزيا؟!

عدت إلى النص الأصلي بالفارسية، فوجدت الجملة تقول: “وزارت اقتصاد از افزایش همت در میان بنگاه‌های کوچک خبر داد”

وهنا تبيّن أصل الخلل، فالمترجمة قرأت كلمة “همت”  بمعناها المعروف: العزيمة، والنشاط، والحماس… وهو معنى شاعري لطيف، لكنه لا علاقة له بالسياق الاقتصادي الذي كُتب فيه التقرير.

في الحقيقة، كلمة “همت”  في الأدبيات الاقتصادية الإيرانية، وخاصة في الوثائق المالية الرسمية، تُستخدم كمصطلح يشير إلى وحدة نقدية تعني ألف مليار تومان “تريليون تومان”.
وهي اختصار غير رسمي لكنه واسع الاستخدام، غالبا ما يظهر في تصريحات المسؤولين، مثل:
“همت برای طرح‌های عمرانی” أي “ألف مليار تومان لمشاريع البنية التحتية”.

وبالتالي، فإن الترجمة الدقيقة للجملة الأصلية يجب أن تكون:

“أعلنت وزارة الاقتصاد عن زيادة تريليون تومان للمشروعات الصغيرة.”

توجهت بلطف إلى الزميلة التي ترجمت النص، وسألتها: “هل تأكدتِ من المقصود بكلمة (همت) هنا؟”
فأجابت بثقة: “هي تعني الهمّة… الحماس، صح؟”
قلت: “صح في اللغة العامة، لكن في هذا السياق تعني شيء مختلف تماما.
هنا الحكومة لا توزع الحماس، بل توزع مليارات!”

هذه الحادثة، وإن بدت طريفة، إلا أنها تسلط الضوء على واحدة من أخطر مناطق الترجمة وهي المصطلحات غير الرسمية أو المتحوّلة في السياق المحلي، ففي كل ثقافة، هناك كلمات تُستخدم بطريقة تختلف عن معناها المعجمي، وحين يغيب هذا الفهم، تتحول الترجمة إلى شيء أشبه بالتفسير الشعبي، لا المهني.

وأهم ما في الأمر أن المترجم الصحفي أو السياسي لا يُفترض به أن يكون آلة لغوية، بل قارئا متمرسا، وباحثا، ومتحققا لا يكتفي بما يبدو “مألوفا”.

كل نادرة من نوادر المترجمين تذكرنا بأن هذه المهنة، وإن بدت ساكنة خلف الشاشات، إلا أنها مليئة بالكمائن، وأن المترجم الذي لا يراجع خلفيات الكلمات، قد يتحوّل من جسر بين المعاني إلى جدار يحجبها بل ويحيل دلالاتها إلى دلالات قد تربك القارئ، وربما تتسبب في أزمات كبيرة.

وإلى اللقاء في نادرة أخرى من نوادر المترجمين خلف كواليس غرفة الترجمة.