أزمة ثقة في طهران: إنفاق دعائي ضخم وفضائح مالية تُربك إدارة زاكاني

Image

كتب: الترجمان

كشف ناصر أماني، عضو لجنة التخطيط والميزانية في مجلس مدينة طهران، عن عقد ضخم للإعلانات بين بلدية طهران ومؤسسة الإذاعة والتلفزيون، بلغت قيمته مليار دولار. وأكد أماني في مقابلة مع “ديده‌بان إيران” أن العقد غير محدود، ما يمنح البلدية قدرة هائلة على نشر الإعلانات والمعلومات عبر القنوات الرسمية، وهو ما أثار استفسارات عديدة داخل المجلس وخارجه.

وأوضح أماني أن مشروع “طهران المحبوبة” يعد جزءا من هذه العقود الضخمة، مشيراً إلى أن الاعتماد المالي لهذه العقود يشمل جميع الإعلانات التي تعاقدت عليها البلدية مع مؤسسة الإذاعة والتلفزيون. ورغم اعترافه بشرعية تنفيذ الإعلانات، شدد على ضرورة مطابقتها للواقع الفعلي، مؤكدا أن بعض الحملات تضخم من إنجازات البلدية بما لا يعكس الأداء الحقيقي للإدارة الحضرية.

وأشار عضو المجلس إلى أن مشكلة هذه العقود ليست في الإعلان ذاته، بل في الطريقة التي تُنفذ بها، حيث يتم أحياناً الإعلان عن مشاريع لم تُنجز بعد، أو تضخيم حجم الإنجازات الحالية، ما يثير تساؤلات لدى المواطنين حول مصداقية البلدية ويضعف الثقة العامة في المؤسسات الرسمية.

أضرار المبالغة في الإعلانات

وفق تقرير “ديده‌بان إيران“، أثرت بعض الإعلانات على الواقع الاجتماعي، إذ تضمنت رسائل مبالغ فيها مثل: “البلدية قامت بتعبيد الطرق من طهران إلى شنغهاي”، وهي تصريحات بعيدة عن الواقع العملي للإدارة الحضرية. وأدى استخدام المناطيد للإعلانات البيئية في أكتوبر 2023 في حي “تشيتغر” إلى وقوع حادث مأساوي، حيث أُصيب ستة فتيان تتراوح أعمارهم بين 10 و13 عاماً بحروق، ما حول متعة اللعب إلى تجربة مؤلمة للمصابين وعائلاتهم.

مع اقتراب انتخابات مجلس مدينة طهران، ازدادت الحملات الإعلانية للبلدية، ما دفع بعض أعضاء المجلس إلى وصف أسلوب الإعلان بأنه نوع من “الحوكمة الاستعراضية”، أي إدارة تعتمد على المظاهر والإعلانات البراقة بدلاً من التركيز على الكفاءة وحل المشكلات الحضرية الأساسية. 

وأشار بعض أعضاء المجلس إلى ظاهرة “متلقي الأجور”، وهي مجموعات تستهدف منتقدي البلدية عبر الفضاء الافتراضي مقابل أموال، مستهدفين خاصةً أعضاء المجلس الذين يطلقون انتقادات حادة للإدارة مثل نرجس سليماني.

ويرى الخبراء أن الأموال الهائلة التي أنفقتها البلدية على الإعلانات كان يمكن توجيهها لتحسين الخدمات الحضرية الحقيقية، مثل تطوير النقل العام، صيانة الأنسجة القديمة المتهالكة، وإنشاء مساحات عامة تلبي احتياجات السكان، لتحقيق تأثير ملموس ومستدام على جودة حياة المواطنين.

Image

فضائح مالية في مؤسسة “همشهري”

على صعيد آخر، كشفت إلهام فخاري، عضو مجلس مدينة طهران ومقترحة خطة التحقيق والفحص لمؤسسة “همشهري”، عن مخالفات مالية جسيمة خلال الفترة من 2005 إلى 2017. وأشارت فخاري إلى أن المؤسسة قامت بعقد صفقات مالية غير اعتيادية، بما في ذلك عقود مع موظفين في الإذاعة والتلفزيون لتوزيع منتجات “همشهري” على الإنترنت، بقيمة 700 ألف دولار، رغم توفر الإمكانيات الداخلية للمؤسسة.

وأضافت فخاري أن المؤسسة دفعت أكثر من 237 ألف دولارلأفراد خارج الشركة على شكل عملات ذهبية وقسائم وبطاقات هدايا، دون وجود مستندات داعمة أو توثيق قانوني. كما تم شراء بطاقات تصاريح المرور (طرح ترافيك) بقيمة 200 ألف دولار خلال سنوات عدة، دون معرفة المستفيدين، واستئجار عقارات بطريقة غير مؤسسية وغير مرتبطة بالأنشطة الرسمية.

وأوضحت عضو المجلس أن “همشهري” عقدت صفقات غير ضرورية مع شركات لتوزيع منتجاتها، ومنحت تسهيلات هائلة للشركات المتعاقدة، بما في ذلك استخدام وحدات المبنى الرئيسي للمؤسسة بمساحة 214 مترا مربعا مجانا، وتحمّل المؤسسة تكاليف إضافية تجاوزت 475 ألف دولار.

Image

كما أشار التقرير إلى إنتاج المؤسسة لأفلام وثائقية بمبالغ مرتفعة، دون جودة مناسبة، مثل فيلم مؤلف من 12 قرصا مدته الإجمالية 600 دقيقة، دُفع مقابل إنتاجه مبلغ 200 ألف دولار، وهو ما يعكس ضعف الرقابة وغياب المعايير الفنية في إدارة العقود.

تحليل وتداعيات

تظهر هذه الفضائح خللا إداريا وماليا واضحا داخل بلدية طهران ومؤسسة “همشهري”. إذ تحولت الأموال المخصصة للإعلانات إلى أداة لإظهار صورة مبالغ فيها للإدارة، بدلا من تحسين الخدمات الحضرية وتلبية احتياجات المواطنين.

التحليل يشير أيضا إلى أن هذه الممارسات تؤثر على الثقة العامة في البلدية، وتعكس تركيز الإدارة الحالية على المظاهر الإعلامية وإدارة الرأي العام أكثر من تركيزها على الحلول العملية للمشكلات اليومية للسكان.

من وجهة نظر الخبراء، إن استخدام الموارد العامة في الحملات الدعائية المبالغ فيها يبعد التركيز عن المشاريع الحيوية التي تخدم الناس بشكل مباشر، مثل صيانة الطرق، تطوير النقل العام، تحسين الخدمات البيئية، وتنظيم الأنسجة القديمة، وهو ما كان يمكن أن يكون له أثر إيجابي ملموس على جودة الحياة في المدينة.

توضح التحقيقات أن بلدية طهران خلال إدارة علي رضا زاكاني واجهت تحديات كبيرة في إدارة ميزانيات الإعلانات والترويج، مع تجاوزات مالية واضحة في مؤسسة “همشهري”. وبينما يُفترض أن تهدف الميزانيات إلى تحسين البنية التحتية والخدمات العامة، يشير الواقع إلى تضخيم الإنجازات واستغلال الموارد المالية لأغراض دعائية واستعراضية، بدل تحقيق نتائج ملموسة للمواطنين.

وتظهر هذه الأزمة الحاجة الملحة لإعادة النظر في آليات الرقابة والمساءلة داخل البلديات والمؤسسات التابعة لها، لضمان استخدام الأموال العامة بشكل فعال، وتحقيق إنجازات حقيقية وملموسة، تعكس الواقع وتخدم المواطنين، بدل تحويل الميزانية إلى أداة لإدارة الرأي العام والمظاهر الإعلامية.