روحاني يشعل الساحة السياسية من جديد… وانتقادات حادة من معارضيه

Image

تعيش الساحة السياسية والإعلامية في إيران منذ فترة حالة من الاستقطاب المتجدد، فتتقاطع القراءات المختلفة للأحداث مع أسئلة صعبة حول المسؤولية عن الأزمات الراهنة وطريقة إدارتها في الماضي، وبينما تحاول بعض الأصوات الدفع باتجاه خطاب يركز على التهدئة وبناء الثقة، تواصل أطراف أخرى إعادة فتح ملفات شائكة تتصل بالأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية، في هذا المناخ الملبد بالتوتر، باتت أي كلمة تصدر عن الشخصيات البارزة تقرأ بوصفها جزءا من معركة أوسع على رواية ما جرى، وعلى الطريقة التي ينبغي أن تقاد بها البلاد في المرحلة المقبلة.

لا يمكن فرض شعور عدم الأمان….. ووقف الحرب بأيدينا

ألقى الرئيس الإيراني الأسبق، حسن روحاني كلمته خلال لقاء جمعه بعدد من الوزراء والمسئولين من فترتي حكمه، في جلسة عقدت الأربعاء 26 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، التصريحات التي ما لبثت أن انتشرت كالنار في الهشيم، كعادة تصريحاته، مسببة موجة واسعة من التفاعل

Image

فقد استهل روحاني حديثه بالتأكيد على أن إيران تمر بحالة لا حرب ولا سلم، رغم مرور خمسة أشهر على انتهاء حرب الـ 12 يوما مع إسرائيل في يونيو/ حزيران 2025 وقال إن هذه الحالة خلقت مناخا من القلق النفسي والفكري والذهني لدى الإيرانيين، معتبرا أن الشعور بانعدام الأمن أصبح عقبة مركزية أمام النمو الاقتصادي وضخ الاستثمارات، كما ركز على أن الأمن الحقيقي يصنع الطمأنينة، بينما الأمن المصطنع والمفروض من خلال التصريحات الأمنية بهدف تحويل المجتمع إلى بيئة أمنية، ينتج خوفا وانعدام ثقة.

وتوقف روحاني مطولا عند مفهوم الردع، معتبرا أن أساس الأمن القومي في كل دول العالم يبدأ من تعزيز الردع في السياسة والدفاع والتكنولوجيا، وقال إن إيران يجب أن تعمل على ترميم الردع في مختلف المجالات، وأن تبني سياسة تجعل أي هجوم محتمل مكلفا على الخصوم، سواء عبر القدرات العسكرية أو عبر البنى السياسية والدبلوماسية.

وفي سياق حديثه عن الردع السياسي، عاد روحاني إلى ملف تفجير قاعدة خُبر في الظهران بالسعودية عام 1996، وروى بالتفصيل دوره في منع توجيه ضربة عسكرية أمريكية ضد إيران في تلك الفترة، كما روى قصة لقائه المطول مع الأمير نايف بن عبد العزيز، وكيف أن هذا اللقاء انتهى، بحسب قوله، باتفاق أمني أنهى الاتهامات الأمريكية، ومنع حدوث مواجهة عسكرية، وعلى الرغم من أن بعض السياسيين اعتبروا إحياء هذا الملف مسألة من الماضي البعيد، فإن روحاني قدمه باعتباره نموذجا لفعالية الدبلوماسية حين تقترن بالقدرة على الحوار مع الجيران

Image

ثم انتقل الرئيس الأسبق إلى الاتفاق النووي وكرر موقفه بأن عودة العمل بالاتفاق النووي كانت ستمنع الحرب، معتبرا أن الاتفاق النووي كان السبب الرئيسي في تحويل الملف النووي من قضية أمنية إلى ملف طبيعي، وأن توقف الاتفاق أعاد للأطراف الأخرى القدرة على استهداف إيران بذريعة النووي.

وانتقد روحاني أداء حكومة إبراهيم رئيسي، الرئيس الإيراني السابق، الذي لقى حتفه ووزير خارجيته أمير عبداللهيان في مايو/ آيار 2024، قائلا إن الدولة لم تتمكن في العام 2022 من إعادة العمل بالاتفاق، وإن ذلك كان له تأثير مباشر على الأزمة الأمنية اللاحقة، على أنه لم يذكر أسماء، لكنه أشار بوضوح إلى أن الفرص المتاحة لم تستثمر، مما قاد إلى تعقيد الوضع الإقليمي.

Image

وتطرق روحاني أيضا إلى قضية دخول المهاجرين الأفغان، قائلا إن ملايين دخلوا من دون حساب، وإن هذا الأمر كان يجب أن يتم بمراقبة دقيقة، من دون أن يوضح الأرقام أو الجهات التي يقصدها، هذه الفقرة تحديدا كانت من أكثر نقاط الخطاب إثارة للانتقاد، لإنها فتحت نقاشا حول دقة معلوماته وحدود مسؤولية الحكومة خلال السنوات الماضية، كما أشار إلى ملفات أخرى ذات حساسية، منها أحداث رفع أسعار البنزين والاحتجاجات التي تلتها العام 2019، والخلل في إدارة الأزمات، وانعكاس ذلك على ثقة الناس، معتبرا أن الخطوة الأولى لإعادة الثقة يجب أن تأتي من المسؤولين قبل أن تطلب من الشعب، وإن الخيانة للقيادة تكون حين تقدم لها معلومات غير دقيقة أو مشوهة.

وختم روحاني حديثه بالتشديد على ضرورة الحفاظ على الأمل، معتبرا أن عدم تكرار الحرب بيد المسئولين في طهران، وأن تحقيق ذلك يحتاج إلى وفاق وطني وتماسك سياسي يعيد للبلاد قدرتها على الردع.

عن أي واقع يتحدث روحاني؟

بالطبع فقد تبع نشر تلك التصريحات موجة من ردود الأفعال، كان من أبرزها ما أطلقه المحلل السياسي والصحافي أحمد زيد آبادي، الذي نشر نقدا مطولا بعنوان الواقع المغفول عنه ركز فيه على تصريح روحاني المتعلق بتفجير الخبر والدور الدبلوماسي الذي قال إنه لعبه في منع الحرب الأميركية في أواخر التسعينيات، حيث قال زيد آبادي أن روحاني تجاهل السياق السياسي الأوسع الذي كان يحكم المنطقة والعلاقات الدولية في تلك الفترة، ففي رأيه، كان انتخاب محمد خاتمي عام 1997 هو الحدث المركزي الذي غير نظرة واشنطن والرياض لطهران، وهو الذي منح فرصة لتحقيق التهدئة التي يتحدث عنها روحاني، معتبرا أن فوز خاتمي مثل إشارة قوية على تغيير النبرة السياسية في إيران، وأن ذلك، وليس نشاط روحاني الفردي، هو الذي هيأ الأرضية لتحول موقف السعودية والولايات المتحدة.

Image

ويشير زيد آبادي إلى أن ما يسميه روحاني جهدا دبلوماسيا شخصيا كان في الحقيقة جزءا من مناخ تقارب عام ناتج عن سياسة الانفتاح التي اتبعها خاتمي، وأن تجاهل هذا السياق في خطاب روحاني يشكل إعادة سرد انتقائية تمنح دوره حجمًا أكبر مما كان في الواقع، كما تساءل عن سبب تركيز روحاني على دوره الفردي وتجاهله للأجواء السياسية الداخلية والخارجية التي لعبت دورا أكبر في منع الحرب، واختتم بأن هذه القراءة لا تساعد على تقييم موضوعي للتاريخ، لأنها تختزل فترة معقدة في دور شخصي واحد.

على أن كيهان، المنبر الأصولي الأول، كان الصحيفة الأكثر هجومية في تناولها لخطاب روحاني، فقد حمل تقريرها عنوانا شديد اللهجة وهو إعادة كتابة الهزائم بابتسامة، اتهمت فيه روحاني بمحاولة تجميل الماضي وتحميل الآخرين المسؤولية.

وخلال تقريرها، قالت كيهان إن روحاني لم يقدم أي تفسير واضح أو صادق لإرثه الاقتصادي والأمني، وإن مشكلات اليوم، من التضخم إلى انهيار العملة وارتفاع البطالة، تعود جذورها إلى سياساته، معتبرة أن روحاني يمارس نفس الطريقة منذ خروجه من السلطة، وهي إعادة صياغة الماضي، حذف الأخطاء، وتضخيم ما يسميه إنجازات.

Image

كذلك، فقد ركزت كيهان على نقده للردع، معتبرة أن حكومته كانت مسؤولة عن تجميد بعض الأنشطة الدفاعية والنووية التي كان لها دور في إضعاف الردع، وترى الصحيفة أن تكرار قوله إن الاتفاق النووي كان سيمنع الحرب الأخيرة تبسيط مخل، لأن الاتفاق لم يمنع الاغتيالات، ولا عمليات التخريب، ولا العقوبات، ولا انسحاب واشنطن منه.

كما تناولت كيهان ملف البنزين في عام 2019 وإدارة الأزمات الداخلية، معتبرة أن طريقة تعامل الحكومة حينها قد أفقدت المجتمع الثقة وخلقت فجوة بين الحكومة والشعب، وتوقفت كذلك عند حادثة الطائرة الأوكرانية، قائلة إن تضارب تصريحات الحكومة في تلك اللحظة كان ضربة كبيرة للأمان النفسي للمجتمع، وفي قراءة كيهان، فإن خطاب روحاني لا يساعد على بناء الوحدة الوطنية التي دعا إليها، بل يعيد إحياء الخلافات القديمة في لحظة مفترض أن يسود فيها خطاب جامع يتجاوز الخلافات.

هذا في حين اتبعت صحيفة فرهيختجان الأصولية مقاربة أقل حدة من كيهان، لكنها لم تكن أقل نقدا، فقد رأت الصحيفة أن خطاب روحاني يعاني من تناقض واضح بين دعوته إلى الهدوء والابتعاد عن الاستقطاب، وبين لجوئه إلى لغة تفتح الانقسامات القديمة نفسها، وتعيد إنتاج ثنائيات سياسية أنهكت الساحة طوال عقد كامل، وركزت الصحيفة على أن روحاني عاد إلى ثنائية الميدان مقابل الدبلوماسية، معتبرة أنها لم تعد صالحة لإدارة النقاش السياسي في مرحلة ما بعد الحرب، وقالت إن المجتمع يحتاج اليوم إلى خطاب يتجاوز ثنائيات الماضي، وليس إلى إعادة تدويرها بصيغة جديدة.

Image

كما انتقدت الصحيفة حديث روحاني عن أزمة المهاجرين الأفغان، ورأت أن كلامه لا يتطابق مع الوقائع، إذ إن موجات الهجرة التي تبعت سقوط كابل لم تكن نتيجة سياسة حكومية بل ظاهرة إقليمية ودولية، وقالت أن روحاني لم يقدم أي خطة عملية للخروج من حالة التعليق بين الحرب والسلم، وأنه عاد إلى لغة نقدية لا تقدم بدائل، كما أشارت إلى احتمال أن يكون ظهور روحاني المتكرر محاولة لإعادة تقديم نفسه سياسيا في ظل غياب موقع رسمي له، واعتبرت أن طرح روحاني المتكرر للاتفاق النووي كحل شامل، يفتقد إلى القراءة الواقعية لما حدث، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق رغم التزام إيران ببنوده، وختمت بأن خطاب روحاني يبدو منفصلا عن اللحظة السياسية الراهنة، التي تتطلب إجماعا لا استقطابا.

يظهر من مجموع ردود الأفعال أن خطاب روحاني الأخير لم يستقبَل بوصفه مجرد تحليل للوضع السياسي، بل بوصفه موقفا يحمل رسائل متعددة الأبعاد، وبينما يرى روحاني أنه يقدم تحذيرات ضرورية في مرحلة دقيقة، يرى منتقدوه أنه أعاد فتح ملفات استقطاب سبق أن دفعت البلاد أثمانًا باهظة بسببها.

ومع أن روحاني دعا إلى تعزيز الردع، وإعادة الثقة، وتحقيق الانسجام الوطني، فإن الطريقة التي قدم بها أفكاره كانت، في رأي منتقديه، بعيدة عن التوافق ومشبعة بنفس سياسي يعيد إنتاج الماضي، المشهد الذي تكشفه هذه الردود يعكس بوضوح أن خطاب ما بعد الحرب في إيران يتجه نحو مرحلة جديدة، تتطلب مقاربات مختلفة عن تلك التي سادت خلال العقد الماضي، وأن أي خطاب سياسي في هذا السياق سيخضع لتدقيق شديد، خصوصا حين يصدر عن شخصية كانت في قلب الأزمات التي لا تزال تداعياتها قائمة حتى الآن.