أكاديمي إيراني: الهجوم على إيران فجّر لحظة نادرة من التضامن الوطني تتجاوز الخلافات

أجرت صحيفة «شرق» الإيرانية، الاثنين 21 يوليو/تموز 2025، حوارا مع أستاذ علوم الاتصال بجامعة العلامة طباطبائي وأحد أبرز علماء الاجتماع في إيران، هادي خانیكي، حول التضامن الاجتماعي الذي نشأ بعد الهجوم الإسرائيلي على إيران وتحولاته السياسية والثقافية والاجتماعية، وفي ما يلي نص الحوار:

ثمة تعاريف عديدة للتضامن الاجتماعي، وقد نوقشت هذه المفاهيم في فترات مختلفة، كيف ترون التضامن الاجتماعي في الوضع الراهن للمجتمع؟

يمكن تناول التضامن الاجتماعي في إيران من زوايا أكاديمية، وسياسية، واجتماعية متعددة، خاصة في ظل الحدث الأخير الذي جاء كرد فعل على العدوان الإسرائيلي.

رغم ما أظهرته الدراسات، مثل “استطلاع القيم والاتجاهات للإيرانيين” الذي بدأ منذ عام 1999، من تراجع في رأس المال الاجتماعي بما في ذلك الثقة، التضامن، والمشاركة إلا أن المجتمع الإيراني قدّم رد فعل مفاجئا ومتماسكا عند شعوره بالخطر على الوطن والهوية الثقافية.

وفي لحظة التهديد، تجاوز المجتمع حالة السخط، وأعاد بناء روابطه الداخلية: الأسرية، الاجتماعية، والسياسية، وتشكل تضامن جديد حول مفهوم “الوطن”، جامعا عناصر التاريخ، اللغة، والعاطفة.

هذا التضامن العفوي يمكن أن يُعد فرصة نادرة لترميم رأس المال الاجتماعي، لكنه يعتمد على وعي النظام السياسي والمجتمع بضرورة تحويله إلى حركة مدنية مؤسسية قادرة على تعزيز الوحدة الوطنية في مواجهة التهديدات المستقبلية.

برأيكم، ما الخطوات التي ينبغي للسلطات اتخاذها كي نتمكن من القول إنها قد فهمت واستوعبت ردّ فعل المجتمع؟

لفهم هذه اللحظة بشكل أدق، علينا الابتعاد عن التعميم والذهاب إلى المؤسسات والفئات المختلفة لنرى كيف تفاعلت كل واحدة منها، على سبيل المثال، يجب النظر بعناية إلى الجامعات وفئة الجامعيين – أساتذة وطلبة وموظفين – كإحدى أكبر المؤسسات في البلاد.

الجامعات كانت من بين الأهداف التي تعرضت للضرب وتضررت، فإلى جانب القادة العسكريين، استُشهد علماء نوويون، بل حتى أساتذة آخرون استُشهدوا، سواء كانوا مارة، أو استُشهدوا في هجمات على مجمعات سكنية، بل وحتى الطلاب، وموظفو الجامعات والمستشفيات التابعة لها، كانوا في الخطوط الأمامية للهجمات، لذلك إن أردنا فهم قضايا إيران بشكل صحيح، يجب أن نقول إن هذه الحرب المفروضة كانت حدثا خرجت منه “إعادة تنظيم” أو “إعادة ضبط اجتماعي”.

وإذا قسّمنا المجتمع إلى مرحلتين: قبل الهجوم وبعده، سنرى الفرق بوضوح، الأشخاص الذين كانوا قبل ذلك يعانون من القيود والحرمان، من أستاذ ومفكر إلى فيلسوف ورياضي ومحام وفنان، أصبحوا في هذه اللحظة، حاملين لراية المقاومة في وجه العدوان، بدلا من أن يجعلوا من أنفسهم موضوعا ويُظهروا جراحهم، اعتبروا الوطن هو القضية الأساس.

بعض السياسيين والنشطاء السياسيين قلّلوا من شأن التضامن الاجتماعي الذي نشأ بعد هجوم إسرائيل على إيران، واعتبروه مجرد مصالحة بين الشعب والنظام. برأيكم، إلى أي مدى يتوافق هذا التفسير مع واقع المجتمع؟

أي حدث يتم تناوله بالدراسة – وخاصة حدث بحجم هذا الذي أراه قادرا على إعادة تنظيم المجتمع – فإن أول مهمة لجميع الفاعلين، من النظام السياسي إلى النشطاء السياسيين والمدنيين والعلميين، هي الوصول إلى فهم صحيح له.

والفهم الصحيح قد يأتي أحيانا من طريق المعلومات والبيانات، ولكن أحيانا يجب النظر إلى الحدث من زاوية أوسع، فلسفية وتاريخية، العلم عندما يقترن بالمسؤولية، يقول إن المعلومات وحدها لا تكفي، وإذا لم تكن مرتبطة بالواقع، فإنها لن تُفضي إلى حلول، خاصة أن المعلومات المضلّلة قد تكون موجودة أيضا.

بالإضافة إلى ذلك، في مجتمعنا المنقسم إلى قطبين، يصبح فهم الظواهر كذلك ثنائيا: إما يُفسر رد فعل الشعب على أنه دعم مطلق للنظام، أو معارضة تامة له، هذه الثنائيات تبعدنا عن فهم الواقع ولكن علينا أن ننظر إلى لحظة تاريخية تشكّلت فيها ردة فعل صحيحة، حتى لو كانت مؤقتة، ردة فعل يمكن أن تصبح دائمة ومؤسسية، إذا فُهمت واُستخدمت بالشكل الصحيح.

في الهجوم الإسرائيلي على إيران، نُشرت رسالتان واضحتان من نتنياهو وترامب تطلبان من الناس مغادرة طهران، رأى الناس بشكل غريزي أن حياتهم وأموالهم ومستقبل أبنائهم في خطر، كان من الممكن أن تتخذ ردات الفعل منحى آخر؛ بعض وسائل الإعلام مثل “إيران إنترناشونال” حاولت الترويج لرواية تُحمّل إيران مسؤولية الحرب وتُظهر إسرائيل كمن تدافع عن نفسها، لكن، رغم الضعف الشديد في البنية التحتية للاتصال، والانقطاع في الإنترنت، واضطراب الإعلام الرسمي، لم تَسُد هذه الرواية.

بل إن العديد من المعارضين والمنتقدين للنظام وقفوا للدفاع عن الأرض، والهوية الوطنية، وحتى عن النظام السياسي نفسه، هذا التحول المهم يجب أولا أن يُدرَك، ثم يمكن التفكير في مَن وكيف يمكنه توجيهه نحو الاستدامة، من وجهة نظري، كلما تطورت وجهات نظر الحُكم وتغيّرت، كلما زادت فرص المصالحة والتضامن واستدامة هذا التفاعل.

لفهم هذا التفاعل في سياقنا الثقافي والحضاري، لا بد من الالتفات إلى سمات ثقافتنا التي تتسم بسعة الأفق ولا تتعارض، من وجهة نظري، مع القيم الإسلامية فالثقافة الإيرانية، خاصة في أوقات الأزمات، تحمل عناصر توحيدية وتتقبّل التعدد.

على سبيل المثال، يُعد النوروز رمزا للمصالحة، وتوصيات مثل: “راحة الدنيا والآخرة في مروءة مع الأصدقاء ورفق مع الأعداء” تعكس عمق هذه الثقافة.

لكن في المقابل، شهدنا محاولات، كحملة بلدية طهران الإعلانية، لتحويل مفهوم “المداراة” إلى “عداء” في خدمة خطاب الحرب، وهو ما يتنافى مع هذه الروح الثقافية.

في مثل هذه اللحظات، يمكننا تجاوز الثنائيات العقيمة والدخول في نموذج جامع، يقف فيه عازف الكمان والمقاتل، الأكاديمي والفنان، الفلاح والموظف، معا باسم إيران، علينا فقط أن نتذكّر أن إيران هي كيان متعدّد، مرن، لم تكتمل فيه بعد منظومة المؤسسات السياسية والمدنية القادرة على احتواء تنوعه.

ما تقييمكم للانعكاس الاجتماعي للحرب بين الأكاديميين؟ وكيف تحللون ردود فعلهم؟

هذا سؤال مهم، وللإجابة عليه بشكل أدق، أُفرّق بين “مؤسسة الجامعة” و”الجامعيين” ما أقصده بـ”مؤسسة الجامعة” هو أنها، بصفتها مؤسسة علمية، تواجه في العالم الحديث أدوارا جديدة.

في عالم اليوم، بالنظر إلى قضايا مثل البيئة، وتكنولوجيا المعلومات، والعولمة، نرى أن الجامعة قبل 50 عاما لم تكن أمام مثل هذا الكم من القضايا والتحولات المتسارعة والمعقدة.

إذا لم تتمكن مؤسسة الجامعة من التكيّف مع هذه التغيرات والأسئلة الجديدة، فمن الطبيعي أن تُستبدل بمؤسسات أخرى حتى الآن، نرى في مجالات مثل التكنولوجيا والاقتصاد، أن الشركات الناشئة قد أخذت موقع المؤسسات العلمية أو على الأقل وقفت إلى جانبها.

إلى جانب ذلك، مؤسسة الجامعة ليست فقط مؤسسة بحثية أو مختبرية، بل يجب أن تتعامل بمسؤولية مع قضايا مجتمعها ومحيطها، عليها أن ترى ما هي القضايا المحيطة بها، سواء كانت تهديدات مثل الحرب والعقوبات أو قضايا تنموية مستقبلية، وأن تتفاعل معها.

إذا نظرنا إلى العقود الماضية، نجد أن عدة أحداث كبرى دفعت الجامعات إلى التحرك مثال ذلك، خلال الحرب العراقية المفروضة على إيران، دخلت الجامعات ساحة الدفاع، وتم إنشاء إدارات خاصة بالحرب، وذهب الطلبة والأساتذة إلى الجبهات، بل حتى لوائح التعليم تغيرت وفقا للظروف الحربية، أو مثلا، في جائحة كورونا، كانت الجامعات من بين المؤسسات التي يُنتظر منها أن تقدم إجابات.

في مثل هذه الظروف، أول ما يُتوقع من الجامعة هو أن تكون حاضرة في اللحظة، لا أن تغيب عنها يجب على الجامعة أن تجد وظائفها وآلياتها المناسبة في مجالات التعليم، البحث، العلاقات الدولية، الدبلوماسية العلمية، وفهم القضايا النفسية، الاجتماعية، والاقتصادية للمجتمع خصوصا في ظروف يكون فيها المجتمع تحت الصدمة والصدمة النفسية، يجب أن تقف الجامعة، بصفتها مركزا للتفكير، إلى جانب المجتمع.

في القسم الثاني، أتناول “الجامعيين” بصفتهم فاعلين، هؤلاء الأشخاص – من أعضاء الهيئة التدريسية إلى الطلبة والموظفين الإداريين – تقع عليهم مسؤولية في مثل هذه الظروف، خاصة عندما نواجه حربا مفاجئة وشاملة كما حصل مع الهجوم الإسرائيلي من زاوية إيجابية، يمكن القول إن بعض الجامعيين تفاعلوا لتفسير الوضع، وتقديم معلومات صحيحة، وتحليل ما حدث وإلى أين يمكن أن يصل.

في جامعات مثل “العلامة طباطبائي”، و”فردوسي مشهد”، و”طهران”، و”صنعتى شريف”، و”الشهيد بهشتي”، قام الأكاديميون بإنتاج محتوى وتحليل الأبعاد السياسية والخلفيات والتبعات لهذا الحدث، مثل تأسيس شبكة “نبض دانشكاه”.

بالطبع، معلوماتي محدودة، ولا شك أن هناك جامعات أخرى قامت بخطوات مماثلة.

أبرز صور رد فعل الأكاديميين تمثلت في صياغة وتوقيع بيانات متعددة؛ العديد من علماء الاجتماع، الحقوقيين، الاقتصاديين، والمفكرين في العلوم السياسية تفاعلوا في الوقت المناسب.

أرى أن هذا التفاعل كان جيدا، لكن يبقى السؤال: هل شارك طيف واسع من الجامعيين في هذا الفعل؟ برأيي، لا معظمهم كانوا من الناشطين الأكاديميين الذين كانوا نشطين في المجال العام سابقا أيضا.

حاليا، من المتوقع أن تتوسع هذه الدائرة النقطة المهمة هي أن الأكاديميين الذين شاركوا في الأحداث الأخيرة، سواء داخل البلاد أو خارجها، هم من أولئك الذين تحملوا أكبر القدر من الأذى، والقيود، والحرمان في السنوات الماضية، لكن في هذه اللحظة، أظهروا أنهم جعلوا “الوطن” هو القضية، وليس قضاياهم الشخصية.

في النهاية، وبالربط مع سؤالك الأول، يمكن القول إن مؤسسة الجامعة والجامعيين يمكنهم أن يلعبوا دور الوسيط في سبيل التماسك الوطني، وأن يكونوا اللغة المشتركة بين المنتقدين، المعارضين، وحتى شرائح المجتمع الرمادية، ويعيدوهم إلى ساحة الحوار والمشاركة هذا الدور هو دور مهم وتاريخي يقع على عاتق الجامعة برأيي، الأوقات الحرجة هي فرص لإثبات المرجعية العلمية والأخلاقية للجامعة أمام الشعب كلما دخلت الجامعة الساحة في مثل هذه الأوقات وسعت لحل مشاكل البلاد، زادت قدرتها على أداء دورها التاريخي.

بالنظر إلى المواضيع التي طرحتموها، ما هو برأيكم أهم ما يجب فعله أو تجنبه من قبل الأكاديميين في مثل هذه الظروف؟

برأيي، في ظروف كهذه، أهم ما يجب فعله هو أن تصبح مقاربة الجامعة أكثر انشغالا بالقضايا الحقيقية من ذي قبل، وأن تتحرك نحو حلول جذرية مجتمعنا، إلى جانب ما تعرض له من دمار مادي، يعاني من أضرار نفسية واجتماعية، وهنا يجب على الجامعة أن تدخل المجال العام بصوت أعلى أما أهم ما يجب تجنبه، فهو أن تبقى الجامعة أسيرة القوالب الذهنية السابقة للحرب اليوم هو زمن مختلف القضية المشتركة هي “إيران”، ومن أجل إيران يجب تقوية التضامن.

هل تمت الاستفادة من العلوم الإنسانية والاجتماعية بقدر ما استفدنا من العلوم الهندسية، خصوصا في المجالات العسكرية؟ وإن فُعلت هذه العلوم بشكل صحيح، ما الذي يمكن أن يتغير؟

نحن في عصر ترابط المعارف، حيث تلاشت الحدود التقليدية بين التخصصات حتى الهندسة والطب باتا يحتاجان إلى تحليلات اجتماعية لفهم شبكات التواصل والتفاعل لكن رغم هذا، لا تزال العلوم الإنسانية أكثر عرضة للأحكام المسبقة، ويُنظر إليها أحيانا من منظور غير علمي.

مثال ذلك “توطين العلوم الإنسانية”، الذي بدلا من توضيح علاقتها بالمجتمع، أدى في بعض الحالات إلى عزلها عن السياق العلمي العالمي وهذا يعكس تصورا بأننا حالة استثنائية، بينما الحقيقة أن العلوم الإنسانية، كغيرها، قادرة على الإسهام في الدفاع، والتنمية، وبناء رأس المال الاجتماعي.

لكن التعامل معها كثيرا ما يكون بهدف تأكيد أفكار مسبقة، لا كعلم مستقل قادر على النقد أو التأييد، تماما كما تفعل الهندسة لذا من المهم احترام استقلالها وعقلانيتها.