- زاد إيران - المحرر
- 334 Views
ترجمة:ساره شعبان المزين
أجرت صحيفة هم ميهن الإصلاحية، الثلاثاء 10 ديسمبر/كانون الأول 2025، حوارا مع هادي خانكي، أستاذ الاتصالات في جامعة العلامة طباطبائي، حول مسار المجتمع الإيراني والمخاطر التي تهدده، مستعرضا التحديات السياسية والاجتماعية والانقسامات الداخلية والسبل الممكنة لتجاوز الأزمات وضمان استقرار المجتمع الإيراني.

وفيما يلي نص الحوار
ما سبب تراجع رأس المال الاجتماعي في عهد حكومة بزشكيان؟
برأيي، إنّ مسألة رأس المال الاجتماعي ووضعه في إيران أهمّ من أن نربطها بأمثلة محددة، فإذا كان رأس المال الاجتماعي في وضع غير جيد وهو كذلك بحسب جميع الدراسات التي أُجريت، فلا يمكن القول إنه تراجع تحديدا تجاه بزشكيان أو حكومته، لأن المشكلة أعمّ وأوسع.

وقد تمّ قياس رأس المال الاجتماعي في ثلاثة استطلاعات وطنية على ثلاثة مستويات: الكلّي، الوسيط، والجزئي ويشير رأس المال الاجتماعي الكلّي، الذي يُعدّ أهمّها، إلى مقدار الثقة التي يضعها المجتمع في الحاكمية وفي نفسه، وإلى مستوى الأمل بالمستقبل.
أما رأس المال الاجتماعي الوسيط فيتعلق بأجهزة مثل الحكومة ومؤسساتها المختلفة، إضافة إلى البرلمان والسلطة القضائية، وثقة المجتمع في المجموعات السياسية والاجتماعية ومستوى مشاركته في الشؤون العامة، مثل الانتخابات والعمل السياسي ورأس المال الاجتماعي الجزئي يشمل ثقة الأفراد بأنفسهم وشعورهم بأنهم مؤثرون ومستعدون للمشاركة الفعّالة.
أظهر رصد الرأي العام أن نحو 50% من الإيرانيين شاركوا في انتخابات 2024، وحصل بزشكيان على أغلبية أصوات المشاركين، بينما كان جزء كبير من غير المشاركين منتقدين أو معارضين، بعضهم يطالب بالإصلاح، والبعض الآخر فقد الثقة نهائيا بالإصلاح داخل بنية الحكم.
خلال فترة الحرب، ارتفعت مؤشرات الثقة والأمل، إذ شعر المجتمع بأن الحكومة أدّت عملها بشكل مقبول رغم القيود إلا أنه بعد انتهاء الحرب، ومع تراجع الأمل بالتغيير وعودة أساليب التحكم، بدأت مستويات الرضا والثقة والأمل بالتراجع.
جاءت هذه التطورات في ظل تهديدات سياسية وعسكرية وإقليمية، وارتفاع التضخم، ومشكلات الصحة والمعيشة اليومية، وتشديد العقوبات وتفعيل “سناببک”، ما أثر على العلاقة بين الحكومة والمجتمع والجماعات المدنية.

ويعتبر الخلل الاتصالي سببا رئيسيا لتراجع رأس المال الاجتماعي، إذ لا يُسمع صوت الحكومة في المجتمع، ولا يُسمع صوت المجتمع للحكومة كما ساهمت محدودية الموارد المالية والقدرة التنفيذية، ووجود البرلمان والأصوات الأكثر تشددا، في عجز الحكومة عن معالجة جميع القضايا.
حتى الجهود الحكومية في تقديم البيانات والإحصاءات تُفسّر ضمن إطار انعدام الثقة، ويقارن المجتمع بين “نحن” و”الآخر”، ما يزيد شعور الناس بعدم العدالة وفشل الحكومة في تنفيذ وعود مثل رفع الحجب الرقمي عمّق هذه الفجوة.

في النهاية، يوضح الخبراء أن البيئة القائمة على انعدام الثقة تجعل أي إجراءات أو حلول عاجلة غير كافية لاستعادة رأس المال الاجتماعي وتعزيز الثقة بين الحكومة والمجتمع.
بعد مرور عام وخمسة أشهر على رئاسة بزشکیان، ما التغيير الذي تحقق؟
بعد عام وخمسة أشهر على رئاسة بزشکیان، أرى أن تقييم التغيير يحتاج منظورا متعدد الأبعاد، صحيح أن دعم بزشکیان وانتقاد الحكومة مهم، لكن الانتقادات يجب أن تكون بنّاءة، خاصة مع مشاكل معقدة ومتراكمة ما أسميه “اللحظة الحرجة لإيران” تُظهر أن الحلول التقليدية غير كافية، فالمشاكل الهيكلية تتجاوز قدرة الأفراد على حلها، وتتطلب تقسيم القضايا إلى أولويات مثل: المياه، الطاقة، إيرادات الدولة والتعليم، مع التركيز على الحل التقني والفهم المشترك بين جميع الأطراف.

وضعف الإدراك الإداري والقدرة على تحويل الأزمات إلى فرص يعود لعوامل بشرية مثل الشباب، وتقنية مثل الذكاء الاصطناعي والمجتمع الشبكي، قيود الإنترنت مثال على أن فرض القيود لا يحل المشكلات، بل يزيدها كذلك، غياب مشاركة المجتمع المدني والنخب يجعل أي قرار حكومي محدود التأثير يعيق تنفيذ الوعود.

الانتخابات توضح هذا التحدي: برامج الرئاسة غالبا محدودة، بينما البرلمان والمجالس المحلية متعددة ومتنوعة، الحلول الحكومية يجب أن تتعاون مع المؤسسات المدنية بدل أن تتحول إلى تنافس حزبي، المشاركة الوطنية ضرورية لحل القضايا الوطنية، والحلول الأمنية وحدها غير كافية، ويجب أن تتناسب طبيعة المشكلة مع نوع الحل: سياسي، ثقافي، أو اجتماعي.

في ظل التضخم وارتفاع الأسعار وسعر الدولار، يبقى إشراك المجتمع المدني والنخب شرطا أساسيا لأي تقدم، بينما تصبح بعض الوعود الانتخابية مسألة ثانوية أمام أهمية فهم المجتمع ومشاركته.
هل يمكن القول إن الحكومة ضيّعت الفرص في المشاركة والإصلاح؟
جواب سؤالك بإيجاز هو أن الفرص، كما يقول الإمام علي، تأتي مثل الغيوم وتمضي مثل الغيوم، هذه الفرص السياسية ليست مجرد فرص داخلية للحكومة، بل يجب النظر إليها أيضا بالنسبة للمجتمع والتحولات العالمية والإقليمية.
هذا التذبذب السياسي ليس ظاهرة إيرانية فقط، بل عالمي، حيث يتركز الاهتمام أحيانا على البيت الأبيض بينما تبقى روسيا وأوروبا والصين ثانوية
ومع ذلك، يجب تقييم هذه التحولات في ضوء المتغيرات الكبرى الأخرى، مثل التطورات التكنولوجية، والعالم المترابط، وصعود قوى جديدة وتراجع قوى قديمة، ومتابعة حصة كل من الولايات المتحدة والصين وأوروبا وروسيا في الاقتصاد العالمي مقارنة بعشر سنوات مضت.
الأزمة في إيران اليوم ليست اقتصادية أو سياسية فقط، بل ترتبط قبل كل شيء باختلال التواصل؛ أي أننا لا نسمع بعضنا البعض، ولا نثق بكلام بعضنا البعض وهذا يرتبط مباشرة بغياب الشفافية والوضوح، وملاحظات تُتخذ بطريقة تجعل كل حدث يحدث في مجتمعنا، خصوصا مع قيادة إعلامية تركز أولا على إيران نفسها وليس فقط على النظام السياسي.
من أهم نقاط ضعف الحكومة، في هذا السياق، ضعفها الإعلامي والاتصالي، حجم وسائل الإعلام والقدرات الاتصالية غير كاف لدعوة المجتمع للحوار البنّاء، بشكل مستقل عن مشاعر الكراهية أو الغضب أو شعور البعض بأنهم يعرفون كل شيء والآخر لا يعرف شيئا، ما يمنع فهم الأمور بشكل صحيح والخروج من المشكلات.
نظرا لأن مجال عملي هو الاتصالات والتنمية، أؤكد أن التركيز على نوعين من الدراسات وتحويلها إلى قضايا ملموسة يساعد في معالجة الأزمات: أولها الدراسة التاريخية، التي تظهر كيف واجهت إيران تحديات كبرى منذ الحرب مع روسيا قبل 200 عام، مرورا بتجربة الحداثة المفروضة، رضا شاه، تأميم النفط، مصدق، الثورة الإسلامية وفترات الإصلاح، وما يتبعها من سياسات كل ذلك يوفر فهما تاريخيا لمعرفة أسباب النجاح أو الفشل.

أما النوع الثاني فهو الدراسات التطبيقية، التي تتناول كيف تعاملت دول واجهت أزمات مماثلة، سواء اقتصادية أو اجتماعية أو مرتبطة بالطاقة، وكيف تمكنت من حلها أو فشلت، ما يقلل من تكلفة معالجة المشكلات بالنسبة لإيران.
إحدى الانتقادات الرئيسية الموجهة للحكومة والحاكمية والجامعات والمؤسسات المدنية هي النظر إلى القضايا على أنها محدودة وخاصة أو متعددة الأبعاد ومعقدة “محدودة وخاصة” تعني اعتبار القضية أمنية أو سياسية فقط، بينما “متعددة الأبعاد” تعني النظر إليها أساسا من منظور اجتماعي.
في نظام التخطيط الحالي، غالبا ما يُتخذ القرار الاقتصادي أولا ثم يُبحث عن تبرير اجتماعي له، بدلا من أن يُفهم المضمون الاجتماعي للمسألة ويُبنى عليه العمل الاقتصادي والسياسي والدولي، العمل الاجتماعي يعني أن يشعر المجتمع أن صوته مسموع، وأن له كرامة ويُحترم، وأن قضيته مفهومة لدى صانعي السياسات والحكام، بما يشمل التيارات والمؤسسات السياسية.
ما أسميه “اختلال الاتصال” يظهر بوضوح في الفجوة بين الناس والهياكل الحاكمة والسياسية، حيث يُرى القلق والاضطراب من طرف وآخر بشكل مختلف، الوضع يصبح خطيرا لأن الفهم المناسب في الوقت المناسب يمكن أن يحوّل الأزمات إلى فرص، كما حدث في دول أخرى مثل ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، التي تجاوزت التضخم وحققت التنمية بعد اعتماد حلول مناسبة.
الضعف الأساسي هو عدم وجود لغة مشتركة وفهم متبادل بين الحكومة والمجتمع، ما يؤدي إلى سوء تقدير سرعة الحلول المطلوبة لمواكبة المخاوف المتنامية بوتيرة أسرع من قدرة الإجراءات الحكومية وغير الحكومية على مجاراتها.
اليوم، في كل مكان، سواء في سيارات الأجرة أو طوابير الخبز أو المجموعات الافتراضية، السؤال الأول دائما: ماذا سيحدث؟ المستقبل مليء بالمتغيرات، ومن يفهمها جيدا ليس بالضرورة قادرا على تقديم إجابات سريعة، لأننا جميعا في حالة حيرة وطنية، غير متأكدين من العوامل الجديدة التي قد تتدخل في الأسابيع المقبلة، سواء كانت حربا أو احتجاجات اجتماعية.
نتيجة ذلك، يظل الشعب متعلقا بالتصورات والأنماط القديمة، بينما يواجه قضايا جديدة ويُقترح عليها حلول قديمة، ويزداد الاحتقان الاجتماعي، ويملأ الغضب والشتائم والانتقاد الفضاء الإعلامي والسياسي والاجتماعي.
ومع ذلك، لا يبدأ أحد أو جهة معينة بالنظر إلى دورها في خلق الوضع الحالي ضمن هذا الفهم التاريخي والتطبيقي، الجميع مشارك ويجب أن يتعاون الجميع في حل القضية.
ماذا يجب فعله لمعالجة انعدام الثقة بين الناس والسلطة، وعدم سماع أصواتهم؟
انعدام الثقة بين الناس والسلطة لا يظهر فجأة، بل يتشكل عبر تجارب المواطنين، خاصة أولئك الساعين للإصلاح، يمكن تقليل هذا الانعدام من خلال سياسات استراتيجية واحداثية، مع التركيز على الاتصالات، المجتمع تعب من انعدام الثقة، وتزداد قدرته على التحمل إذا توافر أفق واضح لحل المشكلات، بينما الغموض يزيد الانعدام.
التأجيل المستمر للمشكلات وعدم التخطيط طويل المدى يضعف الثقة، بينما تعزيز الشفافية والإعلام وإزالة القيود على الوصول إلى المعلومات يمنح مصداقية المؤسسات المدنية، الثقة تُبنى عبر المؤسسات الحوارية والمشاركة الفاعلة، وليس عبر القرارات الفردية، الحكومة وحدها لا تستطيع بناء الثقة، بل يحتاج الأمر إلى مشاركة المثقفين والنخب والمؤسسات المدنية والتيارات السياسية والمعارضة.
أحد أكبر التحديات الحالية هو الانقسام الثنائي، حيث يرفض كثير من الناشطين التواصل مع الحكومة لتعزيز الثقة، يجب خلق فهم مشترك وحوار فعّال، كما أظهرت احتجاجات 2022 وحركة “امرأة، حياة، حرية” التي أكدت ضرورة الاعتراف بالحقوق والمطالب المختلفة للمجتمع، بدل محاولة العودة إلى مجتمع متجانس، الحلول الحالية بحاجة لتفكير مبتكر ومراعاة الظروف الجديدة.
هل هناك أفق واضح لإعادة بناء الثقة؟
في الواقع، من وجهة نظري، الأفق الواضح لإعادة بناء الثقة يظهر عندما تدفع الصعوبات والتعقيدات المجتمع إلى إدراك ضرورة تغيير المسار السابق، الحلول قصيرة المدى وتأجيل الأمور لا تكفي، بل يتطلب الأمر مواجهة القضايا بشكل مباشر، مع دور بارز للمؤسسات الفكرية والمفكرين في رسم آفاق جديدة.

أري أن قضية إيران اليوم مرتبطة بهويتها الوطنية والإسلامية، وفهم تاريخها من فردوسي إلى مواجهة الفتوحات والتهديدات الخارجية يظهر أهمية الاستفادة من القيم المشتركة كوسيلة للتماسك، البيئة الحقيقية للتغيير تكمن في أماكن الحوار المفتوحة مثل المقاهي والشبكات الاجتماعية والمجتمعات الشبابية، حيث تشكلت آليات جديدة للتضامن والتفاعل مع السياسات الجامدة السابقة، وهو ما يمثل الأمل في المستقبل.

