- زاد إيران - المحرر
- 494 Views
أجرت صحيفة جوان الأصولية، الجمعة 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، حواراً مع محسن ردادي، الأستاذ في معهد الثقافة والفكر الإسلامي، حول أسباب التفاعل النفسي للمجتمع الإيراني مع تفعيل آلية الزناد وانعكاساتها على السوق المحلية، وفيما يلي نص الحوار:
برأيك، إلى أي حدّ يُعدّ تأثير آلية الزناد على المجتمع تأثيراً اقتصادياً وواقعياً، وإلى أي مدى هو نتيجة عبء نفسي على المجتمع؟
من الواضح أن آلية الزناد لا تملك تأثيراً حقيقياً كبيراً على الاقتصاد الإيراني، لكنها تترك أثراً نفسياً واسعاً، وقد أدّى هذا الأثر النفسي إلى اضطراب ملحوظ في الاقتصاد الإيراني.
والجدير بالذكر أن الذين يزعمون أن آلية الزناد أثّرت كثيراً على الاقتصاد الإيراني، عليهم أن يوضحوا لي وللشعب: هل فُرضت فعلاً عقوبات جديدة بسببها؟ وهل توقّف شراء النفط الإيراني منذ تفعيلها؟ وهل أدى تطبيقها إلى منع دخول سلعة معينة إلى إيران أو إلى وقف العلاقات المالية مع العالم؟
من الواضح أن أياً من هذه الأمور لم يحدث ولن يحدث، لأننا خلال السنوات الماضية واجهنا عقوبات أشد وأثقل بكثير، تجعل قرارات مجلس الأمن قبل 10 أو 15 عاماً لا تُقارن بها، لكن للأسف، من الناحية النفسية ترك هذا الحدث تأثيراً كبيراً، وذلك بسبب ضعف الاقتصاد وسوء الإدارة، فلو كان هناك تخطيط دقيق وتنظيم متناسب مع العقوبات، لما واجهنا مثل هذه الاضطرابات.
بناء على هذه الحقائق، ما الهدف إذاً من تفعيل آلية الزناد؟
يمكن النظر إلى هذا الموضوع من زوايا مختلفة، لكن من وجهة نظري، فإن ما يسعى إليه الأعداء هو ضرب العامل نفسه الذي كان سبب انتصارنا في الحرب الأخيرة، وهو الوحدة الوطنية والتلاحم الشعبي.
وقد تكون لديهم أهداف أخرى، لكن من منظور اجتماعي – وهو مجال اختصاصي – أرى أن أحد أهدافهم الرئيسية هو زيادة الضغط على الناس، بحيث يؤدي هذا الضغط إلى تفكك التماسك القائم بين الشعب والنظام، ويتحوّل إلى نوع من الانقسام وسوء الظن والعداء الداخلي، وهو إنجاز كبير بالنسبة لهم وقد يكون خطراً جداً علينا.
ويجب أن نعترف ونؤمن بأن عامل انتصارنا كان تلك الوحدة الإيمانية التي جمعت بين أبناء الشعب، فلو لم يكن هناك تلاحم بين الناس والمسؤولين أثناء الحرب، لما تمكنا بسهولة من تحقيق النصر والدفاع عن إيران، ولربما كانت الحرب التي استمرت 12 يوماً قد أدت إلى سقوط النظام وتفكك إيران، وإذا آمنا بذلك، فعلى المسؤولين أولاً أن يتخذوا بعض الإجراءات التي سأشير إليها لاحقاً، وثانياً أن نكون يقظين تجاه أي انقسام.
فالغلاء الحالي جعل العلاقة بين الشعب والحكومة يشوبها سوء الظن والتباعد، فالناس غاضبون لأن أوضاعهم الاقتصادية سيئة، وينتظرون من الحكومة أن تتصرف، وفي الوقت نفسه نشأت عاصفة من الخلافات والانقسامات السياسية التي لا تصب في المصلحة العامة.
وبدأ البعض بتفعيل النقاشات الحزبية والسعي وراء المكاسب الفئوية، فنسمع مثلاً من يقول إن الزناد كان خطأ فلان ويجب إعدامه، أو أنه بسبب شخص آخر فليُعدم هو، بالطبع يجب أن تكون هناك مساءلة، لكن الوقت الحالي ليس مناسباً للنزاعات الحزبية.
وكما قال المرشد الأعلى، يجب أن تكون الوحدة الوطنية والسياسية في مقدمة أولويات الجميع، وأبسط تشبيه لذلك هو أننا نصطف كصف واحد أمام أمواج العدو، وأي ثغرة صغيرة في هذا السدّ قد تؤدي إلى انهياره بالكامل، لذلك، ونحن واقفون جنباً إلى جنب في مواجهة العدو، لا ينبغي أن نسمح بظهور أي شرخ بيننا، لأن ذلك بالغ الخطورة.
كما أستشهد بكلام المرشد الأعلى الذي قال إن الدبلوماسيين هم أبناء هذا الوطن، وقد بذلوا جهدهم، وبالتأكيد، حدثت أخطاء في جميع الحكومات وفي كل القرارات السياسية والاقتصادية، ولكن في موضوع الاتفاقات أيضاً لا ينبغي اتهام أبناء البلد بالخيانة، فقد عملوا بجد وبذلوا ما بوسعهم، وكانوا يعتقدون أن هذا الطريق هو الذي سيحفظ مصالح إيران.
ما الأسلوب الأمثل لإدارة الدولة وصياغة السياسات في هذه المرحلة لتحصين المجتمع من تداعيات هذه الأزمات؟
ارتكبت الحكومة الحالية، شأنها شأن الحكومات السابقة، الخطأ نفسه، إذ لم تعتمد نهج التعبئة الاقتصادية لمواجهة العقوبات، وكأن المسؤولين لم يقتنعوا بعد بأن حرباً اقتصادية حقيقية قد فُرضت على إيران، وهدفها إسقاط النظام.
لقد مرّ الآن خمسة عشر عاماً على أشدّ العقوبات المفروضة على إيران، ورغم أن إيران كانت تواجه العقوبات منذ انتصار الثورة، فإن موجتها الأشدّ تشكّلت خلال هذه الأعوام الخمسة عشر، ومع ذلك لا يزال معظم المسؤولين وواضعي السياسات يعتقدون أن الأزمة يمكن حلّها عبر التفاوض، وأن ما يجري ليس سوى سوء فهم بين إيران والغرب يمكن تجاوزه برفع العقوبات.
على سبيل المثال ومع كامل احترامي لوزير الاقتصاد وغيرهم من المسؤولين الذين يكدّون في هذه الظروف الصعبة، فإذا نظرت إلى برنامجهم أمام البرلمان للحصول على الثقة، تجد وكأنه لا وجود لحراك أو أثر للعقوبات في إيران.
ويبدو أن وزير الاقتصاد الحالي والوزراء السابقين وكل أجهزة الدولة يضعون خططهم على فرضية أن هذه العقوبات سترفع خلال شهر أو شهرين، وبالتالي لا حاجة لأن تُدرج في حساباتهم أو تخطيطهم أو سياساتهم، ونتيجة ذلك هي هذا التفكك وفقدان سيطرة الدولة على مجال الاقتصاد.
ويتعيّن على الحكومة والمسؤولين الإيمان بجدّية بواقع العقوبات، وأن يتبنّوا نهج الحرب الاقتصادية، وألا يتعاملوا مع الوضع وكأن العقوبات غير موجودة، فلو لم تكن هناك عقوبات، لما كانت السياسة النقدية والمصرفية، أو حتى السياسة الخارجية، تُدار على النحو الذي نراه اليوم، ولم يكن ليُضخ هذا الكم الكبير من الأموال في السوق، ولم يكن الإسراف وهدر الموارد ليبلغا هذا الحد.
ويبدو وكأن العقوبات الخطيرة المفروضة على إيران غير موجودة، في حين أنها تُلهب حياة الناس وتُحدث اضطراباً واسعاً، ومع ذلك، لا يزال المسؤولون يأملون في رفع العقوبات وعودة الأوضاع إلى طبيعتها، ومن ثمّ يظنون أنه لا حاجة إلى تبنّي سياسات خاصة في الوقت الراهن.
وهذا خطأ جسيم، لأنه يجعل المنتج في حالة ارتباك لا يعرف معها ما إذا كانت العملة التي سيحتاجها بعد شهرين سترتفع أم ستنخفض، كما يضع المستهلك في قلق دائم من تغيّر الأسعار، وهذه الأوضاع تضر بإيران بشدة، إذ تعكس سوء إدارة وسوء تدبير ناجمين عن إهمال إدراج عامل العقوبات في البرامج الطويلة والمتوسطة والقصيرة الأمد.
والجدير بالملاحظة أن السيناريوهات التي تضعها الجهات الاقتصادية والأهداف التي تحددها القطاعات المختلفة، تقوم على فرضية رفع العقوبات قريبا، فيقولون، إذا رُفعت العقوبات سنفعل ذلك، وإن لم تُرفع فلن نفعل.
والنتيجة أن المواطنين يصبحون الضحية في غياب إدارة فعّالة للحرب الاقتصادية، فإذا واجه الناس ضغوطاً ومعاناة، فإن المسؤولية تقع على الحكومة التي لا يحق لها، في ظل الحصار الاقتصادي، أن تُهدر موارد العملة الصعبة على سلع غير ضرورية وبسخاء مفرط يبدّد ثروات إيران
هل لديكم أمثلة محددة على كيفية هدر موارد إيران؟
على سبيل المثال، إن بيع وشراء العملات الأجنبية في السوق يجري بسهولة وبشكل حر، وأنا لست خبيراً اقتصادياً، لكن أتساءل: ألم يكن ممكناً أن نعمل كما في سنوات الحرب حين كانت العملة تُدار حكومياً ولم يكن من الممكن إيجادها في السوق الحرة؟ فلو طبقنا هذا النهج اليوم، لما واجهنا مثل هذه الأزمات في سوق الصرف، ولما ارتفع سعر العملة الأجنبية بهذه الصورة نتيجة زيادة الطلب، كان بالإمكان أن تُدار عملية تخصيص العملات بشكل أكثر انضباطاً وتنظيماً.
ومن جهة أخرى، علاقاتنا مع الصين وروسيا يمكن أن تحقق مكاسب اقتصادية مهمة، لذلك يجب أن نسعى لتقويتها، ولكن الوضع الحالي مؤسف جداً، وأسبابه تعود إلى تصور الحكومات بأن العقوبات سترفع قريباً، ولهذا لا يُدرجونها في حساباتهم.
وللأسف، تتردد الحكومات في تعزيز التعاون الاقتصادي مع الصين وروسيا، أو في توقيع وتنفيذ اتفاقيات يمكن أن تُسهم في حل مشكلات إيران ومواطنيها، لأنهم ما زالوا يعتقدون أن التعامل مع الأوروبيين والأمريكيين أفضل، وهذا الموقف في الواقع يستفز الغرب لممارسة مزيد من الضغط على إيران.
ويمكنني أن أذكر العديد من الأمثلة التي امتنعت فيها الحكومات عن العمل مع الصين وروسيا، وغالبا ما يُتهم هذان البلدان بالتقصير أو الخيانة، لكن في رأيي فإن المسؤولين الإيرانيين أنفسهم يتحملون القسط الأكبر من المسؤولية، وعليهم أن يجيبوا: كم خطوة اتخذوا فعلياً للاستفادة من الفرص التي تتيحها العلاقات مع بكين وموسكو لحل مشكلات الشعب؟
على سبيل المثال، الاتفاقية الإيرانية–الصينية لمدة 25 عاماً، التي كان من الممكن أن تُحل بواسطتها الكثير من المشكلات، سواء في مجالات الطاقة أو التعاون العلمي، فهل وُضع حجر أساس واحد ضمن هذه الاتفاقية؟ هل قدّمت الحكومة تقريراً تقول فيه إننا خلال هذه الاتفاقية التي وُقعت قبل نحو عشر سنوات أنجزنا مشاريع محددة؟ أعتقد أن شيئًا لم يُنفذ، والسبب هو أنهم لا يؤمنون حقاً بأننا نعيش تحت العقوبات، وبالتالي لا يتحركون لتخفيف آثارها.
في الواقع إن “آلية الزناد” نفسها لم تُسبب ضرراً كبيراً، لكن غياب حالة التعبئة الاقتصادية لدى المسؤولين، وغياب أي إشارة في البرامج الحكومية إلى كيفية مواجهة العقوبات أو التكيف معها، جعل حياة الناس صعبة، وهذه المشكلة تُحدث أكبر أثر نفسي في المجتمع، فلو شعر الناس أن الحكومة تسيطر على الوضع ولديها خطة واضحة لمواجهة العقوبات، لما أصيبوا بهذا القدر من القلق والاضطراب النفسي الذي ينعكس في ارتفاع الأسعار وفوضى الأسواق.

