- زاد إيران - المحرر
- 537 Views
تتجه الأنظار إلى طهران مع تصاعد الضغوط الدولية واقتراب مهل أوروبية حاسمة بشأن الملف النووي. وبين دعوات داخلية لإحداث تحول بارادايمي يعيد صياغة السياسات الإيرانية، وتحذيرات من استحالة الاستجابة لشروط الغرب بعد حرب الأيام الاثني عشر، يظل السؤال الأبرز: هل تملك إيران القدرة على فرض مسار جديد يحصّن الداخل ويمنحها أوراق قوة في التفاوض؟
في هذا الإطار نشرت صحيفة “شرق“، الاثنين 18 أغسطس/آب 2025، حوارا خاصا مع مهدي ذاكريان، أستاذ القانون الدولي والمحلل البارز للشؤون الأوروبية والأمريكية، حول التوتر المتصاعد بين إيران والغرب في الملف النووي. وفي ما يلي نص الحوار:
قبل 13 يوما من انتهاء مهلة الترويكا الأوروبية دون مؤشرات على تفاوض أو وساطة، هل تستعد طهران لتفعيل آلية الزناد في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أم أنها ستقبل بتمديدها ستة أشهر كما يتوقع بعض الخبراء؟
أستبعد تماما أن تسعى إيران، في ظل الظروف الراهنة، إلى المضي في خيار تمديد آلية الزناد لستة أشهر.
بِمَ تفسِّرون هذا التحليل؟
لأنّ الظروف الداخلية في إيران، والظروف الإقليمية في الشرق الأوسط، وكذلك الظروف الدولية، قد تضافرت جميعها لتُفلت من يد إيران ما تبقّى من الفرص المحدودة. فالمسار يتجه إلى سلب المساحة الضئيلة المتبقية التي تتنفس منها إيران؛ إذ يُسعى إلى انتزاع أوراق القوة وأدوات الضغط وفرص المناورة من طهران، ليفرض عليها في النهاية ما رسمه الغرب ويجبرها على قبوله.
لذلك لا أرى الأسابيع والأيام المقبلة مشرقة، سواء تلك التي تسبق انتهاء مهلة الترويكا الأوروبية لإرسال رسالة تفعيل آلية الزناد إلى مجلس الأمن، أو الشهر الإضافي الذي يليها حتى عودة قرارات مجلس الأمن في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2025 أو حتى ما بعد ذلك.
إذن، هل ترى منذ الآن أنّ الترويكا سترسل في نهاية أغسطس/آب رسالة تفعيل آلية الزناد إلى مجلس الأمن؟ أريد جوابا واضحا وصريحا: نعم أم لا؟
نعم، لدي هذا التصوّر، غير أنّه في عالم التحليل والسياسة والدبلوماسية لا وجود لشيء قطعي، ومع ذلك، حتى إذا لم تبادر الترويكا الأوروبية إلى إرسال الرسالة في نهاية أغسطس إلى مجلس الأمن لتفعيل آلية الزناد وإعادة القرارات، فإنّ الأزمة ستظل قائمة؛ الفارق الوحيد سيكون في التوقيت.
فجميع الضغوط التي يُراد فرضها على إيران عبر تفعيل آلية الزناد وعودة القرارات، ستُمارس عليها حتى في حال عدم إرسال الرسالة الأوروبية، لأنّ الإستراتيجية الراهنة تجاه طهران من جانب الغربيين تقوم على سلب كل الفرص وأوراق القوة وأدوات الضغط منها.
أضف إلى ذلك، أنّ موافقة الجمهورية الإسلامية على تمديد آلية الزناد ستة أشهر أخرى لن تُغيّر شيئا جوهريا، ولا يُنتظر منها حدث فارق أو باعث للأمل؛ إنما يعني ذلك فقط تمديد الأزمة نصف عام إضافي، مع بقاء شبح تفعيل آلية الزناد مسلّطا فوق رأس إيران، والأسوأ أنّ تحوّل هذا الضغط الأوروبي إلى أداة استنزاف قد يخلّف تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية وتجارية واجتماعية وثقافية داخل إيران.

ما الحل للخروج من الوضع الراهن؟ أتعنون أن تستعدّ طهران لتفعيل آلية الزناد؟
أبدا، لا أوافق على أن تُعدّ طهران نفسها لتفعيل آلية الزناد؛ لأن لتبعات ذلك وأزماته شأنا غير هيّن، وكذلك الحال بالنسبة لتبعات وأزمات تمديد آلية الزناد. لذلك فإن الحل تغييرٌ بنيوي في النموذج، جادّ وملموس وعملي.
وعلى الرغم من أنّ هذا المصطلح، «تغيير البرادايم/النموذج»، جرى الترويج له مرارا في الفضاءين التحليلي والإعلامي، فإننا، للأسف، لا نرى تطبيقا له في الميدان، لا في السياسة الداخلية ولا في السياسة الخارجية. وللأسف، فإن أسلوبنا في السنوات الأخيرة كان على نحو ستُفرَض معه الأزمات علينا في نهاية المطاف.
أشير إلى تطوّرات القوقاز فبعد إبرام الاتفاق الثلاثي بين أذربيجان وأرمينيا والايات المتحدة، استقبلت كل دول المنطقة وخارجها، بل حتى روسيا نفسها، الأمرَ بتحفّظ وترحيب حذر، غير أن نهج إيران كان مختلفا؛ إذ إن نتيجة الخمول طوال خمس سنوات أوصلتنا إلى الوضع الراهن.
وسلوك أوروبا ليس قانونيا أو أخلاقيا قطعا، بل هو سلوكٌ سياسي؛ غير أنّ هذا السلوك السياسي متأثّر بأخطائنا وردود أفعالنا وقراراتنا وإجراءاتنا خلال السنوات الماضية.
مع أنكم قلتم ذلك، فإنّ طهران ما زالت تؤكد أنها لم تغادر طاولة التفاوض مع أوروبا قط، وأنّ المسؤول عن الوضع الراهن في العلاقات بين إيران والقارة العجوز هم الأوروبيون أنفسهم.
هذه مواقف معلَنة لا أكثر، لا خطوات عملية، بينما معيار الأوروبيين، وتحديدا الترويكا وكذلك الاتحاد الأوروبي، يقوم على القرارات والإجراءات والنهج العملي لإيران، وبناء عليه يتخذون قراراتهم.
ولا ننسى أن ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي صرّحوا بوضوح بضرورة حسم مصير 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، واستئناف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة؛ وفي هذه الحالة فقط لا تُفعّل آلية الزناد.

مع ذلك، أشرتم أنتم أيضا إلى أنّ أساس تحركات أوروبا والغرب يعود إلى نهج سياسي أدّى إلى…
لم أقل إن هذه المطالب والشروط الأوروبية ليست سياسية، وهذا لا يتعارض مع كلامي، من الطبيعي أن أوروبا تطبق اليوم نهجا سياسيا تجاه إيران، وفي هذا السياق تُبقي دائما تهديد آلية الزناد مسلّطا على طهران وتسعى لفرض شروطها.
لكن، كما ذكرت، يجب أن نقوم نحن أيضا بعملية نقد ذاتي؛ فجزء من النهج السياسي الأوروبي يعود إلى أدائنا خلال السنوات الماضية، وخصوصا بعد اندلاع حرب أوكرانيا، وهو ما جعل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا لا يكتفون بالانحياز إلى جبهة إسرائيل والولايات المتحدة، بل يتقدّمون عليها ويتعاملون معنا بضغط أكبر وأكثر تشدّدا.
هل يمكن الجمع بين النهج السياسي والدبلوماسية الأوروبية؟
بالمبدأ، الدبلوماسية قائمة على النهج السياسي وتهدف إلى تحقيق مصالح الدول ومطالبها، لذا، إذا اتخذت الدبلوماسية الأوروبية تجاه إيران وآلية الزناد طابعا سياسيا، فهذا من جهة يعكس الأهداف والمصالح التي رسمتها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي لأنفسهم، ومن جهة أخرى يرتبط ببنية القرار داخل بلدنا. وقد قلت سابقا في حديثي معكم إن عملية اتخاذ القرار في إيران تعاني خللا، والآن لا بد من الاعتراف بأنّ هيكلية القرار برمّتها تواجه مشكلة.
كيف تفسرون تصريحات وزير الخارجية عباس عراقجي التي قلّل فيها من خطورة تفعيل آلية الزناد وعودة قرارات مجلس الأمن؟
أرى أن هذه التصريحات تحمل وظيفة نفسية تهدف إلى تهدئة الداخل، لكنها لا تعكس الواقع، فالموضوع ليس تهويلا، بل تهديد حقيقي يجب القلق منه منذ الآن، إذ إن عودة قرارات مجلس الأمن ستفاقم الأزمات وتدفعها إلى مرحلة يصعب السيطرة عليها.
وزير الخارجية بحكم موقعه مضطر إلى خطاب التطمين، لكن من الواضح للجميع أن تفعيل الآلية يعني عودة ستة قرارات عقابية ثقيلة ضد إيران، بتداعيات واسعة سياسيا واقتصاديا وأمنيا.
لكن أليست هذه العقوبات والقرارات العقابية تُنفَّذ فعليا ضد إيران منذ سنوات طويلة؟
صحيح ما تفضلتم به، بالفعل، هذه العقوبات تُطبّق منذ سنوات من جانب أوروبا وأمريكا ضد إيران، لكن الفرق هو أنه بعد تفعيل آلية الزناد وعودة قرارات مجلس الأمن العقابية، ستكتسب هذه العقوبات شرعية قانونية كاملة. هذه الشرعية، وفق القانون الدولي، تُنشئ التزاما ملزما لجميع الأطراف الدولية في التعامل مع إيران.
إذا كانت القيادة الإيرانية باتت تدرك اليوم أن القرارات الأممية لم تعد “مجرد قصاصات ورق” كما كان يُقال في عهد أحمدي نجاد، فلماذا لا يزال النهج نفسه قائما؟
السبب هو أن العقلية الأيديولوجية ذاتها ما زالت تتحكم بالمشهد؛ ففي عهد أحمدي نجاد كان الخطاب يستخف بالقرارات، واليوم، رغم الوعي بخطورة آلية الزناد وعودة العقوبات الأممية، فإن السلوك العملي لم يتغيّر، بمعنى أن هناك معرفة بتأثير القرارات، لكن القرار السياسي ما زال يتجه نحو المواجهة بدل التغيير.
والدليل أنّه حتى عندما أصدر مجلس الحكام قرارا ضد إيران، كان الرد الإيراني تصعيدا، ثم أعقب ذلك هجوم إسرائيلي مباشر، ومن هنا، يُتوقع أنه إذا فُعّلت آلية الزناد في أغسطس/آب 2025 وعادت العقوبات الأممية، فسنشهد مجددا جولة من التصعيد وربما عدوانا جديدا من جانب إسرائيل.

وفقا لتصريحاتكم، حددت الترويكا الأوروبية والاتحاد الأوروبي ثلاثة شروط لتفعيل آلية الزناد: حسم مصير 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، والتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، والتعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. هل يمكن الالتزام بهذه الشروط عمليا، خصوصا بعد الحرب الـ12 يوما التي زادت حاجة إيران لقدراتها الصاروخية والطائرات المسيرة؟
عمليا، من غير المرجح جدا تحقيق هذه الشروط في المهلة المتبقية البالغة 13 يوما أو حتى خلال الشهر الذي يليها، وحتى في حال تمديد آلية الزناد ستة أشهر، فالتجربة السابقة لجولات مسقط الخمس الفاشلة أظهرت أن الغرب يسعى لفرض شروطه وفرض الاتفاق الذي يريده على طهران بطريقة غير دبلوماسية، وغير أخلاقية، وغير قانونية. ما يحدث اليوم هو نهج سياسي للغرب، حيث تمثل أوروبا، نيابة عن الولايات المتحدة، محاولة لفرض شروطها وإملاء رغباتها على إيران.
إذا رفضت إيران هذه الشروط، كما ذكرت مرارا، فسيخلق ذلك ذريعة وفرصة لشن عمليات جديدة وعدوان محتمل على إيران، وأؤكد أن الهدف من هذا التحليل هو توضيح الوضع الحالي للعلاقات بين إيران وأوروبا، وليس تأييد النهج السياسي للغرب، بل لإظهار النقطة التي نحن فيها وما قد يحدث خلال النصف الثاني من العام. وكما أكدت عدة مرات السلطات الإيرانية، كنا في مفاوضات مع الولايات المتحدة حين وقع الاعتداء على إيران، مما يعني أننا لا نتعامل مع نهج قانوني أو أخلاقي أو إنساني.

كما قلتم مرارا، فإن القانون الدولي يُعرّف في إطار القوة الدولية
بالضبط، لأن القانون الدولي في جوهره وليد تفاعلات القوى العظمى.
وليس بالضرورة أن تكون القوة الدولية أخلاقية…
صحيح تماما، فالأخلاق والقانون الدولي يظلان تابعين لمنطق القوة الدولية، القوى الكبرى هي التي تحدد اتجاه القانون الدولي ومضامينه. وحين تفتقر إيران إلى أدوات القوة في مواجهة أقطاب كبرى كالولايات المتحدة، فلا يمكنها التعويل على ما يُسمى بالقانون الدولي أو حتى على الدبلوماسية، لأن كل ذلك يُعاد إنتاجه داخل منطق القوة الدولية.
القانون الدولي لا يمتلك قيمة عملية إلا إذا استند إلى رافعة قوة كبرى، والدبلوماسية لا تجلب ثمارا حقيقية للأمن والمصالح الوطنية إلا إذا انبثقت من قوة دولية، ومثال ذلك ما رأيناه في قمة ألاسكا، واللقاء بين بوتين وترامب الذي خُصص أساسا لترتيب مصير بلد ثالث هو أوكرانيا.
ــ هل يعني كلامكم هذا الاستسلام؟
أبدا، بل هو ما ذكرتُه سابقا: لقد حان الوقت لحدوث تحوّل بارادايمي حقيقي، يمكن عبره بناء قوة داخلية وإقليمية، ومن ثمّ إدراج دبلوماسية قائمة على القوة في صلب السياسة، فإذا كانت إيران تُصرّ باستمرار على رفض القبول بـ«تخصيب صفري»، فعليها أن تُعرّف لذلك مسارا دبلوماسيا يستند إلى القوة.
لكن محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الأسبق، عكسكم، يطرح في مقاله الأخير بـ«فورين بوليسي» أن التحول البارادايمي ينبغي أن يشمل ثلاثة مستويات: الداخلي، والإقليمي، والدولي. أي إن التغيير لا يقتصر على إيران وحدها، بل لا بد أن يشمل الشرق الأوسط والمشهد العالمي أيضا. فهل أنتم، بخلاف ظريف –وهو من أقرب أصدقائكم– تحصرون التحول البارادايمي في الداخل الإيراني فقط، أم ترونه ضرورة أيضا للغرب والمنطقة والعالم؟
ــ إجابتي ماثلة في كلامي السابق، الغرب بما أنه يمتلك القوة والأدوات، يستطيع أن يرسم بارادايماته الخاصة، بارادايم الغرب حاليا تجاه إيران قائم على إملاء الشروط وانتزاع أوراق القوة من يد طهران، وما طرحه ظريف في مقاله يظل في الإطار النظري والاقتراحات، أما أنا فحاولت هنا أن أقدّم قراءة واقعية لمسار العلاقات مع الغرب بعد حرب الأيام الاثني عشر.
وعلى الرغم من احترامي الكبير لظريف، فإنني أعتقد أن بارادايم الغرب ليس بصدد أي تغيير تجاه إيران، بل إنه أكثر هجومية بعد الحرب، البارادايمات تُفرض على الدول الأضعف، وإيران اليوم لا تملك القوة الكافية لمعادلة بارادايمها مع بارادايم الغرب.
لذلك أؤكد أن البداية تكون من الداخل، عبر بناء شرعية داخلية حقيقية، وهذه الشرعية لا تتحقق إلا بتحول بارادايمي عملي وملموس في كل المجالات، لا في الخطاب والكلام فقط. فحين تحدد القوى الكبرى القانون الدولي، تحدد في الوقت نفسه ما هو «الحق» وما هي «الواجبات» على إيران، بينما إيران لا تملك القوة لفرض تكاليف على الغرب. أسألكم: هل هذا عادل أو أخلاقي؟ بالتأكيد لا، لكنه نابع من منطق القوة الدولية، وهذه القوة ليست بالضرورة أخلاقية.
أنتم تكررون في هذا الحوار مصطلح «تغيير البارادايم». كل سياسي أو دبلوماسي أو ناشط حزبي ينظر إليه من زاويته الخاصة، فبصفتكم أستاذا جامعيا، ما تعريفكم التفصيلي لهذا المفهوم؟
ـسؤالكم جوهري، بالنسبة إليّ، تغيير البارادايم يعني إيجاد الحلول للأزمات، فنحن في إيران نواجه عدة أزمات، والبارادايم الجديد لا يكون حقيقيا إلا إذا قدّم حلولا لكل واحدة منها.
ما لم تُحلّ هذه الأزمات، سيبقى الحديث عن تغيير البارادايم مجرّد شعار جميل، فكيف يمكن أن نمتلك أدوات القوة لمساءلة الأوروبيين عن عدم التزامهم بتعهداتهم في الاتفاق النووي، أو لمحاسبة ترامب على سماحه بالعدوان على إيران أثناء المفاوضات، ونحن غارقون في هذه الأزمات؟ التحول البارادايمي يخلق قوة فقط عندما يُنتج حلولا واقعية لهذه الأزمات.

