- زاد إيران - المحرر
- 527 Views
مرّ أكثر من خمسين يوما على وقف إطلاق النار في حرب الـ12 يوما، وأصبح موضوع المفاوضات مرة أخرى القضية الرئيسة في البلاد، وقد كرّر مسؤولو الجهاز الدبلوماسي في تصريحاتهم إيمانهم بمبدأ التفاوض.
فقد قال سعيد خطيب زادة، نائب وزير الخارجية الإيراني، إن “المفاوضات ستستمر، لقد قررنا الاستمرار فيها وسنفعل ذلك، ولكن يجب أن نكون يقظين وحذرين؛ لضمان ألا يستغل أحدٌ هذا الأمر ويحوّله إلى أداة ضمن أدوات سياسته الخارجية”.
كما أكد مجيد تخت روانجي، نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية، أن القنوات الدبلوماسية عبر الوسطاء لا تزال مفتوحة، محذرا في الوقت ذاته من أن أي تهديدات أمريكية جديدة ستواجه دفاعا حازما.
ويأتي ذلك في وقت يعارض فيه بعض الأطراف مبدأ التفاوض، ويطرحون في الوقت نفسه تصريحات مختلفة حول محتوى المفاوضات مع الغرب. فبعضهم اقترح مشروعا عاجلا يشترط انتهاء الحصار على غزة، بينما يطالب آخرون باعتذار ترامب للشعب الإيراني.
وفي هذا الإطار نشرت وكالة أنباء “خبر أونلاين“، الاثنين 18 أغسطس/آب 2025، حوارا مع قاسم محب علي، خبير الشؤون الدولية، حول دور المفاوضات الشاملة كأداة استراتيجية لإدارة النزاعات وحماية مصالح إيران الوطنية، ومدى استعداد إيران للدخول في مفاوضات شاملة مع الغرب. وفي ما يلي نص الحوار:
هل يكفي في الوقت الحالي الاكتفاء بالمفاوضات حول القضية النووية لحل مشاكل السياسة الخارجية لإيران؟
الواضح أن الجواب هو لا… فقد أظهرت التجارب السابقة أن الاكتفاء بالمفاوضات النووية يؤدي فقط إلى خفض التوتر وتخفيف بعض العقوبات المرتبطة بالملف النووي، دون معالجة الخلافات الجوهرية، فخلافات إيران مع الغرب (الولايات المتحدة، وأوروبا، وإسرائيل وحلفائهم) ليست محصورة في الملف النووي، بل إن النزاع النووي يشكّل فقط القضية الأكثر إلحاحا بينهم.
وبما أن الثلاثة سياسات الاستراتيجية لإيران — الصراع مع أمريكا والغرب، القضاء على إسرائيل، والبرنامج النووي — قد أدت جميعها إلى مواجهة عسكرية واستخدمت الأطراف المعادية الخيار العسكري، فإن تحقيق حد أدنى من وقف إطلاق النار الرسمي بين الأطراف المتنازعة يتطلب اتفاقا حول جميع مجالات النزاع الثلاثة.

في الظروف الحالية، هل المفاوضات الجزئية أو المحددة أكثر فائدة لإيران أم المفاوضات الشاملة؟
المفاوضات الجزئية لا تحل الخلافات ولا ترفع العقوبات أحادية الجانب أو الدولية، فهي في هذه المرحلة تصلح فقط لتثبيت وقف الأعمال العسكرية وإعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات والدبلوماسية، ولا أكثر من ذلك.
لذلك، يبدو أن إعداد خطة وأجندة لمفاوضات شاملة لضمان المصالح الوطنية والأمن القومي والتصدي للتهديدات التي تواجه إيران أمر ضروري وحيوي، وبطبيعة الحال، يجب الاتفاق على موضوع وأسس المفاوضات وتدرجها خلال سيرها.
هل من الممكن إدراج المفاوضات الشاملة مع الغرب ضمن جدول الأعمال؟
لقد أظهرت الوقائع الحالية وتجارب الأربعين عاما الماضية أن الوصول إلى السلام والاستقرار والأمن لا يتحقق إلا من خلال الانخراط في مفاوضات شاملة مع الغرب، وخصوصا الولايات المتحدة، خاصة إذا تم تفعيل آلية «السناب باك» وإعادة تفعيل القرارات الستة، فحينها ستصبح جميع القضايا المدرجة ضمن تلك القرارات جزءا من موضوعات المفاوضات.
وقد جاء في مقدمة اتفاق «برجام» أن التنفيذ الكامل للاتفاق يشكل خطوة نحو تحقيق السلام والأمن في منطقة الشرق الأوسط والعالم، وهذه الإشارة تدل على أنه لتحقيق السلام والأمن والاستقرار، من الضروري تناول القضايا الأخرى المثيرة للخلاف أيضا.
هل تعني المفاوضات الشاملة، كما يقول منتقدوها، الاستسلام أمام الأطراف المتفاوضة والتخلي عن كل القدرات الدفاعية والمكتسبات الوطنية؟
في أي نزاع ضمن العلاقات الدولية، يُعد توازن القوى أمرا حاسما، لكن القوة في عالم اليوم ليست مقصورة على القوة العسكرية فقط، فالعلاقات بين الدول تتشكل من عدة عناصر للقوة، أبرزها القوة الاقتصادية.
ومع ذلك، في حال وقوع الحرب، تصبح القوة العسكرية وتفوق الأسلحة والتقنية والعمق الاستراتيجي هي المحدد الرئيسي، وبالتالي فإن مسألة الاستسلام لطرف من الأطراف تحدث عادة فقط في حالة النزاع العسكري، وليس في مجال الدبلوماسية.
الانخراط في المفاوضات الشاملة أمر لا مفر منه، وتأجيلها يسبب خسائر وتكاليف غالبا ما يصعب تعويضها، ويضع إيران والمجتمع الإيراني أمام مخاطر جسيمة في المستقبل.
تتمثل مهمة السياسة الخارجية والجهاز الدبلوماسي، خلافا للقطاع العسكري، في استخدام جميع أدوات ومقومات قوة الدولة، وليس القوة العسكرية فقط. لذا، في مسار المفاوضات، على عكس الساحة العسكرية حيث يحدد الهزيمة أو الانتصار نتيجة الحرب، يكون التبادل والمساومة متناسبا مع الظروف.
ومن جهة أخرى، بلا شك، فإن تكلفة الحل الدبلوماسي والسياسي أقل بكثير من الحل العسكري، وحتى من استمرار الوضع الحالي بالنسبة للبلاد.
لذلك، إذا تم تجاهل مسار الدبلوماسية أو لم تؤتِ المفاوضات نتائج، فإن الحرب ستحدد نتيجة النزاعات بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وفي هذه الحالة يمكن توقع استسلام الطرف الأقوى.
أما في مجال الدبلوماسية، فإنه حتى في أضعف الظروف يمكن تحقيق أكبر قدر من المكاسب، والحفاظ على السيادة الوطنية ووحدة الأراضي واستقلال الدولة، بينما في الحرب كان ذلك مستحيلا.

هل هناك دلائل على أن إيران كانت مستعدة للدخول في مفاوضات شاملة حول جميع القضايا الخلافية مع الغرب ولخفض التوتر بشكل واسع؟
نأمل أنه بالنظر إلى التجارب السابقة، هناك إرادة وقرار من هذا النوع، وكما ذُكر، نظرا لانخراط إيران في صراعات عسكرية في ثلاثة محاور: السياسة النووية، ومنطقة الشرق الأوسط، والصراع مع الولايات المتحدة والغرب، فإن الدخول في الحوارات والمفاوضات الشاملة أمر لا مفر منه، وتأجيلها سيُسبب خسائر وتكاليف غالبا ما يصعب تعويضها، ويضع مستقبل إيران والمجتمع الإيراني أمام مخاطر جسيمة.

