أول من جمع المغازي شيعي

كتب: محمد فتحي النادي

التاريخ هو ذاكرة الأمم، والأمم صاحبة الحضارة هي التي تقوم بتدوين تاريخها؛ فالتدوين هو الذي يحافظ على الذاكرة، والتناقل الشفوي يندثر مع مرور الزمن، أو تختلط الحقيقة بالخيال والأحدوثة بالأسطورة.

وفجر تاريخ تلك الأمة وطليعة أيامها هي مغازي الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم، والتي أنزلتها الأمة منزلتها اللائقة وتناقلتها الأمة مشافهة من جيل لجيل لترسخ في الأذهان؛ فقد قال  إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: “كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله ﷺ ويعدها علينا وسراياه ويقول: يا بني هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها”.

فالتاريخ اختلط هنا بالشرف والذكر؛ فسعد بن أبي وقاص ممن شارك في صناعة هذا التاريخ تحت قيادة وراية الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم.

أما الإمام السجاد علي زين العابدين بن الحسين الشهيد فقد كان يقول: “كنا نُعلَّم مغازي النبي ﷺ وسراياه كما نُعلَّم السورة من القرآن”.

فتعلُّم المغازي نزلت عندهم منزلة تعلُّم القرآن الكريم، وهذا دليل على خطرها وعظم أمرها.

وقد تصدَّى لتدوين تلك المغازي علَم من أعلام هذه الأمة، وهو محمد بن إسحاق، والذي اقترن اسمه بالسيرة النبوية؛ فيقال عنه: “صاحب السيرة النبوية”.

أصل أجداده من العراق وقيل: فارس، وهو من الموالي، ولد بالمدينة المنورة سنة ثمانين، وعاش فيها زمنا ثم ارتحل منها وجاب العالم الإسلامي؛ فزار مصر والري والجزيرة والكوفة وبغداد، واستقر ببغداد، وعظم بها شأنه حتى قال البغدادي: “لم أر في جملة المحمديين الذين كانوا في مدينة السلام من أهلها والواردين إليها أكبر سنّا وأعلى إسنادا وأقدم موتا منه” أي: ابن إسحاق.

ومات بها في منتصف القرن الثاني الهجري.

وشخصيته أثارت الجدل بين أعلام هذه الأمة ما بين مادح وقادح، وقد غلب مادحوه قادحيه، وأبقى الزمان ذكره.

قال المرزباني: “محمد بن إسحاق أول من جمع مغازي رسول الله ﷺ وألفها”.

وقد أنصف الذهبي فيه لما قال: “هو أول من دوَّن العلم بالمدينة، وذلك قبل مالك وذويه، وكان في العلم بحرا عجاجا، ولكنه ليس بالمجود كما ينبغي”.

قال فيه ابن شهاب الزهري: “لا يزال بالمدينة علم ما بقي هذا بها -يعني: ابن إسحاق”.

“وقال علي بن المديني: مدار حديث رسول الله ﷺ على ستة، فذكرهم، ثم قال: فصار علم الستة عند اثني عشر، أحدهم محمد بن إسحاق”.

وقد سئل ابن شهاب الزهري عن مغازي ابن إسحاق فقال: “هذا أعلم الناس بها”.

وقال الميموني: “حدثنا أبو عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل- بحديث استحسنه عن محمد بن إسحاق، فقلت له: يا أبا عبد الله! ما أحسن هذه القصص التي يجيء بها ابن إسحاق! فتبسم إليَّ متعجبًا”.

وقال فيه الشافعي: “من أراد أن يتبحر في المغازي، فهو عيال على محمد بن إسحاق”، “ومن كتبه أخذ عبد الملك بن هشام سيرة رسول الله ﷺ، وكذلك كل من تكلم في هذا الباب فعليه اعتماده وإليه إسناده”.

“وكان شعبة وسفيان يقولان: محمد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث، ومن أحسن الناس سياقًا للأخبار، وأحسنهم حفظًا لمتونها”.

وقال الذهبي: “قد كان في المغازي علَّامة”، “وكان أحد أوعية العلم، حبرًا في معرفة المغازي والسير، وليس بذاك المتقن فانحط حديثه عن رتبة الصحة، وهو صدوق في نفسه مرضي.

وقال ابن ابي عدي: والذي تقرر عليه العمل أن ابن إسحاق إليه المرجع في المغازي والأيام النبوية، مع أنه يشذ بأشياء وأنه ليس بحجة في الحلال والحرام.

نعم ولا بالواهي بل يستشهد به”، “وكان صدوقًا من بحور العلم، وله غرائب في سعة ما روى تستنكر”.

وقد ذكروا أن الدافع لكتابة ابن إسحاق للسيرة أن أبا جعفر المنصور “هو أولُ خليفةٍ تُرجِمَت له الكتبُ من اللغات اليونانية والأعجمية إلى العربية، كـ: كتاب: (السند هند)، وكتاب أرسطاطاليس في المَنْطق، و(المِجِسْطي) و(إقليدس) وسائر الكتُب اليونانية، فنظر الناس فيها وتعلَّقوا بها.

ولمَّا رأى ذلك محمد بن إسحاق المَدَني جمع المغازي والسير والمبتدأ، ولم تكن مجموعةً قبل ذلك”.

وقيل: إنه “كان أتى أبا جعفر المنصور بالحيرة فكتب له المغازي”.

وقد ذكر الخطيب البغدادي ما رآها من أسباب دفعت بعض العلماء لعدم الاحتجاج بابن إسحاق فقال: “وقد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غير واحد من العلماء لأسباب منها: أنه كان يتشيع، ويُنسب إلى القدر، ويدلس في حديثه.

فأما الصدق فليس بمدفوع عنه”.

ويأتي على رأس هؤلاء الإمام الكبير مالك إمام دار الهجرة، فقد حدث عبد الله بن إدريس قال: “كنت عند مالك بن أنس فقال له رجل: إن محمد بن إسحاق يقول: اعرضوا عليّ علم مالك؛ فإني بيطاره.

فقال مالك: انظروا إلى دجال من الدجاجلة يقول: اعرضوا عليّ علم مالك”.

وقد حاول ابن حبان أن يوضح بعضًا من أسباب حملة الإمام مالك على ابن إسحاق فقال: “لم يكن يقدح فيه مالك من أجل الحديث؛ إنما كان يُنكر عليه تتبعه غزوات النبي ﷺ عن أولاد اليهود الذين أسلموا وحفظوا قصة خيبر وقريظة والنضير وما أشبهها من الغزوات عن أسلافهم.

وكان ابن إسحاق يتتبع هذا عنهم ليعلم من غير أن يحتج بهم، وكان مالك لا يرى الرواية إلا عن متقن صدوق فاضل يُحسن ما يروي ويدري ما يحدِّث”. 

أما ياقوت الحموي فقد أورد أسبابًا أخرى منها أن “محمد بن إسحاق كانت تعمل له الأشعار فيضعها في كتب المغازي، فصار بها فضيحة عند رواة الأخبار والأشعار.

وأخطأ في كثير من النسب الذي أورده في كتابه.

وكان يحمل عن اليهود والنصارى ويسميهم في كتبه أهل العلم الأول”.

وقد أكد الذهبي على مسألة الأشعار في مغازي ابن إسحاق فقال: “أشار يحيى القطان إلى ما في السيرة من الواهي من الشعر، ومن بعض الآثار المنقطعة المنكرة، فلو حذف منها ذلك لحسنت”.

وقد دافع الخطيب البغدادي عن ابن إسحاق فقال: “قد ذكر بعض العلماء أن مالكًا عابه جماعة من أهل العلم في زمانه بإطلاق لسانه في قوم معروفين بالصلاح والديانة والثقة والأمانة”.

لكن الذهبي برأ ساحة الإمام مالك فقال: “كلا، ما عابهم إلا وهم عنده بخلاف ذلك، وهو مثاب على ذلك، وإن أخطأ اجتهاده، رحمة الله عليه”.

والذي يهمني في هذا السياق اتهامه بالتشيع؛ فقد كان يحيى بن سعيد القطان يقول: “كان محمد بن إسحاق والحسن بن ضمرة وإبراهيم بن محمد كل هؤلاء يتشيعون ويقدّمون عليًّا على عثمان.

وقال الشاذكوني: كان محمد بن إسحاق بن يسار يتشيع، وكان قدريّا.

وقال أحمد بن يونس: أصحاب المغازي يتشيعون كـ: ابن إسحاق وأبي معشر ويحيى بن سعيد الأموي وغيرهم، وأصحاب التفسير السدي والكلبي وغيرهما”.

وهذا النوع من التشيع كان منتشرا شائعا، ويدخل في دائرة الاجتهاد المقبول في عموم المسلمين؛ فلم يكن ابن إسحاق رافضيّا أو غاليا؛ فيكفي أن كنيته أبو بكر، فلم يطعن في أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما.

ولم يكن له موقف ضد معاوية بن أبي سفيان  قال “إبراهيم بن سعد: قال لي يحيى بن معين: اختلفت إلى نوح في هذا الحديث ثلاثين مرة فما حدثني حملت عليه عن محمد بن إسحاق عن نافع عن بن عمر قال: ما رأيت أحدا كان أسود بعد رسول الله ﷺ من معاوية.

قلت: هو كان أسود من أبي بكر؟

قال: أبو بكر كان خيرًا منه، وكان هو أسود منه.

قال: قلت: هو كان أسود من عمر؟

قال: عمر والله كان خيرًا منه، وكان هو أسود من عمر.

قال: قلت: هو كان أسود من عثمان؟

قال: رحمة الله على عثمان، عثمان كان خيرًا منه، وهو أسود من عثمان”.

وقد كان له صلة بكبار آل البيت؛ فقد أخذ العلم عن الإمامين محمد الباقر، وابنه جعفر الصادق-رضي الله عنهما.

وكان يلتزم في الفقه بالآثار الواردة عن الإمام علي ؛ فقد سئل “المهدي بن علاثة: لم رددت شهادة محمد بن إسحاق بن يسار؟

قال: لأنه كان لا يرى جمعة ولا جماعة”.

والسبب في ذلك -كما قال أصحاب محمد بن إسحاق- أنه “كان يروي حديث علي بن أبي طالب: لا جمعة إلا في مصر مع إمام عادل”.

ونختم تلك المقالة بقول ابن عدي فيه: “ولو لم يكن لابن إسحاق من الفضل إلا أنه صرف الملوك عن كتب لا يحصل منها شيء فصرف أشغالهم حتى اشتغلوا بمغازي رسول الله ﷺ ومبتدأ الخلق ومبعث النبي ﷺ فهذه فضيلة لابن إسحاق سبق بها، ثم بعده صنفه قوم آخرون ولم يبلغوا مبلغ ابن إسحاق فيه”.