إصلاح هيكلي مثير للجدل يهدد الأمن الغذائي في إيران

نشرت صحيفة عصر إيرانيان الإيرانية تقريرا، الثلاثاء 9 سبتمبر/أيلول 2025، أفادت فيه بأن القرار الأخير للمجلس الأعلى للإدارة بشأن إعادة هيكلة وزارة الجهاد الزراعي أثار جدلا واسعا، بعدما اعتبره خبراء ومتابعون تهديدا مباشرا لدور الوزارة في تحقيق الأمن الغذائي وتنظيم السوق الزراعية، وأضافت الصحيفة أن القرار، الذي ينصّ على نقل ودمج شركات ومؤسسات أساسية إلى القطاع غير الحكومي، يتعارض مع القوانين والدستور، ويهدد بطمس إنجازات تمتد لأكثر من قرن في مجال حماية الموارد الطبيعية. 

إصلاح هيكلي 

ذكرت الصحيفة أن القرار الأخير للمجلس الأعلى للإدارة بشأن إصلاح هيكلية وزارة الجهاد الزراعي (القرار رقم 40739 الصادر في 2 أغسطس/آب 2025) الذي أُبلِغ من قِبل النائب الأول للرئيس محمد رضا عارف، وجّه ضربة إلى أساس وزارة الجهاد الزراعي المهمة، وأوضحت أن هذا القرار أُعلِن في وقتٍ أعلن فيه وزير الجهاد الزراعي أن ما ورد في هذا القرار لم يُعَدّ إطلاقا بالتنسيق مع الوزارة.

وأضافت أن رئيس منظمة الإدارة والتوظيف ومعاونيه أشاروا بفخر إلى صدور القرار، واعتبروه نتيجة تسعة أشهر من العمل الفني، مؤكدين شكرهم على التعاون والتنسيق الكامل مع وزير الجهاد الزراعي ومعاونيه.

 وأكدت أن هذه التصريحات والتناقضات الحادة تُظهر غياب العمل الفني وعدم وجود التنسيق، وبالنظر إلى ما ورد في هذا القرار وإشكالاته الجوهرية يبدو أنه غير قابل للتنفيذ.

وتابعت أن الأساس القانوني لإصلاح الهيكلية ورد في المادة 105 من الخطة السابعة للتقدم الوطني، التي نصّت على أنه من أجل تعزيز كفاءة النظام الإداري، وخفض النفقات الجارية، وجعل الجهاز الحكومي أكثر مرونة وذكاء ومنطقيا ومتناسبا مع دوره في رسم السياسات والتنظيم وتقليص التدخل التنفيذي، ينبغي القيام بالإجراءات التالية:

وأشارت إلى أن البند (أ) من المادة يلزم الأجهزة التنفيذية بإعادة تصميم هيكلياتها التنظيمية بما يراعي البنود المذكورة، وأن تقدّمها إلى منظمة الإدارة والتوظيف لاعتمادها بحلول نهاية السنة الثالثة من الخطة، بحيث تُخفّض سنويا ما لا يقل عن 5% من الوحدات التنظيمية. 

وأضافت أن المنظمة ملزمة بتقديم تقرير الأداء الخاص بتنفيذ هذا البند بشكل فصلي إلى رئيس الجمهورية والبرلمان، كما جاء في الجزء الأول من المادة أن المنظمة مُلزمة، بحلول نهاية السنة الأولى من الخطة، بتحديد الأنشطة والمهام الخارجة عن المهام الجوهرية للأجهزة التنفيذية، إضافة إلى البُنى الموازية وغير الضرورية، واقتراح حذفها لعرضها على المجلس الأعلى للإدارة لاعتمادها.

ذكرت الصحيفة أن المجلس الأعلى للإدارة مُلزم بالتصويت على البنود المُحالة إليه خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر، وتقديم تقرير أدائه إلى البرلمان، مؤكدة أن تخصيص أي ميزانية للأنشطة والمهام الخارجة عن صلاحيات الأجهزة التنفيذية أو للبُنى الموازية وغير الضرورية أمر محظور.

 وأوضحت أن التنفيذ الدقيق لهذه المادة القانونية يتطلب عقد جلسات خبراء تفصيلية وتقديم مقترحات مدروسة تضمن عدم الإضرار بعمل الوزارة وأجهزتها التابعة.

Image

بنود القرار

وذكرت الصحيفة أن بنود القرار المبلَّغ بشأن إصلاح هيكلية وزارة الجهاد الزراعي تنصّ على أن شركات مساهمة الهندسة المائية والترابية الوطنية، وشركة الزراعة والصناعة وتربية المواشي “مغان”، و”سفيد رود”، والشركات الزراعية، والشركة القابضة للخدمات الزراعية، وصندوق التأمين الزراعي، وشركة الطيران للخدمات الخاصة، التي كان لها دور أساسي في تحقيق الأمن الغذائي وتاريخ طويل في استكمال سلاسل الإنتاج، سيتم نقلها إلى القطاع غير الحكومي.

وتابعت أن شركة الخدمات الداعمة وشركة دعم شؤون المواشي، اللتين تضطلعان بدور رئيسي في توفير مستلزمات الإنتاج، سيتم دمجهما في الوحدات الإدارية المركزية، ما يفقدهما عمليا هويتهما كشركات. 

وأضافت أنه وفق المادة الخامسة من هذا القرار، يتعيّن دمج الوحدات الإقليمية والمحلية وكذلك المؤسسات والشركات التابعة بشكل كامل، وهو ما سيؤدي عمليا، بالنظر إلى طبيعة عمل وزارة الجهاد الزراعي وأجهزتها التابعة، إلى عرقلة الخدمات المقدَّمة للمزارعين.

وأشارت الصحيفة إلى أن كثيرا من صلاحيات منظمة الموارد الطبيعية وإدارة مستجمعات المياه ستُنقل إلى منظمة البيئة، كما أن الشركة القابضة للتجارة الإيرانية، التي تؤدي أدوارا مهمة للغاية، ستُنقل إلى القطاع غير الحكومي وفق القرار الأخير، وذكرت أن منظمة شؤون العشائر الإيرانية، التي تُعنى بتقديم الخدمات للعشائر، ستُحوَّل إلى وحدة إدارية صغيرة داخل منظمات الجهاد الزراعي، ما يعني عمليا فقدان هويتها.

وتابعت الصحيفة بتأكيد أن وزارة الجهاد الزراعي، بحكم طبيعة عملها ومهامها وامتداد حضورها في المراكز الريفية، تؤدي دورا فريدا في تحقيق الأمن الغذائي وخدمة المزارعين وتنظيم سوق المنتجات الزراعية، لكن مع تطبيق الهيكلية الجديدة الواردة في وثيقة إصلاح الوزارة ستفقد كل هذه الوظائف الأساسية.

Image

قرن من الإنجازات مهدد بالضياع

ذكرت الصحيفة أن القرار المبلَّغ يتعارض مع العديد من القوانين والوثائق العليا في البلاد، مثل قانون تأسيس وزارة الجهاد الزراعي، وقانون التوزيع العادل للمياه، ومحتوى البند (ب) من المادة 105 في الخطة الخمسية للتقدم الوطني، وقانون إدارة الخدمات الحكومية، والبند 11 من الأصل الثالث، والبند 9 من الأصل 43 في الدستور، والمادة 33 من الخطة السابعة للتنمية التي تؤكد على تحقيق 90% من الاكتفاء الذاتي في المنتجات الزراعية الأساسية، إلى جانب وثائق الاقتصاد القائم على المعرفة والأمن الغذائي في البلاد، فضلا عن أنظمة المنظمات والشركات. 

وأوضحت أن القرار بدا كأنه صيغ على عجل من دون الالتفات حتى إلى القوانين الصريحة في البلاد، وأضافت الصحيفة أن من بين المؤسسات التي ستشهد تغييرات جذرية تحت مظلة وزارة الجهاد الزراعي، تبرز منظمة الموارد الطبيعية وإدارة مستجمعات المياه، الأمر الذي أثار قلقا واسعا لدى الناشطين في هذا المجال وأساتذة الجامعات والمتخصصين.

 وأشارت إلى أن هذه المنظمة، التي تمتلك تاريخا يتجاوز قرنا من النشاط المستمر، أدّت دورا لا نظير له في حماية الموارد الطبيعية للبلاد وإحيائها وتطويرها والاستغلال المستدام لها، بما يشمل المراعي والغابات والصحارى والتربة والمياه.

وتابعت الصحيفة أن المنظمة حققت خلال مسيرتها إنجازات محورية عدة، من بينها تنفيذ مشاريع واسعة في مجال إدارة مستجمعات المياه والتغذية الاصطناعية للمياه الجوفية في أكثر من 30 مليون هكتار من أحواض المياه، وإحياء وتحسين المراعي في أكثر من 25 مليون هكتار من أراضي المراعي الوطنية، إلى جانب مكافحة التصحر والتوسع في التشجير، وحماية الموارد الجينية والتنوع البيولوجي.

تعارض صريح مع الدستور 

ذكرت الصحيفة أن القرار المبلَّغ بشأن منظمة الموارد الطبيعية وإدارة مستجمعات المياه يتعارض بشكل صريح مع عدد من مبادئ الدستور الإيراني، ولا سيما المادتين 45 و50، إضافة إلى المبادئ المتعلقة بحماية البيئة والموارد الطبيعية والحقوق العامة.

 فضلا عن قوانين متقدمة مثل “قانون تأميم الغابات والمراعي لعام 1962″، و”قانون حماية واستغلال الغابات والمراعي لعام 1967 وتعديلاته اللاحقة”، و”قانون زيادة كفاءة قطاع الزراعة والموارد الطبيعية لعام 2010″، إلى جانب القوانين الأخرى الداعمة للموارد الوطنية.

وأضافت أن حلّ منظمة ذات مهام منصوص عليها في القانون، من دون المرور بالإجراءات القانونية الواضحة والمستندة، يُعدّ إشكالا قانونيا خطيرا. وأوضحت أن المادة 45 من الدستور تنصّ بوضوح على أن حماية الموارد الطبيعية والبيئة تقع ضمن صلاحيات القيادة وتستلزم التنسيق مع مجمع تشخيص مصلحة النظام، وأن خطوة المجلس الأعلى للإدارة خارج هذا الإطار تُلحق ضررا بهذا الأصل.

 كما أن المادة 50 من الدستور تعتبر حماية البيئة واجبا عاما يحظر أي تخريب لها، وبالتالي فإن حلّ الجهة المسؤولة عن حماية الموارد الطبيعية، التي تُكلّف أساسا بتنفيذ هذا المبدأ، سيؤدي عمليا إلى تعطيل تنفيذه ويجعل البلاد أكثر عرضة للتدمير البيئي.

وتابعت أن أي تغييرات هيكلية في المؤسسات الحكومية، خصوصا تلك ذات المهام المتخصصة والحساسة مثل منظمة الموارد الطبيعية وإدارة مستجمعات المياه، يجب أن تُنفذ بدقة وبعد مراجعة تجارب الماضي.

 وأشارت إلى أن الشواهد أثبتت أن بعض عمليات الدمج التي نُفذت من دون دراسة كافية ومن دون مراعاة كل الأبعاد لم تؤدِّ إلى رفع الكفاءة، بل أفضت إلى ارتباك إداري، وتداخل في المهام، وتراجع في الإنتاجية.

وذكرت الصحيفة أن حلّ وإعادة هيكلة هذه المنظمة، من دون مراجعة دقيقة لهذه التجارب، قد يفتح المجال لتكرار المشكلات على المستوى الوطني، إذ يمكن أن يؤدي القرار إلى إضعاف حوكمة الأراضي بشكل حاد، وتفكك اللحمة الوطنية، وزيادة النزاعات بين القطاعات، وإضعاف الرقابة، وفي نهاية المطاف إلى تفاقم تدهور الموارد الطبيعية والبيئة.

وتابعت الصحيفة بتأكيد أن نجاح هذه التغييرات يتوقف بشكل كبير على إيجاد آليات قوية وفعالة للتنسيق بين مختلف المؤسسات (البيئة، الجهاد الزراعي، المحافظات والقطاع الخاص)، وسنّ قوانين جديدة وشفافة، وتعزيز الرقابة على الأداء التنفيذي في مختلف المستويات، ومن دون هذه الضمانات، فإن المخاوف من “انهيار حوكمة الأراضي” تبقى مبررة وجدية للغاية.

دعوات برلمانية لإلغاء القرار 

ذكرت الصحيفة أنه من الضروري، في ضوء البنود المطروحة، أن تبادر هيئة مطابقة القوانين في البرلمان الإيراني ولجنة الزراعة في المجلس إلى التدخل السريع في هذه القضية، والمطالبة من الرئيس المحترم بإلغاء هذا القرار وضرورة إعادة النظر مجددا في هيكلية وزارة الجهاد الزراعي، وذلك تجنبا لظهور مشكلات وتحديات أساسية في مجال تأمين الأمن الغذائي.

أسعار المواشي واللحوم

ذكرت الصحيفة أن اللحوم الحمراء ما تزال تحتل موقعا أساسيا في سلة استهلاك الأسر الإيرانية، فهي باعتبارها أثمن مصدر للبروتين الحيواني والنباتي، غنية بالأحماض الأمينية الضرورية التي لا تتوافر في اللحوم البيضاء، وأضافت أن احتواءها على الحديد يجعلها غذاء لا بديل عنه للفئات الحساسة مثل الأطفال والنساء والشباب.

وتابعت أن وضع إنتاج واستهلاك اللحوم الحمراء في إيران يكتنفه الغموض، إذ تشير إحصاءات رسمية متباينة إلى أن معاون شؤون الثروة الحيوانية أعلن حجم الإنتاج بأكثر من 900 ألف طن، بينما سجّلت تقارير المسالخ الرسمية حتى نهاية عام 2024، رقما لا يتجاوز 403 آلاف طن، وهو رقم لا يشمل الذبح غير الرسمي في المدن والقرى وحتى الذبح المنزلي، وأوضحت أن التقديرات غير الرسمية تشير إلى استهلاك فردي يتراوح بين 9 و12 كيلوغراما سنويا، إلا أن الاستهلاك تراجع في السنوات الأخيرة بفعل ارتفاع كلفة الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية، خصوصا بعد تعديل سعر الصرف التفضيلي من 4200 إلى 11200 تومان.

وأضافت الصحيفة أن سوق اللحوم الحمراء يروي قصة أكثر تعقيدا، فأسعار اللحوم لا تتبع أسعار المواشي الحية كما هو متوقع، بل تسلك منحى تصاعديا مستمرا. ففي حين انخفضت أسعار الحملان الذكور في الأشهر الأخيرة من 320–330 ألف تومان إلى 280–290 ألف تومان، ظلّت أسعار اللحوم في السوق مرتفعة، وهي ظاهرة تكررت العام الماضي أيضا.

وأوضحت أن الخبراء يعزون هذا التناقض إلى عدة عوامل، من بينها نقص وغلاء الأعلاف في السوق السوداء، والجفاف الذي أدى إلى طرح كميات كبيرة من المواشي في السوق، هذه العوامل تسببت في انخفاض أسعار المواشي وارتفاع تكاليف الإنتاج في الوقت ذاته، وتوقعت أن يؤدي تراجع أعداد المواشي على المدى القصير إلى احتمال ارتفاع أسعار المواشي الحية، غير أن أسعار اللحوم ستواصل مسارها الصعودي.

وذكرت أن منتجي اللحوم الحمراء يواجهون جدارا من المعوقات الهيكلية والسياساتية، بدءا من السياسات الحكومية الخاطئة، مرورا بنفوذ شبكات مافيوية في التوزيع، وصولا إلى مشكلات العملة، ونقص الأعلاف، وضعف كفاءة نظام “بازارگاه”، إضافة إلى القيود المصرفية وملكية المراعي.

 وأشارت إلى أن التضخم المتسارع وارتفاع تكاليف الإنتاج، إلى جانب حظر تصدير المواشي الحية وعدم قدرة المربين على بيع اللحوم مباشرة، جعلت الأوضاع أكثر صعوبة، فيما ساهم تراجع القدرة الشرائية في إضعاف الحافز على تحسين الإنتاجية، ولا سيما في قطاع المواشي الصغيرة.

وختمت الصحيفة بأن الخبراء يرون أن تحسين الأوضاع يتطلب إجراءات عاجلة وأخرى متوسطة الأمد؛ ففي المدى القصير يمكن لتنظيم توزيع الأعلاف، وتقديم الدعم المصرفي، وتمكين المنتجين من البيع المباشر أن يخفف بعض المشكلات، بينما ينبغي على المدى المتوسط إصلاح هيكلية التوزيع، وتعزيز القوانين الداعمة، ومراجعة السياسات النقدية والمالية، وإلا فإن الأسعار ستواصل ارتفاعها، ما يزيد الضغط على المستهلكين والمنتجين في آن واحد.