إيران بين الرقمنة والتقادم الصناعي.. سباق مع الزمن لتعزيز القدرة التنافسية

نشرت صحيفة رسالت الإيرانية، الثلاثاء 9 سبتمبر/أيلول 2025، في تقرير لها، أن استمرار اعتماد إيران على المصانع المتقادمة وغياب خطط شاملة للتحديث الصناعي يشكّل خطرا مباشرا على قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية، في ظل تسارع دول الجوار نحو تبني الرقمنة والأتمتة الصناعية، وأكدت أن تحديث هذا القطاع لم يعد خيارا بل ضرورة ملحّة لضمان النمو المستدام وتعزيز موقع إيران في الساحة الإقليمية والدولية.

التقادم الصناعي يهدد القدرة التنافسية لإيران

ذكرت صحيفة “رسالت” أن الصناعة تُعدّ العمود الفقري لاقتصاد كل دولة، ومن دون ديناميكية وتجديد في هذا القطاع، لن يكون تحقيق النمو المستدام والقدرة على المنافسة في الأسواق العالمية ممكنا. 

وأوضحت أن الأسواق الدولية اليوم دخلت أكثر من أي وقت مضى، عصرا صناعيا جديدا، يُعرَّف بمفاهيم مثل الرقمنة، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وإنترنت الأشياء، والأتمتة، ومن البديهي أن الدول التي تتخلف في هذا المجال، لن تفقد فقط فرصها التصديرية، بل قد تواجه تحديات حتى في تلبية احتياجاتها الداخلية.

وتابعت أن إيران، بفضل امتلاكها قدرات بشرية ومعدنية وطاقوية وجغرافية هائلة، يمكنها أن تصبح أكثر فأكثر أحد أبرز اللاعبين الإقليميين في مجال الإنتاج والتصدير الصناعي، غير أن تقادم المصانع، وانخفاض الإنتاجية، وغياب التخطيط الشامل للتحديث، يشكّل أحيانا عائقا أمام هذا الهدف. 

وأضافت أن الحاجة تفرض اليوم على الحكومة والقطاع الخاص أن يضعا على جدول أعمالهما التخطيط لإعادة إحياء الصناعات بالاعتماد على التقنيات الحديثة وتوظيف الذكاء في خطوط الإنتاج، إذ إن غياب مثل هذه الخطوة سيُبقي الاقتصاد عالقا في تكرار المشكلات المزمنة.

 وأشارت إلى أن الإحصاءات الرسمية تظهر أن متوسط عمر الآلات الصناعية في إيران يزيد على 20 عاما، فيما يعود جزء من التجهيزات في بعض الصناعات الأساسية مثل الفولاذ والبتروكيماويات والنسيج إلى عقود الستينيات والسبعينيات.

وأوضحت الصحيفة أن هذا التقادم أدّى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وانخفاض كفاءة استهلاك الطاقة، وتراجع جودة المنتجات، وفي النهاية تقليص القدرة التنافسية مع نظراء المنطقة.

 وأضافت أن الدول المجاورة اتجهت بسرعة نحو اعتماد خطوط إنتاج رقمية وروبوتية، بينما لا تزال العديد من الوحدات الصناعية الإيرانية تعمل بالأساليب التقليدية. 

وأشارت إلى أن هذا الوضع، كما سبق ذكره، يحدث في وقتٍ تشهد فيه الأسواق العالمية منافسة شديدة، حيث لا يقبل المشترون في الغالب إلا المنتجات التي تتمتع بالمعايير النوعية والبيئية وسعر التكلفة المناسب.

وتابعت الصحيفة أن الرقمنة الصناعية تعني استخدام التقنيات الحديثة للتحكم الذكي بخطوط الإنتاج، وإدارة البيانات، وتقليل الأخطاء البشرية، وزيادة الكفاءة.

 وأضافت أن الأتمتة الصناعية، عبر إحلال العمليات اليدوية بالأنظمة الميكانيكية، تعزّز سرعة ودقة الإنتاج وتخفض التكاليف بشكل ملحوظ. وأكدت أن الدول التي سلكت مسار الرقمنة الصناعية استطاعت أن تحقق قفزة كبرى في صادراتها وحصتها من السوق العالمية، ولفتت إلى أن تركيا، على سبيل المثال، نجحت من خلال استثمارات واسعة في خطوط النسيج الذكية وصناعة الأجهزة المنزلية في تثبيت موقعها في السوق الأوروبية، فيما تحولت الصين عبر إطلاق مصانع ذكية إلى أكبر مصدر في العالم.

وتابعت الصحيفة بالقول إن إيران أيضا، لكي تتمكن من المنافسة في مثل هذا الفضاء، لا بد أن تستفيد على وجه السرعة من إمكانات الشركات المعرفية، والمراكز البحثية، وكفاءات المهندسين المحليين، وأن تضع بجدية مسار رقمنة الصناعات وتحديثها على جدول أعمالها.

Image

ترابط الصناعة والشركات المعرفية

ذكرت الصحيفة أن إحدى الطاقات القيّمة المتاحة أمام البلاد في هذا المسار تتمثل في التوسع الملحوظ للشركات المعرفية خلال السنوات الأخيرة. وأوضحت أن هذه الشركات، بفضل اعتمادها على الكوادر الشابة والمتخصصة، تملك القدرة على تصميم وبناء البرمجيات والمعدات والأنظمة الذكية للتحكم، غير أن حلقة الوصل بين هذه الإمكانات والصناعات التقليدية في البلاد ما زالت ضعيفة.

 وأضافت أن الحكومة مطالبة بإنشاء آلية تُلزم الصناعات الكبرى بالتعاون مع الشركات المعرفية في عملية التحديث، وهو تعاون يمكن أن يتم من خلال عقود بحثية، أو استثمارات مشتركة، أو إنشاء مراكز ابتكار صناعي، وتابعت أن مثل هذا النموذج لا يقلل فقط من تكاليف التحديث، بل يحد أيضا من اعتماد الصناعات المحلية على استيراد التكنولوجيا الأجنبية.

Image

العقبات أمام تحديث الصناعات

 أشارت الصحيفة إلى أن رغم وضوح ضرورة التحديث، ثمة عقبات رئيسية تقف حائلا أمام تحقيق هذا الهدف، مثل نقص الاستثمارات والتسهيلات المصرفية، والأنظمة البيروقراطية المعقدة، وضعف التدريب وبناء المهارات، وهو ما سيتم التطرق إليه في بقية التقرير.

وأضافت أن نقص الاستثمارات والتسهيلات المصرفية يشكّل أحد أبرز المعوقات، إذ إن العديد من الصناعات الصغيرة والمتوسطة تفتقر إلى القدرة المالية لشراء المعدات الحديثة أو تطوير خطوط الإنتاج، فيما يسعى النظام المصرفي، بدلا من دعم الإنتاج، غالبا إلى الاستثمار في الأسواق الطفيلية. 

وأوضحت أن الأنظمة البيروقراطية المعقدة بدورها تجعل عملية استيراد الآلات أو نقل التكنولوجيا في البلاد بالغة الصعوبة، وهو ما يدفع العديد من الصناعات إلى العدول عن مشاريع التحديث. 

كما أشارت إلى أن ضعف التدريب والمهارات يمثل عقبة أخرى، إذ إن القوى العاملة الماهرة الكافية لاستخدام التقنيات الحديثة غير متوافرة بالقدر المطلوب، مما يفرض تطوير مراكز التعليم المهني والتقني والجامعي لإعداد مختصين في مجالات الروبوتات والذكاء الاصطناعي والرقمنة.

وتابعت الصحيفة قائلة إنه على الرغم من هذه التحديات، فإن إيران تملك فرصا فريدة للوجود الفعّال في السوق العالمية، شرط أن تعمل على تحديث صناعاتها وتعزيز تنافسيتها. وأكدت أن من أبرز هذه الفرص ما يلي:

  • الطاقة والموارد الغنية: إذ تُعد إيران من أكبر مالكي احتياطيات النفط والغاز، وإذا جرى توظيف هذا الامتياز إلى جانب الصناعات المتطورة، فإنه سيعزز القدرة التنافسية للبلاد في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الفولاذ والبتروكيماويات.
  • السوق الإقليمية الواسعة: حيث تستورد الدول المجاورة مليارات الدولارات من المنتجات الصناعية سنويا، والمشاركة النشطة في هذه الأسواق تتطلب تقديم منتجات عالية الجودة وبأسعار تنافسية، وهو أمر لا يتحقق إلا من خلال الرقمنة.
  • القوى العاملة الشابة والمتعلمة: إذ إن وجود جيل شاب يمتلك اختصاصات في الهندسة وتكنولوجيا المعلومات يُعد رصيدا مهما لتطوير الصناعات الحديثة.

نموذج ناجح

ذكرت الصحيفة أن بعض الصناعات الغذائية في إيران استطاعت خلال السنوات الأخيرة، من خلال دخولها مجال الرقمنة، أن تعزز موقعها في السوقين الداخلية والتصديرية.

 وأوضحت أن استخدام الأنظمة الذكية في مراقبة الجودة، والتعبئة الميكانيكية، وإدارة سلاسل التوريد، أسهم في زيادة ثقة العملاء ونمو صادرات هذه الصناعات، وأضافت أن هذه التجربة أثبتت أن التوجه نحو التقنيات الحديثة ليس شعارا بل حقيقة عملية مثمرة.

وتابعت الصحيفة أن تنفيذ مشروع وطني لتحديث الصناعات يتطلب من الحكومة اتخاذ عدة خطوات أساسية، من بينها إنشاء صندوق خاص لتحديث الصناعات يركّز على منح قروض طويلة الأجل وبفائدة منخفضة للوحدات الصناعية، وإصلاح القوانين واللوائح بحيث يتم استيراد الآلات والمعدات التكنولوجية بأدنى قدر من البيروقراطية، وتشجيع الصناعات على التعاون مع الشركات المعرفية عبر حوافز ضريبية ودعمية. 

وأشارت أيضا إلى أن اعتماد دبلوماسية اقتصادية نشطة لنقل التكنولوجيا وجذب الاستثمارات الأجنبية في المشاريع الصناعية، إلى جانب إطلاق برنامج وطني للتدريب المهني لإعداد قوى عاملة تتناسب مع متطلبات الصناعات الرقمية، يُعد من الضرورات الملحّة.

كلمة أخيرة

وفي فقرة ختامية خلصت الصحيفة إلى القول إن ضرورة استخدام التقنيات الحديثة وتحديث الصناعة في إيران باتت أوضح من أي وقت مضى

وأضافت أن الاعتماد على الأساليب التقليدية والمصانع المتقادمة لم يعد قادرا على تلبية احتياجات المجتمع المتزايدة ولا متطلبات الحضور في المنافسات العالمية، وأكدت أن تجارب الدول المتقدمة بل وحتى بعض الدول الناشئة أثبتت أن الرقمنة، والأتمتة، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة، ليست خيارا بل شرطا لاستمرار الازدهار والتقدم الاقتصادي.

وأوضحت الصحيفة أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بما تمتلكه من طاقات بشرية واسعة، وموارد طبيعية غنية، وسوق داخلية قوية، تملك القدرة على تمهيد طريق تحديث صناعاتها عبر إرادة جادة وتخطيط منظم.

 وتابعت أن تحقيق ذلك يتطلب اهتماما خاصا من المسؤولين، وإزالة العقبات البنيوية، ودعم الاستثمارات المحلية والأجنبية في قطاع الصناعة.

وختمت الصحيفة بالتأكيد أن السياسات الدقيقة، والابتعاد عن الإدارة اليومية، مع مراقبة مستمرة لأداء المؤسسات، يمكن أن تشكل الأساس لتحقيق الأهداف الكبرى للبلاد في مجال الإنتاج وريادة الأعمال.

 وأكدت أن الانتقال إلى اقتصاد قائم على المعرفة وتبني التكنولوجيا الصناعية الحديثة لا يمثل فقط سبيلا لزيادة الكفاءة وخفض التكاليف، بل هو أيضا خطوة أساسية في تحقيق شعار العام، ودعم الإنتاج المحلي، وتعزيز الصادرات غير النفطية.

 وأضافت أن ازدهار المستقبل الاقتصادي مرهون بقدرة الصناعات الوطنية على الظهور بقوة في ساحة المنافسة العالمية، وهو أمر لن يتحقق إلا من خلال التحديث، والرقمنة، والاعتماد على الروبوتات والأنظمة الميكانيكية بدلا من العمل اليدوي.