- زاد إيران - المحرر
- 390 Views
نشرت وكالة أنباء “تسنيم“، الاثنين 8 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا موسعا تناولت فيه خطة الحكومة لتوزيع البطاقات التموينية الإلكترونية شهريا على سبعة شرائح من المجتمع، موضحةً أن هذه السياسة التي يُفترض أن تخفّف أعباء المعيشة قد تتطلب أكثر من 5.3 مليار دولار سنويا، أي ما يعادل نصف الميزانية العمرانية للبلاد.
بطاقات تموينية إلكترونية
ذكرت الوكالة أن الحكومة أعلنت في أحدث وعودها أنها ستخصص ابتداء من الآن بطاقات تموينية إلكترونية لسبعة شرائح من المجتمع بشكل شهري؛ وهو إجراء قال الرئيس الإيراني إنه يهدف إلى “زيادة تحسين مستوى المعيشة وتقليل تكاليف معيشة المواطنين”.
وتابعت أن الدراسات تُظهر أنّ الموارد المالية اللازمة لاستمرار هذه السياسة لم تتضح بعد، والسؤال الجوهري المطروح هو: كيف تعتزم الحكومة تخصيص أكثر من 27 ألف مليار تومان شهريا لهذه البطاقات التموينية؟

صرف البطاقات التموينية
ذكرت الوكالة أن الرئيس الإيراني أعلن يوم 9 سبتمبر/أيلول 2025 خلال لقائه مع المسؤولين الحكوميين بالقيادة العليا للثورة، عن برنامج الحكومة لتثبيت صرف البطاقات التموينية، قائلا: «نحن عازمون على أن تُمنح البطاقات التموينية للمواطنين بشكل شهري»، وأضاف أن هذه الآلية تهدف إلى خفض تكاليف المعيشة للفئات المتضررة وتحقيق تحسين في مستوى المعيشة.
وتابعت أن ثلاث مراحل من صرف البطاقات التموينية قد نُفّذت حتى الآن لسبعة شرائح من المجتمع، كما خُصِّص مبلغ 450 مليون دولار من قبل منظمة التخطيط والموازنة لشهر سبتمبر/أيلول من أجل تنفيذ المرحلة الرابعة. وأشارت إلى أن هذا المسار، إذا جرى تثبيته بشكل شهري، يعني تخصيص أكثر من 5.3 مليار دولار سنويا، وهو رقم يعادل تقريبا نصف الميزانية العمرانية للبلاد.
مصدر تمويل المشروع
ذكرت الوكالة أن السؤال الأساسي المطروح يتمثل في مصدر تمويل هذا المشروع.
وأوضحت أن الحكومة تدفع حاليا لما يقارب تسعة شرائح من المجتمع حوالي 500 مليون دولار شهريا كدعم نقدي.
ومن هذا المنظور، يُطرح أحد السيناريوهات القائلة بضرورة تطبيق الفلسفة الأولية للبطاقات التموينية، بحيث تُخصّص موارد الدعم النقدي، بدلا من دفعها بشكل مباشر، لشراء السلع الأساسية بأسعار ثابتة، وبيّنت أن هذا السيناريو يبدو منطقيا من الناحية المالية، لأن حجم الدعم النقدي يكاد يساوي تكلفة كل مرحلة من البطاقات التموينية.
وأضافت أن الحكومة لم تتخذ مثل هذا القرار حتى الآن، إذ يجري دفع الدعم النقدي والبطاقات التموينية بشكل متزامن، ما ألقى بعبء مالي مضاعف على الموازنة العامة من دون تحديد مصادر تمويل مستقرة له.
وتابعت أن منظمة التخطيط والموازنة كانت قد أعلنت في الأشهر الماضية أن أحد مصادر تمويل البطاقات التموينية سيكون العائدات المتأتية من الرسوم الجمركية والضرائب على إدخال سيارات الإيرانيين المقيمين في الخارج، بل وقد صدر التعميم المتعلق بهذا الموضوع.
غير أن التقديرات تشير إلى أن إجمالي إيرادات الحكومة من واردات السيارات خلال العام الجاري لن يتجاوز 5 آلاف مليار تومان، وهو مبلغ أدنى بكثير من احتياجات الخطة الفعلية.
وبيّنت أن الاعتماد الحصري على مثل هذه الموارد لا يمكن أن يغطي العبء المالي الشهري البالغ أكثر من 83 مليون دولار، وأكدت أن هذا الفارق الجدي بين وعود الحكومة وقدرتها الإيرادية دفع الخبراء إلى التحذير من هشاشة هذه السياسة وعدم استدامتها.
قرار البرلمان الإيراني
ذكرت الوكالة أن الفلسفة الأولية للبطاقات التموينية وُضعت في عام 2022 عندما قررت الحكومة والبرلمان إلغاء العملة التفضيلية البالغة 1.0 دولار، وكان الهدف من هذا المشروع أن تُوجَّه الموارد مباشرة إلى المواطنين بدلا من دفع الدعم للمستوردين، بحيث تبقى أسعار ما لا يقل عن عشرة أصناف من السلع الأساسية ثابتة بالنسبة للأسر.
وأضافت أن ما يُعرف اليوم باسم «بطاقة الحكومة التموينية» لا يمتّ بصلة تقريبا إلى تلك الفلسفة الأصلية؛ إذ لم يعد المواطنون يشترون السلع بأسعار ثابتة، بل يحصلون فقط على رصيد مالي جديد يُنفق وفق أسعار السوق الجارية، وهذا يعني أن البطاقة التموينية الحكومية ليست سوى «دعما مضاعفا» لا يترك أثرا حقيقيا في تثبيت المعيشة أو كبح التضخم.
وتابعت أن البرلمان الإيراني حذّر مرارا من هذا الانحراف عن الفلسفة الأساسية، وأشارت إلى أن محمد باقر قاليباف، رئيس المجلس، شدّد مجددا أمس قائلا: «الحلّ قائم وواضح، وهو أيضا موضع تأكيد رئيس الجمهورية، ويتمثل في تطبيق البطاقات التموينية بحيث تبقى أسعار السلع للمستهلك ثابتة على مدار العام».
وبيّنت أن الفقرة (ت) من البند 13 في قانون موازنة عام 2025ألزمت الحكومة صراحة بتمكين الراغبين من تحويل الدعم النقدي إلى بطاقة تموينية، وهذا الحكم القانوني يدل على أن إرادة البرلمان ما زالت متمسكة بتنفيذ الفلسفة الأصلية، لا دفع دعم جديد تحت غطاء البطاقات التموينية.
وأشارت الصحيفة إلى أنه إذا أرادت الحكومة تنفيذ وعدها بصرف بطاقات تموينية شهرية، فهي بحاجة إلى ما لا يقل عن 5.3 مليار دولار سنويا، في وقت تعاني فيه الموازنة العامة من عجز هيكلي، ولا تتوافر موارد مستقرة تكفي لتغطية هذه السياسة.
ثلاثة فرضيات أمام الحكومة
وذكرت الوكالة أن الخبراء يطرحون ثلاثة سيناريوهات أساسية أمام الحكومة:
- الاستمرار بالنموذج الحالي؛ أي دفع الدعم النقدي والبطاقات التموينية الريالية معا، وهو ما يعني تكلفة مضاعفة وعجزا أكبر في الموازنة.
- الاستعاضة الكاملة عن الدعم النقدي بالبطاقة التموينية الحقيقية؛ أي العودة إلى الفلسفة الأصلية وتثبيت أسعار ما لا يقل عن عشرة أصناف من السلع الأساسية.
- مزيج من النموذجين؛ دفع جزء نقدا وجزء عبر البطاقة التموينية، مع التركيز على الشرائح الأدنى دخلا.
وأوضحت أن الحكومة، في إطار نموذج الدعم المزدوج (النقدي والبطاقة التموينية)، تستطيع إلى جانب تحسين إدارة معيشة الأسر أن تضع خططا للاستفادة من الموارد الناتجة عن حذف الشريحتين الثامنة والتاسعة من المستفيدين.
وتشير التقديرات إلى أن هذا الإجراء يوفّر نحو 83 مليون دولار شهريا، وهي موارد يمكن توجيهها لتعزيز تنفيذ البطاقة التموينية الإلكترونية، وتوسيع تغطية الشرائح الدنيا، بل ودعم السياسات الاجتماعية المكمّلة.
وأضافت أن الحكومة كانت قد وعدت بتوفير البطاقة التموينية الإلكترونية بشكل شهري لسبعة شرائح، لكنها لم تقدّم بعد إجابة واضحة على السؤال الأساسي: «من أين سيتم تأمين الموارد المالية لهذا المشروع؟». فالموارد المتاحة حاليا لا تكفي إلا لمرحلة أو مرحلتين على الأكثر، والإصرار على استمرار هذا النهج من دون إصلاح هيكلي قد يفرض عبئا ماليا ثقيلا على الموازنة الوطنية.
وبيّنت أن العودة إلى الفلسفة الأصلية للبطاقات التموينية وتنفيذ أحكام الفقرة 13 من موازنة عام 2025 ربما يكونان السبيل الوحيد لتفادي العجز المالي وضمان الأمن الغذائي للفئات الضعيفة، وإلا فإن الوعد بتوزيع البطاقة التموينية شهريا، بدلا من أن يفضي إلى تعزيز تحسين المعيشة، سيتحوّل إلى أزمة مالية جديدة للحكومة والاقتصاد الإيراني.

