- زاد إيران - المحرر
- 482 Views
كتبت: سارة بوشز، وماثيو ليفيت
نشر “معهد واشنطن” مقالا تحليليا حول ملامح حرب الظل المتصاعدة بين إيران وإسرائيل، حيث تكثف طهران جهودها لتجنيد إسرائيليين في مهام تجسس وتخريب، مقابل نجاحات إسرائيلية لافتة في اختراق العمق الإيراني، ويطرح كيف انتقلت المواجهة من ساحة الحرب المباشرة إلى معركة استخباراتية خفية تهدد الأمن الإسرائيلي على المدى البعيد.
تزايدت عمليات تجنيد طهران لإسرائيليين في مهام تتعلق بالمراقبة العسكرية والتخريب ومخططات الاغتيال وغيرها من العمليات، ما يبيّن كيف يستمر تطور الحرب الخفية بين الخصمين حتى بعد حربهما الساخنة الأخيرة.
وتجلى اختراق الاستخبارات الإسرائيلية لإيران بصورة دراماتيكية خلال حرب الأيام الاثني عشر الأخيرة، لكن إيران بدورها تدير حملة تجنيد وتجسس نشطة تستهدف إسرائيل. ورغم أن الحملتين الاستخباريتين لا تتكافآن من حيث الحجم أو النطاق أو مستوى النجاح، إلا أن جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي شعر بقلق كاف جعله، في أعقاب الحرب، يتعاون مع مديرية الدبلوماسية العامة الوطنية لإطلاق حملة إعلامية تحذّر الإسرائيليين من العمل كجواسيس لصالح إيران.
وخلال مجريات الحرب، تعاملت الاستخبارات الإسرائيلية مع إيران وكأنها ساحة خلفية مفتوحة، إذ جنّدت مصادر من المواطنين الإيرانيين ومن جنسيات دول مجاورة، وأدخلت عناصرها لجمع معلومات حول أكثر المنشآت النووية سرّية في البلاد، إضافة إلى العلماء والمسؤولين.
وقد مكّنت هذه الجهود من تنفيذ عمليات سرّية، شملت بناء أنظمة صواريخ وطائرات مسيّرة تُدار عن بُعد داخل عمق إيران، استُخدمت لضرب أهداف إيرانية من الداخل منذ الساعات الأولى لحرب الأيام الاثني عشر، كما ساعد مجنَّدون إيرانيون لصالح إسرائيل في تهريب “مركبات معدلة تقنيا” إلى داخل البلاد، استُخدمت لاستهداف مواقع الدفاع الجوي الإيراني وفتح الطريق أمام الطائرات الإسرائيلية لاختراق الأجواء الإيرانية.
وفي الأسابيع التي أعقبت انتهاء الحرب، شنّت السلطات الإيرانية حملة مطاردة داخلية واسعة، واعتقلت آلاف الأشخاص بحثا عن متعاونين مع إسرائيل، بل إن إيران أعدمت أحد علمائها النوويين متهمة إياه بالتجسس لصالح إسرائيل، واليوم تسعى طهران لقلب المعادلة عبر توسيع شبكتها من العناصر المجنَّدة في إسرائيل للعمل لصالحها.

اتضح الآن أن إسرائيل لم تكن وحدها من يجنّد المصادر والعناصر داخل إيران، بل إن طهران كانت تقوم بالشيء نفسه داخل إسرائيل، وإن كان ذلك على نطاق أضيق بكثير. فرغم أن محاولات إيران للتسلل ومراقبة أهداف داخل إسرائيل تعود إلى ما لا يقل عن عام 2013، فإن الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية رصدت منذ مطلع عام 2020 تصاعدا ملحوظا في جهود إيران لتجنيد مواطنين إسرائيليين وغير إسرائيليين للتجسس لصالحها.
وعلى خلاف اختراق إسرائيل لمفاصل حساسة في الأجهزة النووية والاستخباراتية الإيرانية، لا تزال محاولات إيران الاستخبارية في إسرائيل تدور على الهامش، عبر محاولات اختراق محدودة للمجتمع والاستخبارات الإسرائيليين، وغالبا ما تتخذ شكل تجنيد رقمي يستهدف إسرائيليين يواجهون ضائقة مالية.
في البداية، اقتصر تكليف إيران لمجندّيها على جمع معلومات أساسية حول مواقع القواعد العسكرية الإسرائيلية وقادة إسرائيل، إضافة إلى لصق لافتات معارضة للحكومة ورسم شعارات على الجدران في الأماكن العامة لإثارة الاضطرابات الداخلية. وقبيل اندلاع حرب الأيام الاثني عشر، تفاخر مسؤولون إيرانيون بأن شبكات التجسس التابعة للنظام داخل إسرائيل تمكنت من الحصول على وثائق حساسة تتعلق بالبرنامج النووي الإسرائيلي. وقال وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب إن “ملفات نووية كاملة تم الحصول عليها، إلى جانب وثائق تتعلق بعلاقات [إسرائيل] مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول أخرى، فضلا عن معلومات استخباراتية تعزز القدرات الهجومية لإيران”.
لكن ابتداء من منتصف عام 2024- ما بين الهجوم الإيراني بالصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل في أبريل/نيسان2024 والهجوم الصاروخي الباليستي في أكتوبر/تشرين الأول 2024- بدأ الإيرانيون يكلّفون مجنّديهم بمهام تتجاوز التجسس، لتشمل تنفيذ عمليات حرق متعمد، بل وحتى مخططات اغتيال تستهدف علماء إسرائيليين وصحفيين وقادة أمنيين وعسكريين وسياسيين بارزين.
وقد وصف مسؤولون إسرائيليون الزيادة في عدد هذه المخططات بأنها “غير مسبوقة”. وقال مفوض الشرطة الإسرائيلية ماور غورين: “لو عدنا إلى السنوات الماضية—بل العقود الماضية—لوجدنا أننا نستطيع عدّ عدد المعتقلين على خلفية هذه القضايا بأصابع اليد الواحدة”.
ورغم أن أيا من مخططات الاغتيال لم يُنفَّذ فعليا، فإأن السلطات الإسرائيلية أكدت أن بعضها اقترب كثيرا من التنفيذ وأُحبط في اللحظة الأخيرة، وعلى خلاف قضايا التجسس البحت التي تحتاج عادة إلى وقت طويل لتتطور، فإن بعض مخططات الاغتيال وُضعت بعد مرور تسعة أيام فقط على تجنيد العناصر.
وفي حالات أخرى، لم تكتشف السلطات الإسرائيلية خلية من أصول أذربيجانية كانت تنفّذ عمليات تجسس بشكل جماعي إلا بعد نحو عامين من نشاطها، حين انتقلت من مراقبة مواقع عسكرية إلى تتبّع أحد القادة العسكريين الإسرائيليين الكبار الذين طُلب منهم اغتياله.
وثّق “معهد واشنطن” عبر خريطة العمليات الخارجية الإيرانية- التي ترصد المخططات الإيرانية حول العالم- ما لا يقل عن 31 مخططا نفّذها إسرائيليون جُنّدوا لصالح إيران داخل إسرائيل. وقد شملت أنشطة هؤلاء المجندين كتابة شعارات على الجدران وإشعال حرائق في أنحاء مختلفة من البلاد، إلى جانب جمع معلومات أساسية عن القواعد العسكرية والمسؤولين الحكوميين والعلماء النوويين لإرسالها إلى مشغّليهم في إيران.
ومع ذلك، لم تؤدِّ محاولات إيران لتجنيد جواسيس إسرائيليين إلى أي عملية اغتيال ناجحة أو هجوم مباشر داخل إسرائيل. وتتم عمليات التجنيد أساسا عبر الإنترنت باستخدام “تلغرام” و”واتساب” ومنصات التواصل الاجتماعي، مع وجود بعض الحالات النادرة التي اقترب فيها عملاء إيرانيون من مجندين محتملين بشكل مباشر أثناء سفرهم إلى الخارج.
ويبدو أن جهود التجنيد تعتمد بدرجة كبيرة على الحوافز المالية، إضافة إلى استغلال الانقسامات الاجتماعية القائمة. ومن بين 31 حالة موثقة ارتكبها إسرائيليون، ارتبطت 20 حالة بنوع من التعويض المالي، غالبا عبر العملات الرقمية.

وفي 25 حالة من أصل 31، كان المنفذون الإسرائيليون يعرفون—أو على الأقل يشتبهون—بأنهم يعملون لصالح الإيرانيين، لكن كثيرين منهم برروا أفعالهم باعتبارها أقل من مستوى “التجسس الكامل”.
وتفاوتت المهام الموكلة إليهم بدرجة واسعة؛ فبعضهم اقتصر دوره على لصق الملصقات أو كتابة شعارات، في حين بدت أدوار آخرين هاوية أو غير متمرسة. لكن لم يكن جميع المجندين على هذا المستوى، إذ تورط عدد منهم في أنشطة أكثر خطورة، مثل جمع المعلومات الاستخبارية ومحاولات تجنيد آخرين—وأحيانا من داخل أسرهم—لتوسيع الشبكة.
ومن بين أبرز القضايا، قضية الأب والابن باسم و تحرير صفدي، من سكان قرية مسعدة الدرزية، اللذين اعتُقلا بتهمة التجسس لصالح “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني.
ووفقا للائحة الاتهام، كان تحرير يجمع معلومات عن تحركات الجيش الإسرائيلي في الجولان بناء على طلب والده، ثم يرسلها إلى حسام السلام توفيق زيدان، الصحفي في شبكة “العالم” الإيرانية الرسمية. ويُتهم زيدان—الذي كان يقيم في دمشق ويعمل مع قسم فلسطين في “فيلق القدس”—بأنه طلب من باسم وتحرير تصوير الجنود وتحركات الدبابات والمعدات وغيرها.
أما إحدى أخطر القضايا التي أحبطتها إسرائيل فتمثلت في مخطط اغتيال عام 2024 استهدف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، ورئيس الشاباك السابق رونين بار.
ويُزعم أن رجل الأعمال موتي ممان، الذي تربطه علاقات بتركيا وإيران، سافر مرتين إلى تركيا وإيران للقاء مسؤولين في الاستخبارات الإيرانية بهدف دفع هذه المخططات قدما.
كما يُتهم ممان بأنه كلِّف بترهيب مدنيين إسرائيليين يعملون لصالح إيران بعدما فشلوا في تنفيذ مهامهم، وبالبحث عن روس أو أميركيين يمكن تكليفهم باغتيال معارضين إيرانيين في الولايات المتحدة وأوروبا، فضلا عن محاولة تجنيد ضابط في الموساد ليعمل كعميل مزدوج.
وقبل مغادرته إيران في زيارته الثانية، تسلّم ممان 5000 يورو من مسؤولي الاستخبارات الإيرانية مقابل حضوره الاجتماعات. وبحسب الشاباك، فإن المسؤولين الإيرانيين نظروا إلى هذه المخططات على أنها أعمال ثأرية ردا على اغتيال زعيم “حماس” إسماعيل هنية.

بالمجمل، وثّق “معهد واشنطن” 39 مخططا إيرانيا معروفا في إسرائيل بين عامي 2013 و2025، تورط في 31 منها مواطنون إسرائيليون، فيما شملت بقية الحالات فلسطينيين أو مواطنين غير إسرائيليين. وقد ضمّت بعض هذه المخططات عدة منفذين، ما رفع العدد الإجمالي للمشاركين الإسرائيليين في هذه القضايا إلى أكثر من 45 شخصا.
ووفقا لمديرية الدبلوماسية العامة الوطنية، فقد قُدمت لوائح اتهام ضد 35 مواطنا إسرائيليا متورطين فيها، وتراوح أعمار المتهمين بين 13 و73 عاما، وكان أكثر من نصفهم من المراهقين أو في العشرينيات من العمر. وقد جاء المجندون من خلفيات متنوعة، بينهم ذوو أصول أذربيجانية أو من منطقة القوقاز، واستهدفت جهودهم الاستخبارية بنية الأمن الإسرائيلية وكذلك نقاط الضعف الاجتماعية الأوسع، بدءا من القبة الحديدية، والمسؤولين الحكوميين، وسوق “محانيه يهودا”، وقواعد الجيش، وصولا إلى العلماء النوويين والمنشآت والمراكز التجارية والمستشفيات.
ويعكس هذا التنوع في الأهداف سعي الاستخبارات الإيرانية إلى استغلال الحوافز المالية والأيديولوجية والشخصية لتعزيز نفوذها داخل إسرائيل.
ووصف وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب مخططات التجسس والتخريب في إسرائيل بأنها جزء أساسي من الحرب الأوسع التي تخوضها إيران ضد إسرائيل. وقال بعد شهر من انتهاء حرب الأيام الاثني عشر: “على الاحتلال الإسرائيلي أن يواجه استراتيجية عدوان داخلي من داخل نفسه، وكما أجبرت صواريخ قواتنا المسلحة الفعالة على وقف [الحرب]، فإن جميع الأجهزة الاستخباراتية والأمنية تبذل الجهد، وقد رأيتم في الأيام الأخيرة أنهم اضطروا لعقد جلسات إحاطة لمواجهة تغلغل أجهزة الاستخبارات داخل إسرائيل”.
وفي مواجهة جهود التجنيد الإيرانية، أطلق جهاز الشاباك، بالتعاون مع مديرية الدبلوماسية العامة الوطنية، حملة توعية عامة على مستوى البلاد بعنوان “مال سهل، ثمن باهظ”، لتحذير الإسرائيليين من التجسس لصالح إيران.
وقد شملت الحملة الإذاعة والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، وحذّرت من أن مبالغ صغيرة نسبيا من إيران، في حدود 1500 دولار، قد تجرّ عواقب وخيمة. وأشارت الإعلانات إلى أن بعض من قبلوا الأموال الإيرانية انتهى بهم الأمر في السجن، مؤكدة أن مساعدة طهران قد تترتب عليها عقوبات تصل إلى 15 عاما من الحبس.
ومع ذلك، من المهم وضع هذه المخططات في سياقها، فلم يقترب أي منها من مستوى التعقيد العملياتي أو الأثر الاستراتيجي أو الحرفية التي أظهرتها إسرائيل في عملياتها ضد “حزب الله” أو إيران. ففي حين تخضع إسرائيل مجنديها لعمليات فحص وتدريب طويلة، يعتمد الإيرانيون على أسلوب التجنيد العشوائي عبر الإنترنت، مع قلة من المجندين الذين يسافرون للقاء مشغليهم في تركيا أو يتلقون تدريبا في إيران.
وبالتالي فإن الطرفين يعملان على مستويات مختلفة تماما من القدرات الاستخباراتية والتقنية. ومع ذلك، تعاملت السلطات الإسرائيلية مع هذه القضايا بجدية كاملة، مؤكدة حجم التهديد بعيد المدى الذي قد تشكله إيران. وقال رئيس منظمة استخبارات الحرس الثوري، العميد مجيد خاتمي، الأسبوع الماضي: “الحرب لم تنته. نحن في حالة توقف مؤقت”.
كما أوضح وزير الاستخبارات الإيراني خططه بشكل صريح، داعيا إلى “استراتيجية عدوان داخلي” ضد إسرائيل تجبر أجهزتها الأمنية على مواجهة اختراق داخلي يقوده عملاء إيرانيون داخل الأراضي الإسرائيلية.
وإلى جانب ما أظهرته إسرائيل من قدرة على اختراق إيران، تعتقد أجهزتها الأمنية اليوم أنها مطالبة بتكثيف جهودها لمواجهة التجسس الإيراني داخل إسرائيل. وتُعد الحملة الإعلامية العامة مجرد بداية لجهد أوسع في مجال مكافحة التجسس. وما شهدته خلال العام الماضي- وفقا لمسؤولين إسرائيليين- يمثل تهديدا استخباريا أكبر بكثير من أي شيء واجهته من قبل.

