إيران بعد وقف الحرب.. فرصة للوحدة أم انزلاق نحو الانقسام؟

نشرت صحيفة فرهيختكان الأصولية، الخميس 17 يوليو/تموز 2025، تقريرا حول الوضع الداخلي الإيراني بعد مرور أكثر من أسبوعين على وقف الحرب بين إيران والاحتلال الإسرائيلي، قالت فيه إن بعض الشخصيات السياسية داخل إيران بادرت فور انتهاء الحرب إلى إشعال الخلافات وتصفية الحسابات السياسية فيما بينها. 

وأضافت الصحيفة أنه، في الوقت الذي توحّد فيه المجتمع الإيراني بعد اندلاع الحرب حول مفهوم الوطنية، متجاوزا اختلاف الآراء وتباين التوجهات، اتجه سلوك بعض الشخصيات السياسية من الجانبين المتنافسين نحو البحث عن جهة تتحمّل مسؤولية اندلاع الحرب، وتبادل الاتهامات بالتساهل مع العدو أو الترويج لمزاعم الاختراق بهدف النيل من الطرف الآخر.

وتابعت أن هذه الخلافات تتصاعد في وقت لا يمكن الجزم فيه بعد بأن إيران قد تجاوزت الوضع الحربي بالكامل؛ فنحن ما زلنا في مرحلة وقف الحرب، لا نهايتها، فيما يواصل العدو الإسرائيلي ووسائله الإعلامية شنّ حملات لإثارة الانقسام وشنّ حرب نفسية ضد إيران.

وأردفت أنه يبدو أن بعض الشخصيات السياسية تفتقر إلى فهم دقيق لظروف المرحلة الراهنة، إذ تتعامل مع الخلافات وتصفية الحسابات وكأن إيران تعيش أجواء الانتخابات، لا تبعات الحرب.

وأوضحت  أن ما تفرضه هذه اللحظة التاريخية ليس البحث عن المسؤول عن اندلاع الحرب أو تسييسها، بل تحديد مكامن القوة والضعف، خاصة على صعيد الأداء السياسي، بهدف تعزيز قدرات إيران.


الاكتئاب بعد الهزيمة لا علاقة له بالشعب

أوردت الصحيفة أنه عقب الهجمات الأميركية على المنشآت النووية الإيرانية، بدأت الترويكا الأوروبية بممارسة ضغوط على إيران لتفعيل آلية الزناد، في حين يواصل الأميركيون فرض ضغوط مكثفة لدفع طهران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات.

وأبرزت أنه في هذا الظرف الذي يواصل فيه أعداء إيران ممارسة الضغوط بمختلف الوسائل، عمد بعض الشخصيات السياسية داخل إيران إلى استغلال أجواء الحرب للسخرية من خصومهم السياسيين، إذ أعاد البعض طرح مقولة إن اتفاقا مثل (برجام) كان من المفترض أن يُبعد شبح الحرب عن إيران، فيما رد الطرف الآخر بأن الخسارة الحقيقية تمثلت في القرارات الست التي فُرضت على إيران.

وبيَّنت أن الخلافات لم تتوقف عند هذا الحد، بل استمرت النزاعات حول من يتحمل مسؤولية قبول تفعيل آلية الزناد، حيث ينفي الإصلاحيون تحملهم تكلفة هذا القبول، فيما يتهم فريق مفاوضي حكومة الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني بالخيانة. 

وأبلغت أن المشهد السياسي والإعلامي الحالي لا يشبه تعامل السياسيين مع أيام ما بعد الحرب، ويبدو أن بعض الشخصيات السياسية لم تتجاوز بعد أجواء الصراعات الانتخابية، مما يجعل الشعب والفضاء السياسي يتحملان آثار خيبة أملهم بعد الانتخابات.

لا تمنحوا الإسرائيليين الناطقين بالفارسية ذريعة لبثّ الفرقة والانقسام

ذكرت الصحيفة أنه في حين يُصرّ بعض الشخصيات السياسية على مهاجمة منافسيهم لإثبات صحة مواقفهم، لا يُلحظ في تصريحاتهم ما يلفت انتباه الرأي العام أو يخدم تعزيز الوحدة الوطنية التي تشكلت في المجتمع. ويبدو أن أولويتهم هي تسجيل النقاط على خصومهم، لا الحفاظ على مصالح إيران وأمنها في هذه المرحلة التاريخية الدقيقة.

ونوّهت إلى أن الغزو الإسرائيلي وحده كان كافيا لإحياء الشعور بالوطنية لدى الشعب الإيراني ودفعهم إلى دعم إيران والقوات العسكرية في مواجهة العدوان. وتشير الاستطلاعات والإحصائيات إلى أن التضامن والوحدة الاجتماعية بين الناس في وضع جيد، ورغم ذلك، فإن ما حدث في الواقع الاجتماعي لم يكن مجرد بناء إعلامي أو تهيئة إعلامية، بل جاء نتيجة رغبة الشعب نفسه.

وأشارت الصحيفة إلى أنه في المجال التحليلي والنخبوي، تمحور النقاش حول الآليات المطلوبة للحفاظ على الوحدة الاجتماعية ومنع تفجر الانقسامات، غير أن الانقسامات والخلافات الحزبية والفئوية ظهرت بشكل مفاجئ عقب توقف الحرب ولا تزال في تصاعد مستمر، ما يبرز الحاجة إلى العمل على ترسيخ روح الوحدة التي تجمّع حولها الناس دفاعا عن الوطن والأمن القومي في الوسط السياسي أيضا.

ولفتت إلى أن النقطة الأهم تتمثل في أن السبب الرئيس وراء ظهور بعض الانقسامات والاضطرابات وتعزيزها في المجتمع، هو سلوك بعض السياسيين الذين يسهمون في تأجيج الخلافات القائمة. 

وأفادت بأن نزاعات انتخابية وعمليات تصفية حساب اندلعت بين بعض الشخصيات السياسية، في وقت لا تحظى فيه هذه الخلافات بأي أهمية أو تأثير فعلي لدى الرأي العام، إذ تظل محصورة في فضاء تويتر وبعض وسائل الإعلام، دون أن تترك أثرا ملموسا في المجتمع.

وأكَّدت أنه لا ينبغي التقليل من أهمية حقيقة أن وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية قد تستغل هذه الخلافات لزعزعة الوحدة الاجتماعية وتعميق الهوة بين الدولة والشعب، معتبرة أن السبب في توفير هذه الذرائع لتلك الوسائل هو سلوك بعض السياسيين المحليين الذين يفتقرون إلى إدراك دقيق لطبيعة الظروف الراهنة وحساسيتها.


لم تنته الحرب حتى تبدأوا الخلافات السياسية

ذكرت الصحيفة أنه في ظل حالة التوقف الحربي، يواصل الطرفان المتنازعان النزاعات والتهديدات عبر الساحات السياسية والإعلامية، حيث يراقب كلا الطرفين بدقةٍ الوسائل الإعلامية، والمجتمع، ومواقف السياسيين. وفي الأيام الماضية، كان من الواضح أن وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية وحسابات العملاء الإسرائيليين تضبط مواقفها بما يتناسب مع الحالة الاجتماعية أو على الأقل مع ما يُعكس في الفضاء الإعلامي.

وأضافت أنه في هذا السياق، يُتوقّع من السياسيين، وهم على دراية بدور أعداء إيران في استغلال التصريحات والمواقف الإعلامية، أن يجعلوا المصلحة الوطنية في صدارة أولوياتهم، ويتجنبوا الانخراط في مناقشات أو نزاعات قد تشكّل ذريعة يستفيد منها خصوم إيران.

وتابعت أنه مع استمرار أعداء إيران في تنفيذ مشروعهم الموجَّه للرأي العام، وسعيهم الدائم لاستخدام مختلف الوسائل لخلق شرخ بين الحكومة والشعب، فإن بعض السياسيين، من دون وعي أو إدراك كاف، يسهمون في تمهيد الطريق أمام خصوم إيران للتوغل داخل الساحة الاجتماعية والسياسية الإيرانية.

لديكم ثلاث سنوات لخوض الخلافات الانتخابية

أكَّدت الصحيفة أن هناك ضرورة لتجنب ومنع تصفية الحسابات السياسية، وقد أكد المرشد الأعلى الإيراني في أول خطاب عام له بعد وقف الحرب على أنه لا ينبغي تكثيف الخلافات والاصطفافات الحزبية التي تضر بالوحدة. وهذه الخلافات السياسية تشبه أجواء فترات الانتخابات. ويبدو أن بعض الشخصيات السياسية لا تزال ترغب في مواصلة النزاعات السياسية المتبقية من الانتخابات الماضية. 

وأبرزت أنه رغم أن إيران خرجت لتوّها من صراعٍ دامٍ 12 يوما، كان من المفترض أن تتشكل رؤية واضحة بشأن ما ينبغي فعله أو تجنبه في ظروف الحرب وما بعدها. وإذ لا تزال تفصل إيران سنة كاملة عن الانتخابات البرلمانية، وثلاث سنوات عن الانتخابات الرئاسية المقبلة، فإن هذا يمنح وقتا كافيا لتصفية الحسابات السياسية وإثبات صحة المواقف، بعيدا عن استغلال المرحلة الحالية الحساسة.

وبيَّنت أنه من الأفضل لبعض السياسيين أن يتعلموا من الناس العاديين وحتى بعض الشخصيات الإيرانية المقيمة في الخارج التي لا تربطها علاقة بالنظام السياسي، كيفية الدفاع عن المصالح والأمن الوطني، بدلا من خلق أزمات جديدة والضغط على إيران في المحافل الدولية مما يسبب تكاليف إضافية. 

وأوضحت أنه بناءً على ما سبق، ليس مستغربا أن يكون المواطنون العاديون، وحتى بعض الإيرانيين المقيمين في الخارج، قد أدركوا طبيعة النزاع وأولويات الاصطفاف خلال هذه الحرب بشكل أفضل من بعض السياسيين، الذين تبدو أولويتهم هي تسجيل النقاط على خصومهم الداخليين، بدلا من التركيز على مواجهة العدو الخارجي والتخطيط لمجابهته.

كبح جماح مستغلي التفرقة

شددت الصحيفة على أن استمرار هذه الخلافات والصراعات السياسية، وتصعيد بعض وسائل الإعلام لهذه النزاعات فور انتهاء الحرب، يعزز الانطباع بأن وجود بعض التيارات والشخصيات السياسية يعتمد أساسا على النزاعات والاتهامات المتبادلة تجاه الخصوم. ففي غياب هذه الخلافات، وعندما يسود التماسك والوحدة في المشهد السياسي، لا يملك هؤلاء والتيارات المرتبطة بهم أفكارا أو رؤى جديدة تُطرح في الفضاء السياسي. 

وأبلغت أن هؤلاء هم من يتقنون استغلال الانقسامات وإطالة أمد النزاعات السياسية، ولا يجدون فرصة للظهور إلا من خلال افتعال ثنائيات الصراع وحالة الجدل المستمر. وهم لا يبالون إن جاءت هذه الخلافات مباشرة بعد الحرب وفي ظل ظروف إقليمية حساسة، أو خلال المواسم الانتخابية، حتى وإن كانت تهدد التماسك الاجتماعي أو تُضعف حماسة الناس للمشاركة في الانتخابات.

وفي الختام، سلَّطت الصحيفة الضوء على أن هؤلاء، في عالمهم المنغلق، لا يرون النجاح الحقيقي إلا في انتصار تيارهم وتحقيق مصالحهم الخاصة. وإذا ما أدّت تصرفاتهم إلى اضطرابات في المجتمع، سارعوا إلى تحميل الطرف الآخر المسؤولية، مبرّرين مواقفهم بشعارات من قبيل محاربة الحرب، أو الدعوة إلى التسامح، أو رفض النفوذ، لكسب شرعية لمواقفهم وممارساتهم.