- زاد إيران - المحرر
- 941 Views
في خضم تصاعد الجدل السياسي داخل إيران حول مسار المفاوضات الخارجية، تتقاطع التصريحات الرسمية والمواقف الإعلامية لتعكس حالة من الاستقطاب بين التيارات الحاكمة، هذا الحراك، الذي يتزامن مع ضغوط اقتصادية متزايدة وتوترات إقليمية متشابكة، يعيد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول جدوى الحوار وأدواته وحدوده. وبين دعوات إلى الانفتاح المشروط وانتقادات حادة لسياسات التفاوض، يتشكل مشهد داخلي يعكس عمق التباينات في الرؤى، في وقت تحاول فيه أطراف إقليمية ودولية لعب أدوار وساطة لإعادة فتح قنوات التواصل وإيجاد مسارات سياسية قد تغيّر ملامح المرحلة المقبلة.
يمكننا عقد مفاوضات مباشرة
فخلال لقاء عقد الثلاثاء 12 أغسطس/آب 2025 مع جمع من الصحفيين بمناسبة يوم الصحفي في إيران، قال محمد رضا عارف، النائب الأول لرئيس الجمهورية، إن المفاوضات يمكن أن تكون مباشرة مع أي جهة كانت طالما أن المفاوضات في صالح الشعب، وذلك خلال إجابته عن سؤال حول المفاوضات النووية الإيرانية مع الولايات المتحدة.

وخلال حديثه، قال عارف: “يجب أن نرى إلى أي مدى تمكنت الدول التي تفاوضت مع أمريكا من تحقيق مكاسب، إن الامتناع عن التفاوض ليست من طبيعة الجمهورية الإيرانية، لكن طبيعة أمريكا هي أن تملي رغباتها، والشعب الإيراني لم يقبل بمثل هذا التفاوض، ولن يسمح للحكومة به أيضا، سنفاوض بعزة، ولن نتخلى عن التخصيب، وفكرة التخصيب الصفري هي مزحة كبيرة”.
وتابع: “لقد أبلغنا الطرف المفاوض أننا مستعدون لبناء الثقة، لكن يبدو أنه يتجاهل ذلك، إن البلاد في وضع متوازن ومستعدة للتفاوض، لأن التفاوض من أجل الحفاظ على مصالح الطرفين، ويجب ألا يملى أي موضوع، إن سلوك النظام الإيراني في المفاوضات يسير في المسار الذي يريده الشعب، وحتى إذا توفرت الظروف المناسبة، يمكن أن تجرى مفاوضات مباشرة.”
وأضاف: “لقد وصلوا اليوم إلى قناعة بأن إيران لديها قيم معنوية يتمسك بها الشعب أيضا، وإذا قبلت أمريكا بهذه القيم المعنوية، ستصبح المفاوضات أسهل، خلال أحد اللقاءات الخارجية، أبلغني أحد القادة الدوليين البارزين بأن أعداء إيران ابتعدوا كثيرا عن فكرة إسقاط نظام الجمهورية، وهذا يبين أنه في بداية الحرب التي استمرت 12 يوما، لم يكن لديهم أي فهم للشعب أو للنظام الإيراني، وأنه في كل مرة يرفعون فيها شعار إسقاط النظام، يزداد التلاحم الداخلي”.
ماذا سنفعل إن لم نتفاوض؟
تأتي تلك التصريحات عقب حديث رئيس الجمهورية الإيراني، مسعود بزشكيان، خلال لقاء مع عدد من مديري ورؤساء الهيئات الصحفية الأحد 10 أغسطس/آب 2025، والتي قال فيها: “لم يقل أحد إنه عندما نتفاوض فهذا يعني أننا نستسلم، الاستسلام أصلا ليس في طبيعتنا، لكن من قال إنه يجب أن نخاف من التفاوض؟ إذا لم نتفاوض، فماذا تريدون أن تفعلوا؟ تريدون الحرب؟ العدو هاجمنا، فإذا أصلحنا الخراب سيهاجمنا مرة أخرى، هذه أمور لا يمكن التعامل معها بعاطفة”.

وأضاف: “يوما بعد يوم، يفرضون علينا المزيد من القيود في بيع النفط. ربما يكون لدينا في هذه الظروف عملة أجنبية أقل، ويجب أن نتحمل الوضع، لا أن نخلق التوقعات، عندما نريد الاستقلال، يجب أن نتحمل كثيرا من هذه الأمور”.
كما أكد بزشكيان أنه “أقول لكم إننا من دون التنسيق مع قائد الثورة لن نقوم بأي عمل، ولن نقوم، حتى لو كان مخالفا لرأيي الشخصي ورأي الحكومة، أؤمن بذلك علميا وعقائديا، وليس لمجرد الشعار، وعندما ننسق مع القيادة، فمن الأفضل ألا ينتقد الآخرون لماذا قمتم بذلك، ومن دون التنسيق لن نقوم بأي عمل، ما هو في مصلحة البلاد والشعب يجب القيام به دون النظر لأي شيء آخر”.
كذلك، فقد صرح مجيد تخت روانجي، نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية، في حديثه لوكالة كيودو اليابانية، الثلاثاء 12 أغسطس/آب 2025، بأن إيران تفضل التفاوض مع الولايات المتحدة، لكن على أمريكا أن تقدم ضمانات بعدم هجومها خلال المفاوضات، حيث قال: “كنا في منتصف المحادثات النووية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وفجأة تعرضنا أولا لهجوم من إسرائيل ثم من أمريكا نفسها، نحن نعتقد أن الأمريكيين كانوا على علم بالهجوم منذ البداية، وشاركوا فيه مع الإسرائيليين، ثم هاجمونا مباشرة. بالنسبة لإيران، لا مشكلة لدينا في التفاوض، ودائما كنا مؤيدين للحوار، لكننا أكدنا أنه بعد الهجوم يجب على الولايات المتحدة أن تشرح لنا سبب الهجوم ضد إيران. إذا أردنا محادثات حقيقية، فنحن بحاجة إلى الشفافية”.

وعن موعد استئناف المفاوضات، قال تخت روانجي: “لا يمكننا تحديد موعد محدد لبدء المفاوضات، الرسائل بين إيران والولايات المتحدة تتبادل عبر وسطاء، وهناك أطراف أبدت رغبتها في المساعدة، وبشكل عام، نحن مستعدون لبدء المحادثات كما قلت سابقا، لكن لم يتم تحديد وقت محدد للجولة المقبلة من المفاوضات”.
وبالحديث عن دور الوساطة، ففي تصريحات جديدة، أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، أن القاهرة تعمل على استئناف المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، في خطوة تعكس رغبة مصر في لعب دور دبلوماسي نشط في ملف التوترات الإقليمية والبرنامج النووي الإيراني.

ففي مقابلة مع شبكة ريا نوفوستي الروسية، الأربعاء 13 أغسطس/آب 2025، أوضح عبد العاطي أن بلاده تبذل جهودا لفتح قنوات اتصال بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو ما يشير إلى تحركات مصرية على أكثر من محور لضمان عودة التعاون بين الجانبين.
هذا وتأتي تصريحات عبد العاطي بعد نشاط دبلوماسي مكثف، إذ أجرى الثلاثاء 12 أغسطس/آب 2025، اتصالا هاتفيا جمعه مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، وذلك للمرة الثانية في غضون أسبوع واحد، ما يعكس الجدية المصرية في متابعة هذا الملف.
ووفقا لبيان وزارة الخارجية المصرية، فإن الاتصال الثلاثي كان الهدف منه بحث سبل خفض التوترات في المنطقة، وإعادة التعاون بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى مساره الطبيعي، بالإضافة إلى الدفع نحو العودة للمفاوضات النووية الإيرانية بما يخدم المسار السياسي والدبلوماسي.
“كيهان” ترد على الرئيس الإيراني
رغم الأصوات الحكومية المتزايدة لاستئناف المفاوضات، فإن التيار الأصولي لايزال يرفض المبدأ، رفضا تجلى في تقرير كيهان، الصحيفة الأصولية الأوسع انتشارا والمقربة من المرشد الإيراني علي خامنئي، والذي جاء تحت عنوان “رد فني على سؤال إذا لم نتفاوض، فماذا نفعل؟” في عددها الأربعاء 13 أغسطس/آب 2025 والتي كتبت ردا على سؤال بزشكيان بشأن التفاوض، قائلة: “قال السيد بزشكيان في الاجتماع الأخير مع مديري وسائل الإعلام حول المفاوضات إذا لم أتحدث، ولم أتفاوض، فماذا سأفعل؟ أأحارب؟، والرد على هذا السؤال يتلخص في أنكم قد تفاوضتم بالفعل، فماذا حصل؟ هل رفعت العقوبات؟! هل تحققت وعود حكومة روحاني ووسائل إعلامها حين قالوا إن ترامب سيشارك، وسيأتي 2000 مليار دولار استثمارات أجنبية؟! هل لم يحدث خصام أو حرب؟ الخطة التي أعدها ترامب، والتي نفذت تحت غطاء المفاوضات، هل كانت من أجل الصلح أم الهجوم؟”.

وتتابع “كيهان”: “يجب على رئيس الجمهورية انتقاء الكلمات بدقة، فهو أول مسؤول تنفيذي وثاني مسؤول رسمي في البلاد، ولذلك يجب ألا يتحدث بطريقة غير مدروسة أو بما يبعث رسالة ضعف، لأن ذلك يعزز التهديد والصراع، لا الصلح والاستقرار، فالكلام الارتجالي، والارتباك في الحديث، أو حتى التصريحات مثل لا نجيد الدبلوماسية، كما قال في 21 سبتمبر/أيلول 2024 قبل زيارة العراق، هو أمر غير لائق، ويدل على أن السيد بزشكيان يجب أن يتحدث في هذا المجال بشكل مدروس ومنضبط”.
وتضيف: “السيد بزشكيان يقول إنه يؤمن بالتنسيق مع قائد الثورة وموافقته، وهذا أمر ثمين، لكنه يفرض التزامات. وصفة القائد، مثل وصفة الطبيب الحريص، وضعت للتنفيذ، لا للتلاعب بها حتى توافق أهواءنا، إن تجاهل هذا الالتزام يؤدي إلى الخسارة والمعاناة، ففي العام الماضي، إلى جانب دعمه الدائم للحكومة، قدم قائد الثورة 10 توجيهات أساسية في لقائه مع الحكومة منها التعرف على الثروات والإمكانيات الوطنية، البشرية والطبيعية، اعتبار الإيمان الشعبي، الديني والسياسي، جزءا من القدرات، وغيرها، فهل نفذتها الحكومة؟”.
كذلك، فقد ذكرت الصحيفة تجربة حكومة الرئيس الإيراني السابق، إبراهيم رئيسي، الذي لقى حتفه اثر تحطم طائرته في مايو/أيار 2024، حيث قالت: “رغم مضاعفة العقوبات، والخزينة الفارغة، والأزمات الاقتصادية، وأحداث الشغب، استطاعت حكومة رئيسي إنجاز حملة التطعيم ضد كورونا، رفع صادرات النفط من 300 ألف برميل إلى أكثر من 1.5 مليون برميل، وإحياء الاكتفاء الذاتي ووقف استيراد 8 ملايين طن من القمح، وإعادة تشغيل 8 آلاف مصنع، وغيره كثيرا م الإنجازات، ورغم وجود أخطاء وانتقادات، فقد أثبتت التجربة أنه يمكن تجاوز التحديات دون الاعتماد على وعود العدو”.
وحول تخطي العقوبات، قالت الصحيفة: “قال قائد الثورة في أغسطس/آب للعام 2025 إذا انهار تيار التحريف، فإن تيار الحظر سيهزم حتما، لأن الساحة هي ساحة حرب الإرادات، فعندما يهزم تيار التحريف وتبقى إرادة الشعب الإيراني قوية وصلبة، فإنه حتما سيتغلب على إرادة العدو وينتصر”.

