الشرق الأوسط على صفيح ساخن.. إيران وإسرائيل على أعتاب مواجهة شاملة

تتصاعد حدة التوتر بين إيران وإسرائيل بوتيرة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الأخيرة بينهما، وسط تبادل الرسائل النارية سياسيا وعسكريا، وارتفاع وتيرة التصريحات العدائية من كلا الجانبين. وبينما تؤكد التقارير الاستخبارية الغربية أن المواجهة المقبلة قد تكون أعنف وأكثر شمولا من أي صراع سابق، يحذّر خبراء الأمن من أن الشرق الأوسط قد يقف على أعتاب حرب إقليمية واسعة، تخلط أوراق القوى في المنطقة، وتعيد رسم المشهد السياسي والأمني العالمي.

تقرير “فورين بوليسي” حول الحرب القادمة

في تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي 11 أغسطس/ آب 2025، قال إنه من المرجح أن تشن إسرائيل حربا أخرى على إيران قبل ديسمبر/كانون الأول، وربما في وقت مبكر من أواخر أغسطس/آب الجاري، وأن الحرب القادمة ستكون أكثر دموية من سابقتها.

من جهة أهداف إسرائيل في الجولة السابقة من الحرب، والتي بدأت في 12 يونيو/تموز 2025 ولمدة 12، ذكرت المجلة أن إسرائيل كانت لها ثلاثة أهداف تتجاوز إضعاف البنية التحتية النووية الإيرانية وهي جر الولايات المتحدة إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، الإطاحة بقيادة النظام الإيراني، وتحويل إيران إلى وضع يشبه سوريا أو لبنان، أي بلدان يمكن لإسرائيل قصفها بلا عقاب ودون تدخل أمريكي حسب تعليق المجلة، في حين لم يتحقق سوى هدف واحد من هذه الأهداف الثلاثة، وهو دخول أمريكا للحرب عن طريق ضرب الموقع النووية الإيرانية، الهدف الذي فشل جزئيا ايضا لان ترامب لم يستطع إنهاء الملف النووي الإيراني بالكامل.

وتذكر المجلة أنه “بعبارة أخرى، حققت إسرائيل انتصارا جزئيا في أفضل الأحوال من خلال هجمات يونيو/تموز 2025، حيث كانت النتيجة التي تفضلها أن ينخرط ترامب بالكامل في استهداف القوات التقليدية الإيرانية وبنيتها التحتية الاقتصادية. لكن رغم أن ترامب يفضل التحرك العسكري السريع والحاسم، فإنه يخشى من حرب شاملة، فاقتصر استهدافه على المنشآت النووية الإيرانية بهدف الحد من التصعيد لا توسيعه. على المدى القصير، نجح ترامب في ذلك، ما أثار استياء إسرائيل، ولكن على المدى الطويل، سمح لها بأن تجره إلى دوامة تصعيدية”.

كما تضيف: “مع استمرار الحرب، تكبدت إسرائيل خسائر كبيرة حيث تضررت دفاعاتها الجوية، وأصبحت إيران أكثر قدرة على اختراقها بصواريخها. ولو أن الولايات المتحدة انخرطت بالكامل، ربما كانت إسرائيل ستواصل الحرب، لكن المعادلة تغيرت حين تبين أن ضربات ترامب كانت لمرة واحدة فقط، نعم نجحت إسرائيل في جر ترامب وواشنطن إلى الحرب، لكنها فشلت في إبقائهما فيها”.

أما عن الهدفين الآخرين للحرب الإسرائيلية، فقد وصفتهما المجلة بالفشل التام، حيث قالت إنه رغم النجاحات الاستخباراتية المبكرة كمقتل 30 قائدا كبيرا و19 عالما نوويا، فإن إسرائيل لم تتمكن سوى من تعطيل قيادة وسيطرة إيران مؤقتا، فخلال 18 ساعة، كانت إيران قد استبدلت معظم هؤلاء القادة، وأطلقت وابلا من الصواريخ الثقيلة، ما أظهر قدرتها على امتصاص خسائر فادحة والاستمرار في شن هجمات مضادة شرسة.

كذلك، فقد كانت إسرائيل تأمل أن تؤدي ضرباتها الأولى إلى إرباك النظام الإيراني وتسريع انهياره، فبحسب صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، فقد اتصل عملاء الموساد بكبار المسؤولين مهددين بقتلهم وعائلاتهم ما لم يعلنوا انشقاقهم علنا، ورغم إجراء أكثر من 20 مكالمة في الساعات الأولى، لم يرضخ أي جنرال، وحافظت القيادة على تماسكها. كما لم يؤد مقتل قادة الحرس الثوري إلى احتجاجات واسعة، بل وحد الإيرانيين وولد موجة وطنية، وفشلت إسرائيل في استغلال السخط الشعبي، إذ تراجعت صورتها لدى الإيرانيين بعد حرب غزة والهجوم الخداعي، وباتت تحظى بتأييد محدود يتركز في أوساط الإيرانيين بالخارج.

أما على الجانب الإيراني، فقد ذكرت المجلة أن إيران تتوقع هذا الهجوم وتستعد له، حيث تبنت إيران استراتيجية النفس الطويل، فوزعت هجماتها الصاروخية على مراحل، وهي تتوقع صراعا ممتدا، لكن في الجولة المقبلة، يرجّح أن تضرب إيران بقوة وحسم منذ البداية، في محاولة لتبديد أي تصور بإمكان إخضاعها تحت الهيمنة العسكرية الإسرائيلية.

وبناء على ذلك، فقد توقع التقرير أن تكون الحرب المقبلة أكثر دموية بكثير من الأولى، أنه في حالة خضوع الرئيس الأميركي ترامب مجددا لضغط إسرائيل وانضم إلى المعركة، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها في مواجهة حرب شاملة مع إيران، ستكون أصعب من حربها في العراق.

خطاب نتنياهو للشعب الإيراني

في الوقت نفسه، وجه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الثلاثاء 12 أغسطس/آب 2025، رسالة مباشرة إلى الشعب الإيراني داعيا الإيرانيين إلى النزول إلى الشوارع والتظاهر لأجل عودة إيران مرة أخرى.

وقال نتنياهو في رسالته التي نشرت على حساب إسرائيل بالفارسية عبر منصة إكس: “لقد فرض قادتكم الحرب التي استمرت 12 يوما علينا، وتكبدوا هزيمة ثقيلة، إنهم يكذبون دائما، لكنهم أحيانا يقولون الحقيقة دون قصد”.

هذا وقد أشار خلال حديثه، إلى تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حول الأزمات المتعددة في البلاد، قائلا: “قبل أيام قال رئيسكم إن لدينا مشكلات في المياه والكهرباء والمال والتضخم، ثم تساءل: أين ليست لدينا مشاكل؟ وبحلول شهري سبتمبر وأكتوبر لن يبقى ماء خلف السدود، هذا صحيح، كل شيء ينهار”.

وأضاف نتنياهو: “في هذا الصيف الحارق، ليس لديكم حتى ماء نظيف وبارد لأطفالكم، هذا قمة النفاق من قادة النظام، وإهانة واضحة لشعب إيران، أنتم لا تستحقون هذه الأوضاع، وأطفالكم لا يستحقون”، وتابع: “إن عطش المياه في إيران لا يضاهيه إلا عطش الحرية، وهذه أخبار عظيمة، فبمجرد تحرير إيران، سيأتي أفضل خبراء المياه الإسرائيليين بأحدث التقنيات والمعرفة إلى جميع المدن الإيرانية لمساعدتها في إعادة تدوير المياه وتحليتها”.

وأضاف: “منذ 46 عاما وأنتم محرومون من أبسط حقوق الإنسان، حرية التعبير والكتابة والحديث وقراءة ما تريدون، لدي هنا كتب لإيرانيين معارضين بارزين يكتبون الحقيقة ويقولونها، لكنها كلها نشرت خارج إيران. أنتم أبناء كورش الكبير، تستحقون أفضل بكثير من هذا، لا تستحقون قادة يهربون وقت الحرب ويتركونكم وحيدين”.

وختم نتنياهو رسالته بقوله: “ابنوا مستقبلا أفضل لعائلاتكم ولكل الإيرانيين. لا تسمحوا لهؤلاء الملالي المتعصبين بتدمير حياتكم دقيقة إضافية. واعلموا أنكم لستم وحدكم، أنا إلى جانبكم، وإسرائيل إلى جانبكم، والعالم الحر كله إلى جانبكم. طغاة طهران القساة والجبناء لن يستمروا، وأنتم تعرفون ذلك، والتاريخ سيثبت ذلك. قريبا ستتحرر بلادكم، وستتدفق المياه، وستتعافى اقتصادكم، وسيعيش أطفالكم بسعادة وراحة”.

كذلك، وجه نفتالي بينيت، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق وزعيم حزب يمينا اليميني، رسالة مصورة إلى الشعب الإيراني، قال فيها إن “شعراءكم كانوا يوما يصفون الحدائق الغناء والأنهار الجارية، لكن تلك الحدائق والأنهار جفّت اليوم”، وأشار بينيت، في رسالة مشابهة إلى حد كبير لرسالة نتنياهو، إلى مقارنة وضع المياه بين إيران وإسرائيل، مؤكدا أنه رغم أن كمية المياه في إسرائيل أقل، فإنها اليوم، على عكس الوضع الحرج في إيران، تتمتع بوفرة مائية.

يذكر أن تلك ليست المرة الأولى التي يتوجه فيها نتنياهو بخطابه للشعب الإيراني، فعلى مدار السنوات السابقة خاطب الإيرانيون عدة مرات حول الأوضاع الاقتصادية السيئة ودعم النظام للجماعات المناصرة له في سوريا ولبنان والعراق، والقمع الداخلي داعين إياهم إلى النزول في الشوارع والإطاحة بالنظام.

هل تدق طبول الحرب مرة أخرى؟

تشير المعطيات الحالية إلى أن المنطقة تعيش حالة أشبه ما تكون بمرحلة ما قبل الحرب، حيث تتسارع التحركات الميدانية بشكل لافت، وتتصاعد وتيرة الاستعدادات العسكرية على أكثر من جبهة، ففي الأجواء السورية واللبنانية، تكثف إسرائيل طلعاتها الجوية، في رسالة واضحة إلى خصومها بأنها تراقب وتستعد لأي طارئ. وفي المقابل، يضاعف الحرس الثوري الإيراني نشاطه في المناطق الحدودية الغربية لإيران، بما يوحي بأن طهران تعزز دفاعاتها وتعيد تموضع قواتها تحسبا لمواجهة قد تفرض نفسها في أي لحظة.

ولا يقتصر الأمر على التحركات المباشرة، بل يتجاوزها إلى ما كشفته صور الأقمار الصناعية من عمليات تحريك منصات صواريخ بعيدة المدى لدى الجانبين، ما يعكس جدية الاستعدادات واحتمال اقتراب لحظة الانفجار.

على الصعيدين الإقليمي والدولي، تتباين المواقف تجاه هذه التطورات المقلقة، فالولايات المتحدة تبدو حريصة على احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة، لكنها في الوقت نفسه لا تخفي تأييدها لما تسميه بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وهو موقف يترك الباب مفتوحا أمام تل أبيب للمضي في خياراتها العسكرية إذا رأت ذلك ضروريا.

 أما روسيا والصين، فقد تبنتا خطابا يدعو إلى ضبط النفس، محذرتين من أن اندلاع الحرب سيترك أثرا كارثيا على إمدادات الطاقة العالمية، في ظل ما تشهده الأسواق من توترات اقتصادية وأزمات إمداد، وعلى الضفة العربية، ينقسم الموقف بين دول تدعو صراحة إلى التهدئة، وأخرى تكتفي بمتابعة الأحداث بصمت، في إشارة إلى حسابات معقدة ومصالح متشابكة تحول دون اتخاذ موقف موحد.

ورغم خطورة المؤشرات الراهنة، فهناك عوامل قد تدفع الطرفين إلى تأجيل المواجهة المباشرة، فالخشية من حرب إقليمية مفتوحة لا يمكن السيطرة على تداعياتها تمثل هاجسا مشتركا، خاصة وأن أي صراع بهذا الحجم قد يجر أطرافا إقليمية ودولية إلى قلب المعركة.

كما تمثل الضغوط الدولية، وخصوصا من واشنطن والاتحاد الأوروبي، عنصرا مهما في كبح جماح التصعيد، في محاولة لإبقاء الصراع ضمن الحدود القابلة للاحتواء، وإلى جانب ذلك، يواجه كل من إيران وإسرائيل أزمات داخلية معقدة، من تراجع اقتصادي واحتجاجات داخلية، ما يجعل فتح جبهة حرب واسعة في هذه اللحظة مخاطرة قد تفوق قدرة أي من الطرفين على تحملها. ومع ذلك، تبقى هذه العوامل أقرب إلى مكابح مؤقتة لمسار التصعيد، لا ضمانات دائمة لوقفه.

وبينما تظل احتمالات اندلاع الحرب مفتوحة، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع الطرفان احتواء التوتر قبل أن ينزلقا إلى مواجهة كبرى؟ الواقع أن أي شرارة صغيرة قد تشعل فتيل صراع قد يتجاوز الحدود التقليدية للحروب السابقة، ليصبح واحدة من أخطر أزمات الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين.

كلمات مفتاحية: