- زاد إيران - المحرر
- 515 Views
تعيش الساحة الإيرانية منذ سنوات على وقع توترات سياسية واجتماعية تتجدد مع كل حدث أو ذكرى، بينما تتقاطع الأصوات بين الداخل والخارج لتروي وجها آخر لما يجري داخل البلاد. وفي خضم هذا المشهد المتقلب، تتعالى الخطابات والدعوات إلى التغيير، ويبرز حضورٌ متنام للمعارضة في المنفى، وسط تحركات رمزية داخل المدن الإيرانية تلفت الأنظار وتثير التساؤلات. وبين روايات متباينة وادعاءات متناقضة، تبدو إيران اليوم واقفة عند مفترق طرق جديد، تتنازع فيه الشعارات والذاكرة والواقع.
ففي منشور له على حساب على فيس بوك ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، الجمعة 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، كتب رضا بهلوي، ابن شاه إيران المخلوع محمد رضا بهلوي والمقيم في الولايات المتحدة، قائلا” في مختلف أنحاء إيران، يواصل المواطنون الشجعان كل يوم تحطيم جدار القمع الذي يفرضه النظام، ويرفعون راية الحرية والوطنية أعلى فأعلى، إن رفع العلم الوطني الإيراني المزين بشعار الأسد والشمس على يد عسكريين تحرروا من قبضة الظلم وانضموا إلى شعبهم، هو صورة واضحة عن الشجاعة المتزايدة لدى الإيرانيين”.

ويتابع” إن التغيير الحقيقي يولد من عدد من الأفعال الصغيرة، ولكن المؤثرة، من شعب يستبدل الخوف بالأمل، والجهل بالوعي، والفرقة بالتضامن، ويمضي إلى مواجهة الظلام بسلاح النور، إن مستقبل إيران يصنعه هذا الإصرار وهذه الشجاعة، إلى جانب التنظيم الفاعل، وقد قدم دليل الحرس الأبدي الإيراني طريقة التنظيم الفعال للإيرانيين داخل البلاد، كما سهل منصة التعاون الوطني انضمام العاملين في الدولة والقوات العسكرية، وأصبح شعار سنستعيد إيران مرة أخرى محور توحد الإيرانيين في الخارج”.
واختتم بقوله” في ذكرى انتفاضة نوفمبر/تشرين الثاني 2019، يظل أبناء الثورة الوطنية الإيرانية خالدين في الذاكرة، أولئك الذين وقفوا في وجه الظلام وأناروا طريق الحرية، وفي هذا النضال، يبقى علمنا الوطني تجسيدا لإرادتنا التي لا تقهر، فلنرفعه أينما كنا، ولنظهِر أن قلب إيران ما زال ينبض، مستعدا للنهوض من جديد”.

هذا وكان بهلوي قد أطلق في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 منصة تحت عنوان سنستعيد إيران، ذكر أنها لتوحيد الجهود وانضمام الأفراد الثائرين على النظام الإيراني الحالي حسب قوله، إلا أن المنصة توقفت بعد مدة من عملها، لتعاود العمل بعد ذلك مرة أخرى.

وكانت محطة مترو الخميني في العاصمة طهران قد شهدت حدثا غريبا الأربعاء، 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، حين أقدم شخصان يرتديان البزة العسكرية على دخول المترو ورفع العلم الإيراني الملكي، الذي يتوسطه علامة الأسد والشمس، وسط ترديد شعار ضد نظام الحكم الحالي في إيران، ليعلن بعدها عن اعتقالهما في حين لم تعلق أية جهة على الأمر.

ماذا نعرف عن احتجاجات نوفمبر/ تشرين الثاني 2019؟
في نوفمبر 2019، وجدت إيران الإسلامية نفسها أمام واحدة من أعنف موجات الاحتجاج منذ تأسيسها، ففي ليلة واحدة فقط، تحول قرار اقتصادي بشأن سعر البنزين إلى شرارة أشعلت انتفاضة واسعة في عشرات المدن، قبل أن تطفأ بقبضة من حديد، تاركا وراءه مئات القتلى وآلاف المعتقلين وجرحا مفتوحا في الذاكرة الجمعية للإيرانيين يسمّيه كثيرون اليوم نوفمبر الذي لم ينته بعد.

كان حسن روحاني في ولايته الثانية رئيسا للجمهورية، في سياق داخلي مثقل بأزمات اقتصادية خانقة وعقوبات أمريكية مشددة بعد انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي، وقد دخل الاقتصاد الإيراني مرحلة الضغط الأقصى الأمريكي، التضخم يلتهم الدخول، والعملة تترنح، والفوارق الطبقية تتعمق عاما بعد عام، في هذا المناخ، جاء قرار رؤساء السلطات الثلاث ، التنفيذية والتشريعية والقضائية، برفع سعر البنزين بشكل مفاجئ، ليبدو بالنسبة لشرائح واسعة من الإيرانيين وكأنه القشة التي قسمت ظهر البعير، خصوصا لدى الفئات الأفقر وسكان الأطراف والمناطق المهمشة الذين يعتمدون على الوقود المدعوم في حياتهم اليومية.
في منتصف ليلة الجمعة 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 أُعلن عن الصيغة الجديدة حصة محدودة من البنزين بسعر 1500 تومان للتر، وما فوق الحصة بسعر 3000 تومان، وهي كسور لا تذكر من الدولار لكنها تعادل زيادة مقدرها ثلاثة أضعاف تقريبا، وقبلها بيوم أو يومين فقط، كان مسؤولون حكوميون ينفون شائعات ارتفاع السعر، في مشهد ربما يقارب ما يحدث اليوم في طهران من شائعات عن غلاء أسعار البنزين، وتأكيدات حكومية بعدم رفع السعر.

صباح الجمعة، اكتشف المواطنون على المضخات حقيقة القرار، وبدأت تجمعات صغيرة أمام محطات الوقود وعلى الطرق السريعة، إغلاق طرق، احتجاجات سلمية هنا وهناك، لكن ما بدا في ساعاته الأولى اعتراضا اجتماعيا على قرار اقتصادي، تحول خلال يومين إلى احتجاجات سياسية واسعة النطاق ضد مجمل النظام.
السردية الرسمية للحكومة والسلطات الأمنية ركزت منذ اللحظة الأولى على التفريق بين المطالبات الصادقة للناس وأعمال الشغب التي نسبت إلى مندسين وعناصر معادية، علي خامنئي، المرشد الأعلى، أعلن سريعا دعمه لقرار رؤساء السلطات الثلاث بشأن البنزين، لكنه في الوقت نفسه تحدث عن ضرورة التفريق بين المحتجين وأولئك الذين يحرقون ويخربون، وزير الداخلية آنذاك عبدالرضا رحماني فضلي وعدد من المسؤولين الأمنيين رسموا صورة لاحتجاجات تم التلاعب بها من الخارج، أعداء أجانب، أجهزة استخبارات، مراكز قيادة في دول الجوار، وتمويل وتحريض عبر قنوات معارضة في الخارج، فيما استخدمت مشاهد إحراق البنوك ومحطات الوقود والهجوم على مبان رسمية لإسناد رواية تقول إن ما حدث تجاوز كونه احتجاجا اقتصاديا إلى محاولة منظمة لضرب الأمن القومي.

في هذا الإطار، بررت السلطات قرارها بقطع الإنترنت على مستوى البلاد لعدة أيام، باعتباره خطوة أمنية اضطرارية لمنع تنسيق أعمال الشغب عبر شبكات التواصل ولحماية المواطنين، بحسب تعبير المسؤولين، رحماني فضلي صرح لاحقا بأن ما بين 200 و225 شخصا قتلوا خلال الأحداث، مؤكدا أن عددا منهم من قوات الأمن وعناصر الباسيج، وآخرين من المواطنين الذين وقعوا ضحايا الوسط، وطرحت هذه الأرقام بوصفها الرواية الرسمية الوحيدة تقريبا، من دون نشر تقرير قضائي أو برلماني مفصل، ولا كشف شفاف عن أماكن وتواريخ وأسباب الوفيات.
على الجانب الآخر، قدم المعارضون ومنظمات حقوق الإنسان صورة مختلفة جذريا، فمنظمة العفو الدولية وثقت بالاسم والملابسات مقتل ما لا يقل عن 304 أشخاص، مع تأكيدها أن الرقم الحقيقي أعلى بكثير، وكالة رويترز من جانبها نقلت عن مصادر وصفتها بالقريبة من دوائر القرار أن عدد القتلى وصل إلى نحو 1500 شخص، وأن المرشد الأعلى أعطى الضوء الأخضر الصريح للأجهزة الأمنية لفعل كل ما يلزم لوقف الاحتجاجات، فيما حلل باحثون مستقلون بيانات السجل المدني ولاحظوا زيادة استثنائية بعدة آلاف من الوفيات المسجلة خلال فترة المظاهرات مقارنة بالأشهر المجاورة، بطريقة لا يمكن تفسيرها بسهولة بعوامل صحية أو موسمية، ما غذى فرضية أن جزءا كبيرا من ضحايا القمع لم يسجل رسميا كضحايا احتجاجات.


وعلى مستوى الجغرافيا، فقد امتدت الاحتجاجات إلى ما لا يقل عن 27 أو 28 محافظة، وتحدث آخرون عن أكثر من 200 مدينة كبيرة وصغيرة شهدت مظاهرات أو مواجهات، كان التركيز واضحا في الأحياء الفقيرة والمناطق الطرفية في طهران ومدن كبرى مثل شيراز، أصفهان، الأهواز، كرج، كرمانشاه وغيرها. المعارضون يرون أن هذه الخريطة الاحتجاجية تكشف أن الوقود كان مجرد شرارة، وأن الخلفية الحقيقية هي تراكم غضب الفئات المهمشة التي تحمل عبء العقوبات والفساد وسوء الإدارة من دون أن ترى أملاً في الإصلاح من داخل النظام.
انتهت الجولة الميدانية للاحتجاجات خلال أقل من أسبوع في معظم المناطق، بفعل الاستخدام المكثف للقوة المميتة، وانتشار القوات الخاصة والباسيج، واعتقالات جماعية قدر عددها بما لا يقل عن 8,600 معتقل في 22 محافظة وفق تجميع منظمات حقوقية، كثير من هؤلاء واجهوا محاكمات سريعة، وأحكاما قاسية بالسجن الطويل أو حتى الإعدام في بعض الملفات، بينما بقي مصير الآخرين مجهولا لفترات طويلة

في سردية المعارضين، كانت مظاهرات نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 لحظة كاشفة عن عمق الهوة بين الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع، يرون أن السلطات فضلت الحل الأمني على أي شكل من أشكال الحوار، وأنها اختارت أن تحكم بالسلاح بدلا من الإصغاء إلى أصوات الجوع والفقر، ويذهب بعضهم أبعد من ذلك، فيعتبر الاحتجاجات مدرسة قاسية لكل الأطراف، بالنسبة للمجتمع، فقد ولد وعيا جديدا بقوة الاحتجاج الجماعي وإن كان ثمنه باهظا، وللعائلات التي فقدت أبناءها، تحول إلى نقطة لا عودة، فظهرت حركات عائلات آبان التي رفعت شعار لن ننسى، لن نغفر.

وفي السنوات التالية، خصوصا خلال احتجاجات المرأة، الحياة، الحرية عام 2022 والتي أعقبت مقتل الفتاة الكردية مهسا أميني، عاد شبح نوفمبر إلى الواجهة، كثير من عائلات ضحايا تلك الاحتجاجات قالوا إنهم استلهموا صمود عائلات قتلى 2019، وإن ذاكرة نوفمبر كانت حاضرة في الدعوات للنزول مجددا في ذكرى تلك الأحداث، في المقابل، يبدو أن النظام هو الآخر تعلم من تجربة نوفمبر، فانتقل من نموذج قطع الإنترنت بشكل كامل إلى نموذج أكثر استهدافا وتعقيدا، عبر تعطيل موضعي أو زمني، وتشديد الاعتماد على المنصات المحلية، في محاولة للجمع بين السيطرة الرقمية وتقليل الكلفة الاقتصادية والسياسية للعزلة التامة.
وهكذا، تبقى احتجاجات نوفمبر/تشرين الثاني 2019 علامة فارقة في تاريخ إيران الحديث، ليس فقط لأنها كشفت حجم الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي، بل لأنها أعادت تعريف العلاقة بين الشارع والسلطة، وبين رواية رسمية تتحدث عن مؤامرة ورواية معارضة تصف ما جرى بأنه انتفاضة جياع، يستمر الجدل من دون حسم، فيما يواصل الإيرانيون حمل ذاكرة تلك الأيام الثقيلة، كجرس إنذار لم تنه السنوات اللاحقة صوته بعد.

