إيران تعيد رسم إستراتيجية التفاوض.. خطاب جديد بين القوة والبراغماتية

تشهد الدبلوماسية الإيرانية مرحلة مفصلية تفرض إعادة تقييم شاملة لمسار التفاوض مع القوى الدولية، في ظل تحولات إقليمية متسارعة وتصاعد الضغوط الأمريكية والغربية، وفي وقت يتراجع فيه منطق القانون أمام صعود منطق القوة، تتجه طهران نحو إعادة رسم مقاربتها للحوار استنادا إلى مزيج من البراغماتية وحماية المصالح العليا للدولة، فيما تبرز في الداخل أيضا دعوات لإعادة تعريف الاستراتيجية بعيدا عن الانفعال، مع التأكيد على أن المفاوضات لا ترفض مبدئيا، بل تضبط بشروط جديدة تعكس واقعا عسكريا وسياسيا مختلفا، وبين المبادرات المطروحة والتحديات القائمة، تبدو إيران أمام مرحلة حساسة لإعادة صياغة موقعها التفاوضي دوليا.

إعادة رسم خريطة التفاوض

فخلال مشاركته في مؤتمر القانون الدولي تحت الهجوم، والذي يناقش الانتهاكات الدولية للقانون الدولي في العالم والذي عقد في مركز الدراسات السياسية والدولية بوزارة الخارجية بطهران، الأحد 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، قال عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، أن طهران لديها بالفعل مبادرات تفاوضية يمكن أن تفعلها إذا توافرت الظروف المناسبة، إلا أن هذه المبادرات مشروطة بأن تكون في إطار حماية حقوق الشعب الإيراني وعدم التنازل عن مصالح البلاد الاستراتيجية، وأكد عراقجي أن الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية ما زالت تتعامل بعقلية قانون الغاب، وهو ما يجعل الساحة الدولية ساحة صراع مفتوح، وليس بيئة مناسبة لحوار متوازن.

Image

 كما أعاد وزير الخارجية التذكير بأن الهجوم العسكري الأخير على إيران لم يكن اعتداء على البنى التحتية فقط، بل اعتداء على المسار الدبلوماسي نفسه، خصوصا أنه جاء قبل أيام من موعد الجولة السادسة من المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، والتي ألغيت على خلفية الهجوم الإسرائيلي.

كما شدد عراقجي على أن التجربة العسكرية الأخيرة، يقصد المواجهة الأخيرة بين طهران وتل أبيب، قد غيرت الكثير من الموازين، مشيرا إلى أن إيران خرجت من تلك الحرب أكثر قوة وقدرة من ذي قبل، موضحا أن البنية الدفاعية للبلاد أعيد بناؤها بالكامل، وأن القوات المسلحة باتت أكثر معرفة بنقاط قوتها وضعفها ونقاط الضعف لدى العدو أيضا.

هذا وقد كان من أبرز ما أكد عليه وزير الخارجية أيضا هو أن إيران لم تغادر يوما طاولة المفاوضات، وأن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2015، رغم التزام إيران الكامل ببنوده، هو الذي شكل ضربة للمسار الدبلوماسي، معيدا التذكير بأن أي مفاوضات مستقبلية يجب أن تدار وفق أربعة شروط رئيسية، وهي أن تكون عادلة ومنصفة، وأن تقوم على استراتيجية واضحة، وأن تراعي المصالح المتبادلة، وأن تجرى بطريقة شريفة ومحترمة بعيدا عن منطق الإملاءات.

Image

أما فيما يتعلق بالملف النووي والعلاقة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فقد شدد عراقجي على أنه لا توجد أي منشأة نووية غير معلنة في إيران، وأن كل المنشآت النووية تخضع لرقابة الوكالة الدولية، وأن التخصيب لا يجري حاليا داخل البلاد، كما أكد أن حق إيران في امتلاك الطاقة النووية السلمية هو حق طبيعي لا يمكن لأي جهة إنكاره، ولفت إلى أن سفراء إيران وروسيا والصين التقوا مؤخرا مع مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رفائيل جروسي، في خطوة دبلوماسية تستهدف إحباط محاولات بعض الدول الغربية الدفع باتجاه قرار جديد ضد إيران، محذرا من أن طهران لن تقف مكتوفة الأيدي إذا ما تم تبني مثل هذا القرار.

تصريحات الدبلوماسيين الإيرانيين… نحو مفاوضات مسلحة

لم يكن عراقجي الوحيد الذي تحدث بوضوح عن خطة استراتيجية جديدة للمفاوضات، فقد صدرت عن كبار المسؤولين الآخرين في وزارة الخارجية رسائل أكثر حدة بشأن شكل المفاوضات المرتقبة، فخلال كلمته في المؤتمر أيضا، دعى الدبلوماسي المخضرم ورئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية ووزير الخارجية الأسبق، كمال خرازي، الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى مفاوضات حقيقية مع إيران تقوم على الاحترام المتبادل والمساواة، بعيدا عن منطق القوة والتهديد، مؤكدا أن إيران لا تهرب من التفاوض، لكنها ترفض حوارا يستخدم فيه السلاح والعقوبات كأوراق ضغط.

Image

كما انتقد خرازي بحدة تحول النظام الدولي من سيادة القانون إلى سيادة منطق القوة، معتبرا أن وصول ترامب إلى البيت الأبيض عمق هذا المسار، في ظل عجز الأمم المتحدة عن التصدي لقرارات بعض القوى المناقضة للقانون الدولي، واستعاد تجربة الحرب الإيرانية العراقية على إيران في العام 1980 والحرب الأخيرة معتبرا أن القاسم المشترك بينهما هو صمود الشعب الإيراني وتماسكه واعتماده على ذاته في مواجهة الأعداء، في وقت لم تقدم فيه الأمم المتحدة أي دعم يذكر.

وفي رسالة قانونية سياسية واضحة، شدد خرازي على أن اعتراف ترامب بمسؤولية الولايات المتحدة عن الهجوم الإسرائيلي على إيران يفرض على واشنطن تحمل المسؤولية القانونية، بما في ذلك دفع تعويضات مالية وبشرية ونفسية عن العدوان، كما هاجم أسلوب إدارة ترامب وفريقه، واصفا إياهم بالخلط بين منطق الاستوديوهات وقواعد الدبلوماسية، ومشيرا إلى أن الضغوط الأمريكية في العراق والمنطقة لم تسفر سوى عن تعزيز حضور قوى المقاومة.

من جهته، قدم سعيد خطيب زاده، نائب وزير الخارجية ورئيس مركز الدراسات الدولية، مفهوما جديدا من الأساس أطلق عليه المفاوضات المسلحة، فقد أوضح خطيب زاده أن السياق الحالي لا يسمح بالحديث عن مفاوضات حيادية، إذ إن الولايات المتحدة ما زالت في وضعية تهديد قائم على الحشد العسكري والتصعيد السياسي، وبالتالي فإن أي تفاوض، إن تم، فسيكون تفاوضا مسلحا، بمعنى أنه سيجري تحت سقف الحذر الشديد والاستعداد التام لردع أي محاولة خداع من الطرف الأمريكي.

Image

وأضاف خطيب زادة أن إيران لا تثق بالولايات المتحدة، لكنها في الوقت ذاته لا ترفض التفاوض من حيث المبدأ، وإنما ترفض فقط الدخول في حوار لا يؤدي إلى نتائج ملموسة أو يهدف إلى فرض إملاءات.

كما اعتبر خطيب زادة أن الحرب الأخيرة اندلعت أساسا بسبب انحرافات إدراكية لدى الإدارة الأمريكية، وأن غياب الفهم الحقيقي للقدرات الإيرانية ولحقيقة الوضع الإقليمي كان سببا رئيسيا في التصعيد، مؤكدا أن إيران، رغم كل ذلك، تظل ملتزمة بالمبادئ التي أرساها قائد الثورة، روح الله الخميني، والمتعلقة بالحوار المشروط الذي يحفظ مصالح البلاد العليا.

في موازاة ذلك، جاءت تصريحات كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية، حاملة رسائل أكثر صرامة، فقد حذر غريب آبادي من أن تمرير أي قرار جديد ضد إيران في مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيؤدي إلى قيام إيران بإعادة النظر بالكامل في سياساتها تجاه الوكالة والمؤسسات الدولية ذات الصلة، مشددا على أن الولايات المتحدة تتحمل المسؤولية القانونية الكاملة عن العدوان العسكري على إيران.

Image

كما أشار أيضا إلى أن الترويكا الأوروبية، فرنسا وألمانيا وبريطانيا، لم تعد جزءا من مسار الحوار مع طهران، وأن محاولاتها التأثير من داخل الوكالة لم تعد فاعلة، لافتا إلى أن ما يروج له الغرب بشأن التأثير الاقتصادي لآلية سناب باك، آلية عودة العقوبات الأممية والتي فعلت في أواخر سبتمبر/ أيلول 2025، لا أساس له من الواقع، وأن طهران أثبتت عمليا أن الضغوط الاقتصادية لن تغير من موقفها التفاوضي.

أما المتحدث باسم الخارجية، إسماعيل بقائي، فقد قدم مقاربة مختلفة عبر الإشارة إلى أن تبادل الرسائل بين طهران وعدد من الدول الإقليمية والغربية لا يعد مفاوضات، ولا ينبغي التعامل معه على هذا الأساس، كما أوضح أن بعض الدول، مثل عمان وقطر والبحرين ومصر، تبذل جهودا متعددة لمنع التصعيد، لكنها لا تمثل مسارا تفاوضيا حقيقيا، مؤكدا أن إيران لا تخشى التفاوض، وأن الذين يخشونه هم الذين لا يملكون منطقا.

Image

التفاوض الاستراتيجي مع الولايات المتحدة

لم يكن أمر التفاوض وعرض رؤى استراتيجية ومقاربات جديدة يشغل بال الدبلوماسيين فحسب، بل كذلك السياسيين داخل البلاد، وخصوصا الإصلاحيين منهم، الذين طالما رفعوا شعار المفاوضات لحل مشاكل الخارج والداخل، الأمر الذي أعاد تبنيه بهزاد نبوي، البرلماني والوزير والمتحدث باسم الحكومة الإصلاحي الأسبق، والذي قدم قراءة مختلفة لمسار السياسة الخارجية الإيرانية، داعيا إلى ما سماه التفاوض الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.

Image

فخلال مقابلته مع موقع تابناك الإخباري الإيراني، الأحد 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، عرض نبوي لفكرة مركزية تقوم على فصل الاستراتيجية عن الأيديولوجيا، فإيران، على حد قوله، تنظر إلى الولايات المتحدة أيديولوجيا كقوة مستكبرة، لكن ذلك لا يمنع من اعتماد مقاربة براغماتية تسمح بالتفاوض حتى مع قوة مستكبرة إذا كان ذلك يحقق المصلحة الوطنية.

وأضاف نبوي أن التطورات الإقليمية المتسارعة، وتراجع المشاركة الشعبية في الانتخابات، وتغير مواقف بعض الحلفاء التقليديين في المنطقة، تفرض على طهران إعادة تعريف مفهوم المصلحة الوطنية بعيدا عن الانفعال والشعارات، وقد أشار إلى فرص ضائعة في الماضي، مثل إمكان استثمار مرحلة رئاسة باراك أوباما ورغبة الأخير في لقاء الرئيس الأسبق محمد خاتمي، معتبرا أن ذلك كان يمكن أن يفتح نافذة تفاوضية واسعة وربما يمهّد حتى لتطبيع العلاقات، من دون أن يعني ذلك التبعية لواشنطن أو التخلي عن الثوابت.

وفي رؤيته، فإن البراغماتية لا تعني الخضوع الكامل لقوى أخرى، فروسيا نفسها، كما يلفت، تسعى وراء مصالحها الخاصة، ولا يمكن افتراض تطابق دائم بين مصالحها ومصالح إيران، لذلك فيدعو نبوي إلى سياسة متوازنة تضع قدرة البلاد وواقعها الداخلي في الحسبان، إلى حد أنه لا يستبعد مبدئيا التفاوض حتى مع شخص مثل دونالد ترامب إذا اقتضت الضرورة الاستراتيجية ذلك.

كما ينتقد نبوي بوضوح منطق التصعيد العسكري وخيار الحرب، ويستشهد بحكاية تاريخية عن الإسكندر الأكبر وملك الصين ليؤكد أن تفادي الحرب في ذاته نوع من الانتصار، وأن أي حرب، حتى لو بدت نتيجتها انتصارا، تضعف موارد الدول وتستنزفها على حساب المصلحة الوطنية، ومن هنا، يدعو إلى تغليب منطق السلم والاستقرار على حساب المغامرة العسكرية.

كلمات مفتاحية: