من الجفاف إلى القلق المناخي… المشهد المائي الإيراني يدخل مرحلة حرجة

مع تفاقم الضغوط المائية واتساع مظاهر الجفاف في مختلف مناطق البلاد، تتصاعد المخاوف من دخول إيران مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب البيئي والإنساني، فالتغيرات المناخية الحادة، وتراجع الموارد السطحية، والاعتماد المتزايد على الخزانات الجوفية، باتت تشكل واقعا يوميا ينعكس على الأمن المعيشي والصحي والنفسي للمواطنين، ولم يعد الحديث عن أزمة المياه مقتصرا على الخبراء أو المؤسسات المختصة، بل أصبح جزءا من خطاب عام يلامس تفاصيل الحياة، وسط تحذيرات مستمرة من تداعيات قد تطال المدن والقرى والاقتصاد والمجتمع بأكمله إذا استمر التدهور بالوتيرة الحالية.

فقد أشارت بيانات رسمية حديثة إلى تفاقم المخاوف بشأن مستقبل الموارد المائية في إيران، بعد تسجيل تراجع غير مسبوق في الغطاء الثلجي خلال العقدين الماضيين، فقد أظهرت قياسات الأقمار الصناعية في منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 انخفاضا تجاوز 98% مقارنة بالعام الماضي، وما يقرب من 100% مقارنة بمتوسط السنوات العشرين الأخيرة، وهو ما يصفه الخبراء بأنه تدهور استثنائي يهدد الأمن المائي للبلاد. 

هذا التراجع الحاد في الثلوج، والتي تعد الخزان الطبيعي الأهم للمياه السطحية، أدى إلى انخفاض كبير في واردات السدود والأنهار، ما قد يعرض المدن الكبرى في الصيف المقبل لمشكلات في تأمين مياه الشرب، تشمل ضعف الضغط واحتمال فرض قيود على الاستهلاك وربما الانقطاعات المؤقتة، كما يتوقع أن ينعكس الوضع سلبا على الزراعة عبر تقليص المساحات المزروعة وتراجع الإنتاج.

Image

على الجانب الأخر ونتيجة لضعف الموارد السطحية، يتزايد الاعتماد على المياه الجوفية، مما يرفع مخاطر هبوط الأرض وجفاف الآبار والقنوات التقليدية، ويهدد بتفاقم التعرية وتوسع بؤر العواصف الترابية، إضافة إلى تأثيرات مباشرة على النظم البيئية.

من جهته، وصف محمد جوان‌ بخت، نائب وزير الطاقة ومدير شركة إدارة الموارد المائية الإيرانية، وضع السدود بأنه مقلق، مشيرا إلى انخفاضات غير مسبوقة في السدود الرئيسية المزودة لمياه الشرب في طهران وتبريز ومشهد وغيرها، كما انخفض مخزون بعض السدود إلى أقل من 5%، بينما باتت بعض المنشآت لا تحتفظ إلا بالحد الأدنى للحفاظ على استقرارها الإنشائي، ويحذر خبراء من أن استمرار هذا المسار قد يدفع إلى توترات مائية ويعيق خطط التنمية، مؤكدين ضرورة إدارة أكثر صرامة للطلب على المياه وتعزيز البنية التحتية لمواجهة أزمة قد تمتد إلى السنوات المقبلة.

Image

أزمة المياه والأمن النفسي للمجتمع

تعيش إيران مرحلة غير مسبوقة من القلق العام المرتبط بالأمن المائي، بعدما تحول شح المياه من ملف بيئي وتقني إلى عامل مباشر يهدّد الاستقرار النفسي والاجتماعي للمواطنين، ومع دخول البلاد خريفها السادس الجاف وتراجع مخزون السدود إلى مستويات حرجة، باتت الهواجس اليومية حول مستقبل الماء جزءا من الحياة.

ففي تقرير نشرته صحيفة هم ميهن الإصلاحية اليوم 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، وثقت الصحيفة حالة انعدام الأمن النفسي التي يعيشها المواطن الإيراني في جميع أنحاء البلاد، فكتبت” في عدد من المدن، بدأ المواطنون يعيشون الأزمة قبل أن يصل تأثيرها المباشر إلى منازلهم، في طهران، تضع سيما، مواطنة إيرانية، زجاجات مياه في كل زاوية من منزلها، وتحتفظ بكولمن كبير داخل الحمّام تحسبا لانقطاع مفاجئ، فمجرد احتمال أن تفقد قدرتها على الالتزام بروتين الاستحمام الصباحي يضعها تحت ضغط نفسي كبير، ويجعل يومها مشحونا بالانزعاج والخوف، فبالنسبة لها، الحديث عن احتمال إخلاء طهران بسبب نقص المياه لم يعد سيناريو بعيدا، ولم تكن سيما وحدها هي التي تشعر بذلك، فالعديد من الشهادات تروي نفس المأساة، الخوف العام من المستقبل المائي الغامض”.

Image

ويتابع التقرير” يتزامن القلق الاجتماعي المتفاقم مع معطيات مائية شديدة القسوة، فإيران تشهد للسنة السادسة على التوالي خريفا جافا، فيما تراجع تدفّق المياه إلى السدود بنسبة 40% مقارنة بالعام الماضي/ من أصل القدرة الكلية لخزانات السدود، لا يزيد المخزون الفعلي حاليا على 33%، بينما تبقى 67% من السعة فارغة أو في الحد الأدنى الذي يحفظ استقرار المنشآت، وفي طهران، سجلت للمرة الأولى منذ ستة عقود خمسة أعوام متتالية من الجفاف، مع غياب شبه كامل للأمطار منذ بداية السنة المائية، هذا الواقع يضع العاصمة، التي تعد الأكثر اعتمادا على السدود، في مواجهة مباشرة مع احتمالات تقنين واسع أو انقطاعات طويلة في حال استمرار التراجع”.

وسلط التقرير الضوء أيضا على التأثير النفسي للظاهرة، فقال” على الصعيد النفسي، برز اتجاه جديد في الأبحاث يشير إلى أن التغيرات المناخية، وما يصاحبها من جفاف وتقلبات حادة، تخلق نمطا من الاضطراب النفسي يعرف بالقلق المناخي، هذا النوع من القلق لا يقتصر على المتضررين مباشرة، بل يشمل فئات واسعة تتأثر بما تنقله وسائل الإعلام والتقارير العلمية والتحذيرات الرسمية، ففي إيران، تظهر الدراسات أن نسبة كبيرة من المواطنين تعيش توترا وخوفا شديدين تجاه مستقبل المياه والمناخ، فيما تربط أبحاث طبية بين الحرارة المرتفعة، وتفاقم التلوث، وانخفاض جودة الهواء من جهة، وبين اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب والإنهاك الذهني من جهة أخرى. 

كما يشير متخصصون إلى أن القلق المناخي له وجهان، أحدهما سلبي يتمثل في الحزن والإحباط والشعور بالعجز، والآخر إيجابي قد يحفز سلوكيات حماية البيئة، إلا أن الوجه السلبي يبدو أكثر حضورا في إيران بسبب ضعف الثقة في القدرة المؤسسية على إدارة الأزمة وغياب خطط واضحة لمرحلة الطوارئ”.

Image

وعن عدم المساواة في سياسات المياه، ذكرت الصحيفة”أحد أخطر أبعاد الأزمة يكمن في عدم عدالة استهلاك الماء، ففي حين تطلب من ملايين المواطنين ممارسة ترشيد قاس، تظهر البيانات أن نصف استهلاك مياه الشرب في طهران يتركز في المناطق الأكثر ثراء، بمعدلات تتجاوز 400 لتر للفرد يوميا، مقابل استهلاك محدود للفئات الأقل دخلا، هذا التفاوت يفاقم الإحساس بالظلم ويعمق القلق العام، خصوصا أن الضغط على الموارد يتحمله الجميع بينما تستفيد منه قلة صغيرة، تجارب عالمية، مثل أزمة اليوم صفر، في كيب تاون، تكشف أن الأقليات الميسورة في المدن الكبرى غالبا ما تكون المستهلك الأكبر للمياه، فيما تحمل المسؤولية على عامة الناس، المشهد يبدو مشابهاً في طهران، حيث يستهلك عدد محدود من الأحياء الراقية قرابة نصف الماء المتاح للمدينة.

وينتقد التقرير كذلك الإدارة الخاطئة لإدارة الأزمة كما وصفها، حيث أوضح” برغم خطورة الوضع، لا توجد رؤية واضحة لإدارة أزمة المياه في إيران، فالمؤسسات المعنية تكتفي بدعوات عامة للترشيد دون تحديد سيناريوهات واضحة أو جداول زمنية أو مستويات طوارئ مفهومة للناس، هذا على عكس دول تبنت استراتيجيات ناجحة، مثل جنوب أفريقيا التي حوّلت اليوم صفر إلى برنامج تعبئة شعبية عبر توفير بيانات دقيقة ومباشرة للجمهور، وتحديد حد استهلاك يومي صارم قدره 50 لترا للفرد، كذلك فإن غياب الشفافية في إيران يعمق الفجوة بين الإدارة والجمهور، ويجعل القلق المائي حالة عامة لا يمكن ضبطها أو تحويلها إلى سلوك إيجابي، خصوصاً أن الناس يشعرون بأنهم مطالبون بالتقليل من استهلاكهم فيما تواصل قطاعات ومؤسسات هدر موارد ضخمة دون محاسبة”.

هل من سبيل لحل الأزمة؟

في ظل تزايد الحديث عن مخاطر شح المياه واتساع تأثيراته على الحياة اليومية في المدن الكبرى، تتجه الأنظار نحو الأسئلة الأهم، ما الحلول المتاحة؟ وكيف يمكن للمجتمعات أن تتعامل مع أزمة تتسارع وتيرتها عاما بعد عام؟ وما الذي يجب تطبيقه فورا، وما الذي يحتاج إلى تخطيط طويل المدى؟ هذه الأسئلة لم تعد حكرا على الخبراء، بل باتت جزءا من نقاش عام يشمل كل فرد، في وقت يتزايد فيه الشعور بأن إدارة المياه لم تعد مسألة فنية فقط، بل قضية مرتبطة بالأمن المعيشي اليومي.

حلول تشغيلية ومجتمعية مباشرة

بهذا الشأن، قدم محسن أردکاني، مدير شركة مياه طهران، مجموعة حلول تركز على الإجراءات السريعة التي يمكن أن تخفف الضغط على شبكة المياه، فيشير أولا إلى أن خفض الاستهلاك المنزلي بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20%  قد ينعكس فورا على قدرة الشبكة في مواجهة تراجع الموارد، ويعرض خطوات محددة يسهل على السكان تطبيقها، مثل تقليل مدة الاستحمام، تشغيل الغسالات والجلّايات بحمولة كاملة، إغلاق الصنابير عند عدم استخدامها، والاكتفاء بكوب واحد أثناء تنظيف الأسنان.

Image

كما يدعو إلى تعميم استخدام أدوات ترشيد المياه في الصنابير، وهي أدوات توفر ما يصل إلى 30% من الاستهلاك دون أن يشعر المستخدم باختلاف في تدفق المياه، ويؤكد أن الشركة وفرت إمكانية الحصول عليها بالتقسيط من خلال مراكز الاتصال الخاصة بها، بهدف تسهيل عملية انتشارها في المنازل.

ويشير أردکاني أيضا إلى أن تجهيز المنازل بخزانات ومضخات معيارية بسعة 75 لترا للفرد يساعد في التغلب على الانخفاض الليلي للضغط، وهو إجراء يتم اللجوء إليه لتوزيع المياه بالشكل الأكثر عدلا في ظل محدودية الموارد، مضيفا أن بعض المشروعات، مثل الخط الثاني لنقل مياه طالقان، زادت بالفعل من الكميات المتاحة، وإن كان حجم هذه الزيادة لا يغطي إلا جزءاً محدوداً من احتياجات العاصمة.

ويذكر أن الشركة تعمل في الوقت ذاته على إدارة الشبكة بما يضمن توزيعا متوازنا للمياه، مشيرا إلى أن الالتزام المجتمعي بخفض الاستهلاك يظل عاملا مهما في تقليل احتمالات اللجوء إلى الانقطاعات الاضطرارية أو القيود المؤقتة، ويؤكد أن الأدوات المتاحة حاليا، سواء على مستوى إصلاحات الشبكة أو تنظيم الضغط أو تيسير الحصول على معدات الترشيد، تشكل منظومة حلول قابلة للتطبيق المباشر داخل البيوت.

حلول استراتيجية وإدارية واسعة النطاق

من جهته، يعرض علي ميرجي، المتخصص في الموارد المائية في جامعة ولاية أوكلاهوما، حلولا تركز على إدارة الموارد من زاوية علمية واستراتيجية، ويؤكد بداية أهمية التوجه نحو إعادة تدوير المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي للاستخدام المباشر أو غير المباشر، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لحلول الأمن المائي حول العالم، مشيرا إلى أن اعتماد هذه الممارسات يحتاج إلى تجهيزات تقنية ومالية، بالإضافة إلى جهود ثقافية تمكن المجتمع من تقبّل المياه المعالجة.

Image

ويتحدث ميرجي عن ضرورة إصلاح شبكة التوزيع، لافتا إلى أن ما بين 30 و40% من مياه طهران تفقد بسبب التسربات داخل الأنابيب، ويطرح حلولا تعتمد على استخدام الذكاء الاصطناعي وأنظمة مراقبة الضغط للكشف عن هذه التسربات وتقليل الفاقد، بما ينسجم مع المعدلات العالمية التي تتراوح بين 5 و15%، ويشير أيضا إلى أهمية تحسين إدارة المياه الجوفية والسيول، وإمكانية استخدام موارد المياه المالحة الداخلية عبر تقنيات التحلية الملائمة بيئيا، شرط أن يتم ذلك وفق دراسات دقيقة تراعي ظروف كل منطقة.

ويعرض الأكاديمي في مجال الموارد المائية جانبا اقتصاديا ضمن الحلول، يتمثل في تقليل اعتماد الاقتصاد على الأنشطة كثيفة الاستهلاك للمياه، وفتح المجال أمام أنشطة بديلة يمكن أن توفر فرص عمل دون الضغط على الموارد، كما يشير إلى ضرورة استيراد المحاصيل الأكثر استهلاكا للمياه بدلا من إنتاجها محليا، كي تستخدم الموارد المحدودة في الأنشطة الأكثر جدوى.