شائعة استقالة نائب الرئيس… معركة جديدة بين الأصوليين وحكومة بزشكيان

لم تكن الساعات الأولى من صباح يوم الأحد 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 عادية في المشهد السياسي الإيراني، فبينما كانت الأنظار تتجه نحو الزيارة الرسمية التي يجريها محمد رضا عارف، النائب الأول لرئيس الجمهورية، إلى موسكو للمشاركة في قمة منظمة شنغهاي، فجرت بعض الحسابات المقربة من التيار الأصولي شائعة مفادها أن عارف قدم استقالته، وأن الحكومة تستعد للإعلان عن تغييرات وشيكة في قمة هرمها التنفيذي، خلال دقائق، غمرت وسائل التواصل الاجتماعي موجة واسعة من المنشورات والتكهنات، لتتحول الشائعة إلى حديث اليوم، قبل أن تتدخل الحكومة رسميا وتضع حدًا لهذا الجدل غير المسبوق.

هذه الشائعة، التي أثارت ضجة كبيرة، لم تأت من فراغ، بل بدت امتدادا لسلسلة طويلة من الهجمات التي يشنها التيار الأصولي على النائب الأول منذ توليه منصبه قبل أكثر من عام، فهل ما حدث محاولة لتكرار السيناريو الذي أطاح بمحمد جواد ظريف؟ وكيف تعاملت الحكومة مع القضية؟ وهل بات موقع عارف في حكومة بزشكيان مهددا فعلا؟

شرارة الشائعة… تغريدة ثم كرة ثلج إعلامية

بدأ كل شيء بتسريب نشرته إحدى القنوات المقربة من الحكومة، تحدث عن استقالة عارف وتوقعات بإسناد منصب النائب الأول لشخصيتين آخريين هما اسکندر مؤمني، وإسحاق جهانغيري، وسرعان ما التقطت منصات أصولية هذه الإشاعة وروجتها بوتيرة متسارعة، لتنتقل بعد دقائق إلى فضاءات أوسع على منصات التواصل الاجتماعي.

Image

وعلى الرغم من عدم وجود أي مصدر رسمي يدعم الخبر، إلا أن الترويج الكثيف له أعطاه طابعا من المصداقية اللحظية، خصوصا في ظل استمرار حملة إعلامية تستهدف عارف وعدد من الوزراء في حكومة الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، منذ أسابيع، لكن بعد أقل من ساعة، خرجت وكالة أنباء فارس لتنفي الشائعة وتعلن بقاء عارف في منصبه، ما أعطى إشارة أولى بأن هناك من يحاول هندسة موجة سياسية مصطنعة لأهداف غير واضحة، على حسب وصف وسائل الإعلام.

رسائي … اللاعب الأبرز في الهجوم على عارف

هذا ومنذ اللحظات الأولى من انتشار الإشاعة، كان اسم النائب البرلماني الأصولي الشهير، حميد رسائي، مقترا بالخبر، فالبرلماني عن مدينة طهران لم يخف انتقاداته لعارف منذ اللحظة الأول التي دخل فيها بصحبة بزشكيان إلى قصر الباستور في أغسطس/ آب 2024، ومؤخرا، في جلسة علنية للبرلمان بتاريخ 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، كرر رسائي اتهامه بأن منصب عارف غير قانوني، مستندا إلى بند في قانون شغل الوظائف الحساسة يمنع تولي وظائف عليا لمن يحمل هو أو زوجته أو أبناؤه جنسية مزدوجة، بل وذهب رسائي إلى أبعد من ذلك حين قال إنه سبق أن تحدث مع عارف شخصيا حول الموضوع، وإن الأخير رفض التدخل في شؤون أبنائه، ليرد عليه رسائي قائلا” السيد عارف، القانون يتدخل في شؤوننا جميعا”.

Image

وبعد أيام من تلك التذكرة البرلمانية، نشر رسائي مقطع فيديو آخر على مواقع التواصل الاجتماعي خاطب فيه عارف مباشرة، قائلا” يا سيد عارف، من فضلك لا تأت إلى البرلمان، فمنصبك غير قانوني، لا يمكن هدم كشك بائع متجول في الأهواز بسبب القانون، بينما لا يطبق القانون عليك”، هذه اللغة التصعيدية لم تكن مجرد اعتراض قانوني، بل حملت نبرة تهديد سياسي واضحة، أعادت إلى الأذهان ما فعله رسائي سابقا مع محمد جواد ظريف، حين لعب دورا مركزيا في الضغوط التي انتهت بخروجه من الحكومة.

Image

رد الحكومة.. لا استقالة ولا حديث عنها

أمام اتساع نطاق الشائعة، كان لا بد للحكومة من التدخل بشكل واضح، فجاءت التصريحات الحكومية حاسمة وسريعة، لنفي أي وجود لاستقالة داخل الحكومة أو حتى نقاش حول هذا الأمر، حيث قال إلياس حضرتي، رئيس مجلس الإعلام الحكومي، في تصريح رسمي إن شائعات الاستقالة ليست جديدة، وقد تكررت مرارا بحق الرئيس نفسه، وبحق وزراء ومعاونين ومسؤولين كبار، ولم يتحقق أي منها، وأكد حضرتي ” لا توجد أي خطة للاستقالة داخل الحكومة. جميع أعضاء الحكومة يعملون بشكل منسجم ومطرد لحل مشكلات البلاد، وكثير من هذه المشكلات في طريقها للحل”.

Image

بدوره، أكد كامل تقوي ‌نجاد، أمين هيئة الحكومة، أنه” لا توجد أي ثغرة قانونية في تعيين عارف”، وأن الحكومة ليس عليها الرد على كل تصريح يصدر عن نائب هنا أو هناك، مضيفا “لو كانت هناك مخالفة لتدخلت الأجهزة المختصة، أما كلام نائب واحد، فلا يستدعي ردا حكوميا”.

Image

أما المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، فقد أشادت بعمل عارف، ووصفت وجوده في الحكومة بأنه” فرصة مهمة للاستفادة من خبرته العلمية والإدارية”، مؤكدة أنها لا تعلم بأي مخالفة قانونية بشأنه.

Image

في ذروة انتشار الشائعة، نشر علیرضا خامسیان، مسئول الاتصال والإعلام في مكتب النائب الأول، تدوينة على حسابه على منصة إكس وصف فيها الشائعة بأنها محاولة لإثارة الضجيج قبيل سفر عارف إلى موسكو، وقال خامسيان” هناك من لا يفهمون معنى المصلحة الوطنية، ويسعون لإثارة الجدل عبر فبركة الأخبار، هذا السفر أحد أهم الرحلات الدبلوماسية بعد آلية السناب باك، والبعض يريد تشويهه بأي ثمن”.

Image

الأصوليون… من معركة الوظائف الحساسة إلى شائعة الاستقالة

لفهم خلفيات الهجوم على عارف، لا بد من العودة إلى السياق الأوسع للصراع بين التيار الأصولي وحكومة بزشكيان، فمنذ تشكيل الحكومة الرابعة عشرة في تاريخ إيران بعد الثورة، وحصول وزرائها على الضوء الأخضر جميعا من قبل البرلمان، تبنى الأصوليون خطا هجوميا واضحا ضد عدد من الوزراء والمسؤولين المقربين من الجناح الإصلاحي أو المعتدل.

Image

كذلك، فلا يمكن إغفال أن سحب الحكومة لمشروع قانون الوظائف الحساسة من البرلمان قبل أسابيع كان ضربة مباشرة للتيار الأصولي، الذي رأى في القانون سلاحا جاهزا لإقصاء خصومه داخل هياكل الدولة، فبمجرد سحب المشروع، بدأ هذا التيار حملة مضاعفة على عارف، كأحد أبرز الوجوه الإصلاحية في الحكومة، في محاولة ربما لتعويض خسارة سياسية فادحة.

Image

كما أن الأصوليون غاضبون من سياسة الحكومة فيما يتعلق بقانون العفاف والحجاب، الذي لم تنفذه حكومة بزشكيان حتى الآن، والذي صرح بزشكيان بصريح العبارة أني لن أنفذه، ما أدى إلى تصاعد الخلافات بين الطرفين.

Image

هذا وكان لأصولي البرلمان، المعروفين بجبهة الصمود، جولات ضد الحكومة ورجالها، واستطاعوا بجر عدد من الوزراء إلى تحت قبة بهارستان للاستجواب العلني، كوزير الاستخبارات الإيراني الذي ولأول مرة تخضع وزارته للاستجواب البرلماني على مر وزرائه منذ تأسيسها بعد الثورة، كما نجح الأصوليين في سحب الثقة من عبد الناصر همتي، وزير الاقتصاد ومحافظ البنك المركزي الأسبق، بعد استجواب علني دافع فيه عنه بزشكيان.

لتأتي بعد ذلك أهم ضربة وجها التيار الأصولي إلى حكومة بزشكيان، وهي توالي الضغط على ظريف ما دفعه لتقديم استقالته ليلة سحب الثقة من همتي في الأول من مارس/ آذار 2025، ليستطيعوا بذلك الأنهاء على أحد أهم خصومهم السياسيين منذ فترة حكم حسن روحاني.

هل يتكرر سيناريو ظريف؟

السؤال الذي تردد بقوة في الأوساط السياسية الإيرانية الآن هو، هل يواجه عارف المصير نفسه الذي واجهه ظريف، أي الخروج تحت ضغط الأصوليين؟ والجواب على ذلك ليس بسيطا، فقد أوضحت صحيفة ابتكار في عددها الصادر الإثنين 17 فبراير/ 2025 أنه من ناحية، تبدو حملة الأصوليين ضد عارف أكثر حدة وتنظيما مما كانت عليه قبل أسابيع، ويبدو واضحا أن هذا التيار يريد تقليص نفوذ الإصلاحيين والمعتدلين داخل الحكومة قدر الإمكان، خصوصا بعد إحباط مشروع قانون الوظائف الحساسة.

لكن من ناحية أخرى، تظهر الحكومة متماسكة في دعمها لعارف، بل تبدو مصرة على حماية تركيبتها الداخلية من الضغوط السياسية، فبزشكيان لا يعطي انطباعا بأنه مستعد للتضحية بأحد أركان حكومته لإرضاء التيار الأصولي، وذلك على حسب وصف الصحيفة، إضافة إلى ذلك، فإن الظروف اليوم تختلف كثيرا عن تلك التي أحاطت بظريف، فعارف ليس شخصية جدلية في السياسة الخارجية، كما أن موقعه كنائب أول لا يرتبط بنزاعات سياسات خارجية أو ملفات حساسة، ما يجعل استهدافه أصعب بكثير من استهداف ظريف.

وبينما يعتقد البعض أن الضغط الحالي قد ينجح في تقليل مساحة تأثير عارف داخل الحكومة، إلا أن الإطاحة به تبدو بعيدة في الوقت الراهن، خاصة في ظل الدعم الصريح الذي تلقاه من كبار المسؤولين.

استنتاجات… ما وراء الشائعة

تكشف شائعة استقالة عارف عدة حقائق مهمة عن الوضع السياسي الراهن في إيران، أولها أن الصراع بين الحكومة والتيار الأصولي يزداد حدة، وأن هذا التيار يستخدم أدوات إعلامية وشعبوية لإرباك الحكومة وإظهارها ككيان متفكك، كذلك فإن الحكومة تبدو أكثر تماسكا مما يشاع، وقد تعاملت سريعا مع الموجة الإعلامية ونفتها بشكل قاطع، كما أن ما حدث يعكس محاولة واضحة لتكرار سيناريو ظريف، لكن الظروف الحالية لا تمنح الأصوليين القوة نفسها لفرض النتيجة، وأخيرا، يظهر أن بعض التيارات السياسية أصبحت تعتمد على الشائعات والفضاء الإلكتروني كأداة ضغط أساسية، وهو ما يشير إلى مرحلة جديدة من الصراع السياسي يعتمد فيها الإعلام الموجه كعامل رئيسي في تشكيل الرأي العام.

Image

في النهاية، ورغم انتهاء الشائعة رسميا، إلا أن الصحف الإصلاحية ترى أن موجة الهجمات على عارف تبدو أبعد من أن تتوقف قريبا، كما يبدو أن التيار الأصولي سيستمر بالضغط على حكومة بزشكيان ومحاولة تضييق مساحات الحركة أمامها، في حين تواجه الحكومة تحدي الحفاظ على الانسجام الداخلي وسط عاصفة سياسية لا تهدأ.