إيران تحوّل التهديدات الغربية إلى فرص وتواجهها بالرد المتبادل لا بالانفعال

نشرت صحيفة كيهان الأصولية، مساء الأربعاء 27 أغسطس/آب 2025، تقريرا أفادت فيه بأنه في مواجهة السيناريو المتكرر لأوروبا والولايات المتحدة لم يعد هناك مكان للتفاؤل أو الانتظار، فالتجربة أظهرت أن الغرب لا يفهم سوى لغة القوة، وأن على إيران أن تثبت بقرارات حاسمة- من الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) إلى فرض قيود في مضيق هرمز- أن تهديدات العدو لن تبقى بلا رد.

وأضافت الصحيفة أن الغربيين مرة أخرى، من خلال تكرار سيناريوهات التهديد والضغط المستهلكة والتي لا تؤتي ثمارا، أظهروا أن قاموس السياسيين في أوروبا وأمريكا يخلو أساسا من مفاهيم مثل الاتفاق، واحترام الالتزامات والتمسك بالعقود، وإذا كان بعض المتفائلين في الداخل، في السنوات الأولى بعد توقيع الاتفاق النووي، يظنون أنه ربما بالصبر والتساهل يمكن إجبار الطرف الغربي على الالتزام، فإن اليوم، بعد مرور سبع سنوات على الموت الرسمي للاتفاق، حتى مهندسو هذا الاتفاق يعترفون بفشله.

وتابعت أنه في الأيام الأخيرة للاتفاق النووي وقرار 2231، الذي تعرض فعليا للموت المبكر بعد الانسحاب الأحادي للولايات المتحدة في 2018، خرج الأوروبيون بوقفة متطلبة، مقدمين آخر سلاح لهم، وهو آلية الزناد، أن السلاح يُظهر بوضوح نتيجة سوء تقدير وبساطة تفكير التيار الداعم للاتفاق، واليوم حولوه إلى عصا ضد الشعب الإيراني.

أوروبا أكثر عداء من أي وقت مضى
أوضحت الصحيفة أن المفاوضات الأخيرة في جنيف بين إيران والأطراف الأوروبية في الاتفاق النووي أثبتت مرة أخرى بوضوحٍ أن أوروبا ليس لديها فقط إرادة للعودة إلى المسار الصحيح، بل إنها عمدا تمارس المماطلة وتلعب بالنار مع إيران، وأفادت وكالة رويترز البريطانية صراحة أن الدول الأوروبية الثلاث قررت بدء تفعيل آلية الزناد اعتبارا من يوم الخميس 28 أغسطس/آب 2025، وهذا القرار يعني نهاية آخر أمل ضئيل كان البعض في الداخل يحتفظ به لإحياء الاتفاق النووي.

وأردفت أن الأوروبيون يعرفون جيدا أن الاتفاق النووي مات، ومع ذلك يواصلون محاولة استغلال بقاياه ضد إيران، وهذا هو النهج الحقير ذاته الذي تم تجربته مرارا خلال السنوات السبع الماضية، ولم يسفر كل مرة إلا عن زيادة جرأتهم وفرض ضغوط
أكبر على الشعب الإيراني
.

صوت الشعب ضد خداع الغرب
أكَّدت الصحيفة أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، اعترف بما كان الشعب الإيراني يصرخ به منذ سنوات، فقد قال أن الكثيرون في الداخل يعتقدون أن التفاوض مع الولايات المتحدة بلا جدوى، وأن الناس يقولون له لا تضيع وقتك بعد الآن، ولا تنخدع بخداعهم.

وأبرزت أن هذا في الحقيقة يعكس الحقيقة التي أدركها الشعب الإيراني طوال سنوات تجربته مع التفاوض مع الغرب؛ فالتفاوض مع الولايات المتحدة وأوروبا لم يثمر سوى الخداع والإذلال وإضاعة الوقت.

وتساءلت عن أنه لماذا يجب على جهاز الدبلوماسية في إيران أن يظل مرتبطا بمسار لا يردع أفعال الغربيين فحسب، بل يعمل كإشارة ضعف تزيد عدوانية العدو؟ وشدَّدت على ضرورة أن تأخذ وزارة الخارجية هذا التحذير بجدية في الممارسة العملية وتتوقف عن اتباع سياسات بلا جدوى ومكلفة.

الحرب النفسية لآلية الزناد والتيار الداخلي المتسلل
بيَّنت الصحيفة أن أحد أبعاد هذه الأزمة الخطيرة هو محاولة التيار الداخلي الموالي للغرب لإثارة الرعب حول آلية الزناد، وهذا التيار، بالتعاون مع وسائل الإعلام الداخلية والخارجية، يخلق حالة من الفوضى الاصطناعية في الأسواق ويستغل هذا الاضطراب الاقتصادي لتحقيق مصالح حزبية ومالية ضيقة. 

وذكرت أن هذا التيار لم يكتفِ في السنوات الماضية، بتقديم المصالح الوطنية فداء لأهدافه الحقيرة، بل يسعى اليوم أيضا إلى إدارة الوضع الداخلي لصالحه من خلال تخويف الشعب والمسؤولين من آلية الزناد.

وأبلغت أن آلية الزناد لا تؤثر بشكل ملموس على اقتصاد أو أمن إيران، فالعودة إلى قرارات مجلس الأمن السابقة للاتفاق النووي لا تختلف عمليا عن الوضع الحالي، لأن إيران تخضع حاليا لأقصى العقوبات الأمريكية، وعلاوة على ذلك، خلال تطبيق القرار 1929، الذي كان أهم قرار لمجلس الأمن ضد إيران، لم ينخفض حجم صادرات النفط الإيراني إلى شركائها أبدا عن مليون برميل يوميا.

التجربة التاريخية لإيران أمام القرارات الدولية
أوردت الصحيفة أنه خلال فترة القرار 1929 لمجلس الأمن، الذي يُعتبر أحد أشد القرارات ضد إيران، وخمسة قرارات عقابية أخرى، استطاعت إيران الحفاظ على صادرات نفطها فوق مليون برميل يوميا، في المقابل، خلال فترة تنفيذ الاتفاق النووي وقرار 2231، وبسبب سوء إدارة حكومة الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني والعقوبات الثانوية الأمريكية، هبطت صادرات النفط الإيرانية إلى 200 ألف برميل فقط.

وأبرزت أنه فقط مع بداية حكومة الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي واعتماد سياسة الانخراط مع العالم غير الغربي، بدأ معدل صادرات النفط في الارتفاع مجددا، واليوم، رغم أشد العقوبات الأمريكية، عاد مستوى الصادرات إلى حد لا يمكن إنكاره حتى من قبل الأعداء.

وأظهرت أن هذه التجربة التاريخية تُظهر أن قرارات مجلس الأمن ليست أكثر من أوراق بلا قيمة، تماما كما لم يمنع القرار 2231 العقوبات الأمريكية، فإن أي قرارات محتملة عبر آلية الزناد لن تؤثر بشكل جوهري على العقوبات المفروضة على إيران.

وأبلغت أن جنرالات النفط في حكومة روحاني كانوا يصورون المسؤولين السابقين كجنود مبتدئين، في حين أنه خلال حكومة الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد وفترة ستة قرارات لمجلس الأمن الناتجة عن مفاوضات حكومة الإصلاحات وقرار مجلس الحكام، لم تنخفض صادرات إيران إلى حلفائها وشركائها مثل الصين أبدا عن مليون برميل يوميا، وفي الأشهر الأخيرة قبل أغسطس 2013 بدأت إيران تستعيد موقعها في سوق النفط بوتيرة جيدة.

وأضافت أنه في المقابل، أظهرت حكومة روحاني وجنرالاتها المزعومون فشلهم وعجزهم بعد الانسحاب الأمريكي الأحادي من الاتفاق النووي، حيث خفضوا صادرات النفط في نهاية حكمهم إلى رقم كارثي يبلغ 200 ألف برميل يوميا، رغم ادعائهم بأن لا عقوبات أو ضغوط من مجلس الأمن كانت قائمة ضد إيران.

وبيَّنت أن اليوم، يحاول الفريق نفسه تخويف الرأي العام من عودة قرارات مجلس الأمن، وهم يعرفون جيدا أن قرارات مجلس الأمن لا تعدو كونها أوراقا بلا قيمة، وأن العمود الفقري للعقوبات يعتمد على العقوبات الثانوية الأمريكية، التي لا تتأثر بقرارات مجلس الأمن.

الحرب والسلام غير مرتبطين بالقرارات
سلَّطت الصحيفة الضوء على أن الكذبة الكبرى للتيار الموالي للغرب هي أن تفعيل آلية الزناد قد يضع إيران على شفا الحرب، ولكن الحقيقة أن الحرب والسلام في العلاقات الدولية لم تكن يوما مرتبطة بقرارات مجلس الأمن، ولن تكون، والمثال الواضح على ذلك هو غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003 دون أي إذن من مجلس الأمن، وغزو روسيا لأوكرانيا عام 2022.

وتابعت أن ربط آلية الزناد بإمكانية الحرب ضد إيران ليس سوى حملة تضليلية وتوتر نفسي متعمد، وحتى خلال فترة الاتفاق النووي وقرار 2231، كانت إيران هدفا للحرب التخريبية الإسرائيلية والحرب الاقتصادية الشاملة الأمريكية، إذن هذه القرارات لم تكن أبدا درعا للسلام أو حماية من العدوان.

الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار؛ الرد الحاسم
نوَّهت الصحيفة أنه بعد أن دمر الغربيون كل جسور الثقة وخطوا صراحة في مسار العداء لإيران، فإن أفضل وأقوى رد هو انسحاب إيران من معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT)، فأكثر من نصف قرن من العضوية لم يحقق أي إنجاز، بل أصبح مجرد أداة لتقييد إيران، كما أن انسحاب إيران من المعاهدة أمام آلية الزناد سيرسل رسالة واضحة للغربيين بأن قواعد اللعبة قد تتغير، وأن أي عمل عدائي سيواجه برد مناسب.

وأشارت إلى أن النظام الإسرائيلي رغم عدم عضويته في NPT، يمتلك عشرات الرؤوس النووية، ولم يتعرض لضغط دولي، بل يهاجم منشآت إيران السلمية بحرية، كما أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بدلا من إدانة هذه الاعتداءات، تعمل كذراع ضغط للغرب، ويقف مديرها العام رافائيل غروسي صراحة إلى جانب إسرائيل.

وأكَّدت أن انسحاب إيران من المعاهدة سيرسل رسالة واضحة للعالم، بأن إيران لن تبقى مقيدة بمعاهدة تحولت عمليا إلى أداة ضغط وتهديد ضدها.

تقييد حركة المرور في مضيق هرمز؛ رافعة ردع
لفتت الصحيفة إلى أنه إلى جانب الانسحاب من NPT، يجب على إيران تفعيل أدوات الردع العملية، ويمكن لتقييد حركة السفن الغربية في مضيق هرمز أن يكون ردا عمليا على تهديداتهم، فمضيق هرمز هو شريان الطاقة العالمي، وأي تقييد فيه يرسل رسالة واضحة للغرب، أن  إيران ترد على التهديد بالتهديد.

الحضور المشبوه لمفتشي الوكالة؛ تكرار خطأ مكلف
أفادت الصحيفة بأنه في الوقت الذي يهدد فيه الأوروبيون آلية الزناد بأقصى خبث ضد إيران، ويتخذ رافائيل غروسي، مواقف جريئة إلى جانب النظام الإسرائيلي، أصدرت وزارة الخارجية خبرا يستحق الانتباه، وهو أنه تم تأكيد حضور مفتشي الوكالة في إيران استنادا إلى قرار المجلس الأعلى للأمن القومي.

وأظهرت أن هذا الخبر يسلط الضوء مجددا على ضرورة الالتزام الكامل بمصادقة البرلمان الإيراني بشأن تعليق التعاون مع الوكالة خارج نطاق البروتوكولات الإضافية، فالقرار تم إقراره بعد سنوات من التجارب المريرة مع تعاون بلا جدوى مع الوكالة، لمنع استغلال الأعداء للوصول غير المبرر والتقارير المتحيزة. 

وأقرَّت بأنه إذا اختارت الجهات المعنية تفسير هذا القانون أو الالتفاف عليه، فسيكون ذلك عمليا بإبطال مصادقة البرلمان وتقليص استقلالية القرار الوطني.

وأوضحت أن إيران فتحت أبواب منشآتها النووية بحسن نية مرارا، فكانت النتيجة تقارير متحيزة، وتزييف الملفات، وهجمات إرهابية إسرائيلية على قلب الصناعة النووية الإيرانية، كما أن شهداؤنا النوويون، من علي محمدي وشهرياري إلى فخري‌ زاده وعباسي وتهرانجي، كانوا ضحايا لهذا التفاؤل الساذج، فما الضمان أن يؤدي حضور المفتشين مجددا إلى تسهيل مخططات العدو لهجمات جديدة؟

وبيَّنت أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية ابتعدت منذ سنوات عن كونها هيئة فنية محايدة، وتحولت إلى ذراع استخباراتي للغرب وإسرائيل، وغروسي دعم إسرائيل صراحة، وضغط على إيران العضو الملتزم في المعاهدة، فما شرعية استمرار وجود هذه الهيئة في منشآتنا النووية ومنحها صلاحيات خاصة؟

وأشارت إلى أن أي مسؤول يحاول السماح بحضور المفتشين خلافا للقانون، سيكون مسؤولا أمام الشعب الإيراني ودماء الشهداء النوويين، وهذه الدماء شهادة حية أن أي تساهل مع العدو يزيد من جرأته، والتجارب السابقة أثبتت أن كل خطوة تراجع أمام الوكالة كانت خطوة تقدم لصالح الإسرائيليين والغربيين.

وأوردت أنه في ظل استخدام الغربيين لأدوات الوكالة للضغط، فإن أي خطأ في منح الوصول للمفتشين قد يفرض تكلفة لا تُعوض على إيران، ويجب على المجلس الأعلى للأمن القومي ووزارة الخارجية ومنظمة الطاقة الذرية أن يعتبروا مصادقة المجلس مرجعهم الأساسي، ويتجنبوا أي تفسير لهذا القانون.

يجب الرد على التهديد بالتهديد؛ استراتيجية إيران قوة لا انفعال
ذكرت الصحيفة أن مجمَل الحقائق يوضح أن استراتيجية إيران اليوم ليست التفاوض أو الانفعال، بل الرد المتبادل بالتهديد، وأن الغربيون يفهمون لغة القوة، وفقط من خلال إظهار القدرة والردع يمكن إجبارهم على التراجع، فآلية الزناد وقرارات مجلس الأمن والألعاب الدبلوماسية لا تغير مصير إيران، كما أن الشعب الإيراني أثبت مرارا أن الاعتماد على المقاومة والقدرات الداخلية يحوّل أكبر التهديدات إلى فرص.

وفي الختام أكَّدت الصحيفة أن الوقت حان لإيران لتظهر بقرارات حاسمة مثل الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي وفرض قيود في مضيق هرمز، أن تهديدات الغرب لن تبقى بلا رد، وأمام التهديد، لا يوجد سوى الرد بالتهديد، وهذا هو الدرس الذي قدمته تاريخ المقاومة الإيرانية للعالم.