إيران تعيد النظر في عوائد الصادرات وخططها الاقتصادية لمواجهة أزمة العملة وتعزيز الشراكات الإقليمية

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين 

نشرت وكالة أنباء تسنيم الأصولية، الأحد 14 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرين عن التحديات الاقتصادية في إيران، الأول ركّز على أزمة عدم عودة عائدات الصادرات غير النفطية وهيمنة الشركات الكبرى، في حين أوضح الثاني خريطة الطريق التي طرحها المرشد الأعلى لإحياء الإنتاج وضبط الأسواق وتوسيع الشراكات.

تناولت وكالة أنباء تسنيم في تقريرها الأول أزمة عدم عودة جزء كبير من عائدات الصادرات الإيرانية، مسلطة الضوء على دور 20 شركة شبه حكومية كبرى في البتروكيماويات والفولاذ والمعادن.

ذكرت الوكالة أنّ بعض الشواهد تظهر أنّ الجذر الأساسي لأزمة عدم عودة عائدات الصادرات ليس في القطاع الخاص، بل في أداء 20 شركة كبرى حكومية وشبه حكومية، إذ إنّ هذه الشركات تستحوذ على الجزء الأكبر من صادرات البتروكيماويات والفولاذ والمواد المعدنية.

تابعت أنّه قبل نحو عام أعلن وزير الاقتصاد آنذاك أنّ حوالي 30% من العملة الصعبة الناتجة عن الصادرات غير النفطية لم تعد إلى البلاد، وفي تلك المرحلة جرى اعتبار وجود نظام تعدد أسعار الصرف العامل الأهم في الأزمة، إذ إنّ هذا النظام خفّض من حافز المصدّرين للوفاء بالتزاماتهم.

وأوضحت أنّه وفقا لتصريحات الوزير الاقتصاد الاسبق، عبد الناصر همتي، فإنّ 35% من عائدات الصادرات لم تعد إلى الداخل، حيث يؤكّد المصدّرون أنّ إعادة الأموال لا تعود عليهم بجدوى اقتصادية.

وأضافت أنّ مراجعة البيانات الرسمية أظهرت الآن أنّ القضية أبعد من مسألة سعر الصرف، وأنّ السبب الجوهري يعود إلى البنية المعيبة للاقتصاد الإيراني ودور الشركات شبه الحكومية الكبرى.

Image

صادرات زراعية وصناعية بمسارين مختلفين

بيّنت الوكالة أنّه لا بدّ من التمييز بين الصادرات الزراعية والصادرات الصناعية والمعدنية ففي القطاع الزراعي، سُجّل العام الماضي نحو 6 مليارات دولار من صادرات الخضار والفواكه الجافة والمواد الغذائية. 

قسم من هذه الصادرات تمّ على شكل “صادرات ريالية” أي أن المصدّر يبيع السلعة في دول الجوار ويتلقّى الريع بالعملة المحلية هناك، ما يعني أنّ العملة الصعبة لا تدخل فعليا الدورة الاقتصادية الداخلية، وهو ما يخلق عائقا أمام الوفاء بالتعهدات.

وتابعت أنّ الصورة تختلف في قطاع الصادرات الصناعية والمعدنية والبتروكيماوية، وهو المجال الذي تسيطر عليه الشركات الكبرى الحكومية وشبه الحكومية، حيث تبرز الأزمة الحقيقية في عدم عودة العائدات.

 وأشارت إلى أنّ أحد النواب قدّم العام الماضي جدولا في البرلمان يُظهر أنّ الجزء الأكبر من العائدات المفقودة مرتبط بهذه الشركات، سواء كانت حكومية مباشرة أو تابعة لصناديق التقاعد والمؤسسات المرتبطة بالدولة.

دور الشركات الكبرى في خام البيع وعدم الالتزام

أوضحت الوكالة أنّ التقارير الرسمية تضع نحو 20 شركة شبه حكومية عاملة في البتروكيماويات والفولاذ والمعادن على رأس قائمة المصدّرين الذين لم يعيدوا عائداتهم، ونقلت عن نائب رئيس لجنة الموازنة البرلمانية، محسن زنكنة، قوله: “80% من الشركات الممتنعة عن إعادة العائدات حكومية أو شبه حكومية”.

وأضاف زنكنة أن إحدى الشركات المصدّرة الكبرى تتبع أحد صناديق التقاعد، وعندما يُسأل مسؤولوها لماذا لا يعيدون العائدات، يبرّرون بأنّ تأخير الإرجاع يحقق لهم أرباحا أكبر وبها يدفعون رواتب المتقاعدين”، مؤكدا أنّ هذا الوضع جعل الدولة في موقع المستفيد، وأضعف قدرتها على مواجهة هذه الشركات.

وبينت الوكالة أنّه خلافا للتصوّر السائد الذي يحمّل القطاع الخاص المسؤولية، فإنّ جزءا كبيرا من المشكلة مرتبط بهذه الشركات المرتبطة بالدولة، حيث تتمتّع بامتياز الحصول على الموارد الأولية وتتصرف بحرية في سوق العملات.

نظام صرف متفلّت

ذكرت الوكالة أنّ النائب محسن زنكنة كثيرا ما أشار إلى عيوب نظام الصرف في إيران، وهو يرى أنّ النظام القائم منذ عام 2017 شجّع المصدّرين على تأخير إعادة العائدات.

وأشارت إلى أنّ المسؤولين النقديين والماليين في إيران اعتمدوا على ما وصفه بـ”نظرية خاطئة” تقوم على تبسيط مسألة رفع سعر الصرف، وهو ما بعث برسالة غير مباشرة للمصدّرين مفادها أنّ تأخير إعادة العائدات سيمنحهم أرباحا أكبر، وتابعت أنّ هذه المقاربة أدّت إلى نشوء نظام صرف متفلّت ساهم في تغذية التوقعات التضخمية وتعميق حالة عدم الاستقرار الاقتصادي.

تبعات خطيرة على الاقتصاد

ذكرت الوكالة أنّ لعدم إعادة العائدات آثارا مباشرة وغير مباشرة، أوّلها تراجع الموارد المالية اللازمة لاستيراد المواد الأولية، مما يزيد تكاليف الإنتاج ويؤدي إلى تضخم متزايد.

وأضافت أنّ الأثر الثاني يتمثل في الضغط على سوق العملة الحرة، فعندما لا تُضخ العائدات في السوق الرسمي يضطر المنتجون إلى شراء العملة من السوق السوداء، وهو ما يرفع الأسعار ويزيد التضخم.

وأشارت إلى أنّ الحكومة بدأت منذ 2022 بتطبيق سياسة “المقايضة بالعملة”، بحيث يستخدم المصدّرون عائداتهم مباشرة في الاستيراد، هذه السياسة اختصرت زمن تخصيص العملة وسمحت بإنجاز الواردات خلال أسبوع واحد.

وأوضحت أنّ خبراء الاقتصاد يحذّرون من إشكالات جدية في هذا المسار، أولها أنّه ليس مؤكدا أن جميع الواردات تُموَّل فعليا من عائدات الصادرات، إذ قد يلجأ بعض المستوردين إلى شراء العملة من السوق الحر وتسجيل بيانات شكلية.

أما الإشكال الثاني فيتمثّل في أنّ البضائع المستوردة عبر هذه الآلية تُسعَّر بسعر الصرف الحر، الأمر الذي يدفع بعض الأوساط الحكومية المؤيدة لتوحيد سعر الصرف إلى دعم هذا التوجّه.

Image

ضرورة وجود جهة منظّمة

ذكرت الوكالة أنّ النائب زنكنة يرى أنّ العرض والطلب على العملة يجب أن يخضع لجهة تنظيمية، مؤكدا أنّه حتى في البورصات العالمية هناك جهة رقابية، بينما في إيران يهيمن الاحتكار على جانبي العرض والطلب، ما يستوجب دورا فاعلا للدولة كمنظّم.

وتابعت أنّه من دون إنشاء هذه الجهة التنظيمية ومنح الحكومة سلطة فعلية على الشركات الكبرى ذات المصالح، لا يمكن توقّع عودة كاملة لعائدات الصادرات.

بينت أنّ قضية عدم عودة عائدات الصادرات تُدرس على مستويين: في المستوى الجزئي، تواجه الصادرات الزراعية مشكلة بحكم طبيعتها الريالية المتفرقة، أما في المستوى الكلّي، فإنّ 20 شركة كبرى حكومية وشبه حكومية تقف في قلب الأزمة بسبب تضارب المصالح وغياب جهة تنظيمية.

واختتمت الوكالة بأنّ سياسة المقايضة قد عالجت جزءا من المشكلة، لكنها لا تمثل حلا دائما بسبب الغموض والمخاطر المصاحبة لها، والطريق الحقيقي للخروج من الأزمة يكمن في شفافية أداء الشركات الكبرى، وتعزيز الأدوات الرقابية، وإصلاح نظام الصرف، وهي خطوات أساسية من دونها ستبقى مشكلة عودة عائدات الصادرات قائمة.

Image

إيران ترسم خريطة طريق اقتصادية لكسر التعليق وتعزيز الإنتاج

وفي التقرير الثاني تناولت وكالة أنباء تسنيم خريطة الطريق الاقتصادية التي حدّدها المرشد الإيراني للحكومة، وتشمل إحياء الإنتاج، ضبط الأسواق، تأمين السلع والطاقة، وتطوير النفط والغاز.

كما يركّز التقرير على كسر حالة “لا حرب  لا سلم” عبر توجهات استراتيجية مثل التحرر من الدولار، وتنويع الشركاء التجاريين، وبناء منظومة أمنية اقتصادية إقليمية.

ذكرت وكالة تسنيم أنّ التوجيهات التي قدّمها المرشد الإيراني خلال لقائه مع الرئيس الإيراني مسعود بزشکیان وأعضاء الحكومة مثّلت خريطة طريق وطنية تمتد من إحياء الإنتاج وضمان معيشة المواطنين، مرورا بإدارة السوق والحد من التضخم، وصولا إلى إعادة تعريف العلاقات التجارية الدولية.

Image

وأضافت الوكالة أنّ المرشد الإيراني حدّد ثمانية محاور أساسية في هذا السياق، أبرزها:

  • إحياء الوحدات الإنتاجية باعتبار الإنتاج مفتاح التقدّم الاقتصادي.
  • تأمين السلع الأساسية عبر التخزين الكافي، إدارة الأسعار، وكسر احتكار الاستيراد.
  • ضبط الأسواق باستخدام أدوات مثل البطاقات الإلكترونية لتوفير السلع دون قلق من التضخم.
  • تأمين احتياطي الغاز للشتاء والاستفادة من التعاون مع دول الجوار مثل تركمانستان.
  • تطوير صناعة النفط مع تحديث طرق الاستخراج وتنويع العملاء.
  • قطع العلاقات التجارية والسياسية مع الكيان الصهيوني لعزله إقليميا.
  • معالجة أزمة الإسكان وتقليل الهدر، خاصة من جانب الأجهزة الحكومية.

وأوضحت الوكالة أنّ المرشد الإيراني حذّر من بقاء البلاد في وضعية “لا حرب لا سلم”، التي تعلّق الاقتصاد وتُضعف ثقة المستثمرين، وتؤدي إلى ركود، عجز مالي، وتفاقم اضطراب أسعار الصرف والذهب.

Image

وبيّنت الوكالة أنّه للخروج من هذه الحالة، طُرحت أربعة توجهات استراتيجية:

  • التحوّل إلى مركز غازي إقليمي عبر تعزيز التعاون مع روسيا والصين والهند وتوسيع مشاريع الطاقة.
  • التحرر من هيمنة الدولار باعتماد العملات الوطنية في المبادلات التجارية وتفعيل مقايضة النفط مقابل التكنولوجيا والسلع الأساسية.
  • زيادة مبيعات النفط وتنوّع المشترين من خلال الاستثمار في المصافي بالخارج وتقديم عقود ذكية مع أسواق كالصين والهند.
  • إعادة هيكلة أمن الخليج عبر تعاون دفاعي واقتصادي مع الدول المتضررة من سياسات الاحتلال الإسرائيلي، بما يعزز أمن الطاقة ويعزل تل أبيب.

وختمت الوكالة بأنّ هذه التوجيهات تمثل برنامجا عمليا لتحويل التحديات إلى فرص، وبناء اقتصاد قوي ومستقل يرسّخ مكانة إيران في المرحلة المقبلة.