في الذكرى الثالثة لمقتل مهسا أميني.. إيران بين ذاكرة الاحتجاجات ووضع المرأة الراهن

تمر إيران في 16 سبتمبر/أيلول 2025 بذكرى ثالثة لا تزال جروحها مفتوحة في ذاكرة المجتمع، ذكرى وفاة الشابة الكردية مهسا أميني التي أشعلت احتجاجات عارمة عُرفت بشعار “امرأة، حياة، حرية”، تلك الحادثة لم تكن مجرد واقعة فردية، بل تحولت إلى نقطة انعطاف في تاريخ إيران المعاصر، أعادت رسم العلاقة بين الدولة والشارع، وبين السلطة والمرأة. وبعد ثلاث سنوات، لا تزال قضية المرأة تقف في صميم النقاشات السياسية والاجتماعية، حاملة معها أسئلة عن الحريات، والعدالة، والمساواة في مجتمع تتنازعه تيارات متناقضة بين المحافظة والتجديد.

ماذا حدث في سبتمبر/أيلول 2022؟

في منتصف سبتمبر/أيلول من العام 2022، وقعت الحادثة التي هزت إيران وألقت بظلالها على المشهد السياسي والاجتماعي حتى اليوم، فقدت زارت مهسا أميني، الشابة الكردية البالغة 22 عاما، طهران برفقة عائلتها عندما أوقفتها شرطة الأخلاق قرب إحدى محطات المترو بدعوى عدم التزامها بالحجاب الشرعي، وخلال ساعات قليلة من احتجازها، سقطت مهسا مغشيا عليها داخل مركز الشرطة، ونقلت في حالة حرجة إلى المستشفى حيث فارقت الحياة بعد ثلاثة أيام، حينها ذكرت الرواية الرسمية أن سبب الوفاة هو مشاكل قلبية سابقة، لكن عائلتها أكدت أنها كانت بصحة جيدة، بينما تداول شهود ومقاطع مسربة اتهامات بتعرضها للضرب.

انتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي فجر موجة غضب غير مسبوقة، وتحولت جنازة مهسا في مسقط رأسها سقز إلى تظاهرة حاشدة، رفع فيها المشيعون شعار امرأة، حياة، حرية، الذي سرعان ما انتشر في مدن كبرى مثل طهران، مشهد، شيراز وتبريز، وخلال أيام، عمّت الاحتجاجات أكثر من 80 مدينة وامتدت إلى الجامعات والشوارع، لتصبح أكبر حركة احتجاجية منذ 2009.

في المقابل تعاملت أجهزة الدولة بقبضة أمنية مشددة، قوات الأمن والباسيج انتشرت بكثافة، واستخدمت الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين، وزارة الداخلية أعلنت تشكيل لجنة تحقيق، بينما أكد المرشد الأعلى أن الاحتجاجات مؤامرة خارجية، والسلطة القضائية فتحت ملفات قضائية ضد آلاف المعتقلين، وأصدرت أحكاما بالإعدام بحق عدد منهم، في الوقت نفسه، وشددت الحكومة الرقابة على الإنترنت وأغلقت تطبيقات واسعة الانتشار مثل إنستغرام وواتساب.

الإعلام الرسمي حاول تصوير الأحداث على أنها شغب منظم، لكن أصواتا إصلاحية ورموزا ثقافية بارزة حذرت من خطورة تجاهل مطالب الشارع، وبهذه الأحداث، تحولت وفاة مهسا أميني من حادثة فردية إلى لحظة فارقة أعادت صياغة علاقة المرأة والمجتمع بالدولة في إيران.

كيف تذكر الإيرانيون مهسا؟

لم تقتصر قصة مهسا أميني على تفاصيل ما جرى لها أو لأجلها، بل امتد أثر ذلك إلى الطريقة التي أعادت بها الصحافة الأصولية صياغة الحكاية بعد ثلاث سنوات، حيث ظهرت روايات تبرئ الدولة وتلقي باللوم على أطراف خارجية، في المقابل، يؤكد باحثون ومتخصصون أن مرحلة ما بعد مهسا حملت تحولات أعمق في وعي النساء والمجتمع الإيراني ككل.

كانت حركة منظومة.. والقاتل كان ابن خالها!

على الرغم من مرور ثلاثة أعوام على تلك الحادثة، فإن الإعلام الأصولي لا يزال يطرح روايات جديدة تنفي أي دخل للدولة في مقتلها، ففي تحليل جيد نشرته صحيفة كيهان الأصولية حول مجريات مقتل مهسا، قالت ” أفاد تقرير قائم على اعترافات ومراسلات مسربة أن اضطرابات خريف 2022 لم تكن تلقائية، بل مخططة ومنظمة، ذلك بحسب ما أقر به إبراهيم علي زاده، زعيم جماعة كومله، جماعة كردية انفصالية نشأت في عهد الشاه واستمر نشاطها بعد الثورة، في مقابلة مع بي بي سي بعد اندلاع الاحتجاجات بعدة أيام، الوثائق المخترقة التي نشرت لاحقا تشير إلى أن ابن خالة مهسا أميني، عرفان مرتضايي، كان عضوا في كومله ونشر مقاطع من أربيل ربط فيها وفاة مهسا بضرب الشرطة، ما أدى إلى تضخيم الرواية على وسائل إعلام محلية وخارجية”.

وتتابع الصحيفة: “من بين الرسائل المسربة رسالة مؤرخة بالأول من سبتمبر/أيلول 2022 تفيد بأن طردا يحمل دواء سلّم إلى مرتضايي عبر وسيط من أربيل، كما تكشف تبادل رسائل نصية قبل الحادثة بأيام بينه وبين شخص يحتمل أنه عضو في التنظيم، مما أثار تكهنات حول وجود دور معد مسبقا”.

كما تذكر “كيهان” أنه “في الصباح نفسه أصدر تنظيم مجاهدي خلق بيان استنفار، قبل ساعات من حادثة انهيار مهسا داخل مركز شرطـة الآداب في طهران التي وثقتها كاميرات المراقبة، ونقلت إثرها إلى المستشفى ووافتها المنية بعد أيام، كذلك فقد سبق إعلان وفاتها تجمع أمام المستشفى سرعان ما تحول إلى احتجاجات امتدت إلى طهران ومدن كردستان”.

وتضيف: “وتورد الوثائق أن هناك مخططا أوسع كان يستهدف إشعال احتجاجات مع بدء العام الدراسي، وربطها بجماعات مسلّحة ومحاولات لربط الاضطرابات بدعم خارجي، بما في ذلك اتهامات بلقاءات ثلاثية قيل إن ممثلين عن الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل ناقشوا دعم عناصر معارضة وتقديم دعم استخباراتي. هذه الرواية، المنشورة عن جهات مقرّبة من السلطة، لا تزال محلا للخلاف والتدقيق”.

تلك الرواية وهذا التحليل من كيهان لم يمروا مرور الكرام، فقد علق حسن برهاني، الناشط الحقوقي، على حسابه في منصة إكس قائلا: “في اكتشاف جديد وساخر، زعمت صحيفة كيهان بعد ثلاث سنوات أن الفقيدة مهسا أميني قتلها ابن خالها بدواء أعطته له جماعة كومله!، من الضروري أن تتدخل الأجهزة الأمنية والقضائية في أسرع وقت بخصوص هذا النص التحريضي”.

مرحلة ما بعد مهسا.. بين الوعي الجديد والواقع الحقوقي الجامد

بهذا الشأن، قالت شيرين أحمد نيا، عضو الهيئة التدريسية في جامعة العلامة طباطبائي ورئيسة قسم دراسات المرأة في جمعية علم الاجتماع الإيرانية، في حديث صحفي الثلاثاء 16 سبتمبر/أيلول 2025، إن هذه الحركة الاجتماعية كان لديها القدرة على سد الفجوة بين المطالب النسوية والمطالب العامة للمجتمع، فعلى عكس الماضي، حيث كانت حركة النساء تعتبر حركة ثانوية ذات أولوية متأخرة، فقد تحولت في هذه المرحلة إلى روح الحركة الاجتماعية، حيث توحدت حولها جميع الفئات، بغض النظر عن النوع الاجتماعي.

Image

وترى أحمد نيا أن أهم ما يميز هذه الحركة الاجتماعية هو الحضور البارز للشباب واستخدام شبكات التواصل الاجتماعي لتنظيمها بشكل لا مركزي، حيث تتابع: “لعبت النساء أدوارا خارج إطار المؤسسات أو التنظيمات الرسمية، بل من خلال الأفعال اليومية، في الشارع وفي الفضاء الرقمي. وهذا ما جعل الحركة مختلفة عن الأشكال التقليدية للفعل الجماعي، ومنحها سرعة وزخما وقدرة واسعة على الانتشار”.

وتعتقد أحمد نيا أن هذه الاحتجاجات حملت قدرة كبيرة على خلق التضامن الاجتماعي، “لأول مرة، استطاعت فئات مختلفة من المجتمع، من نساء ورجال وأعراق وطبقات اجتماعية مختلفة، أن يتوحدوا حول شعار مشترك. وقد بدا هذا التضامن في الدعم الشعبي للنساء المحتجات، ومشاركة الرجال، وأشكال المقاومة المدنية في الحياة اليومية. وخلال السنوات الثلاث الماضية، استمر هذا التضامن بأشكال مختلفة عبر تعزيز شبكات النشاط المدني، والتلاقي في الفضاءين الثقافي والفني، كما تواصل هذا التضامن في الثقافة العامة والعلاقات الاجتماعية، وظهر بشكل رأسمال اجتماعي خفي”.

وبعد مرور ثلاث سنوات على انطلاق الحركة الاجتماعية للنساء، ترى أحمد نيا أن التغيير الأساسي حدث في مستوى الوعي، والثقة بالنفس، والجرأة، والتحولات في أنماط عيش النساء، فتضيف” اليوم، باتت النساء ينظر إليهن أكثر فأكثر كفاعلات اجتماعيات وسياسيات مؤثرات، وبالتالي يمكن القول إن التحول الكبير حصل في الحياة الاجتماعية للنساء، رغم أن المستوى الحقوقي لم يشهد تغييرات كبيرة حتى الآن. ومع ذلك، فإن هذا التحول الثقافي والفكري مهد الطريق لمستقبل يمكن فيه متابعة المطالب النسوية بقوة أكبر، بما يزيد من إمكانية حدوث تغييرات مؤسسية في المستقبل”.

وفي الشأن نفسه، اعتبرت سيمين كاظمي، عالمة الاجتماع، في حديثها مع صحيفة هم ميهن الثلاثاء 16 سبتمبر/ أيلول 2025 أن حركة التظاهرات عقب مقتل أميني الأخيرة نقطة تحول في مسار حركة النساء في إيران، فتصرح “حركة النساء في إيران عمرها أكثر من قرن، وقد استمرت طوال هذه المدة تحت تأثير التحولات السياسية والاجتماعية، لكن يجب اعتبار أن التظاهرات التي حملت شعار المرأة، الحياة، الحرية نقطة فاصلة في تاريخ حركة النساء الإيرانيات، لأنها المرة الأولى في تاريخ إيران التي توضع فيها أوضاع النساء وحقوقهن ومطالبهن في صميم حركة اجتماعية، حيث أصبحت النساء محورا أساسيا وبرزت فاعليتهن بشكل واضح”.

Image

كذلك، اعتبرت كاظمي أن “أهم ما يميز هذه الحركة هو تحول قضية النساء إلى قضية اجتماعية عامة، وتضيف”هذه الحركة ليست مجرد حركة فردية للنساء، بل هي حركة جماعية للنساء والمجتمع الإيراني كله، إنها حركة اجتماعية أبرزت وجوها مختلفة للتمييز القائم على النوع، وتحولت إلى تحدٍّ للنظام الثقافي والاجتماعي والسياسي الذكوري في إيران. ففي حين كانت حركة النساء الإيرانية تستمر على نطاق محدود وفي هوامش الحركات الاجتماعية، جاء شعار المرأة، الحياة، الحرية ليبعث فيها حياة جديدة، وليجعل قضية المرأة قضية اجتماعية لا يمكن تجاهلها. فكما أن الفقر والتمييز الاقتصادي مسائل اجتماعية كبيرة تحتاج حلولا، كذلك أصبحت قضية المرأة اليوم قضية اجتماعية مركزية”.

وتتابع كاظمي، موضحةً أن التغييرات التي سمِح بها حتى الآن محدودة جدا كالظهور الأكبر للنساء في الفعاليات، أو تولي بعض المواقع، أو حضور صورهن في الفضاء العام بما يتوافق مع رؤية السلطة، إضافة إلى النقاش حول إعادة النظر في منع قيادة النساء للدراجات النارية. لكن رغم هذه التغييرات الجزئية، فإن تحولا جذريا في مجال حقوق النساء لم يقبل بعد، فتصرح بأن “مشاركة النساء الاقتصادية ما زالت في أدنى مستوياتها، والعنف ضدهن مستمر من دون حلول حقيقية، بل إن بعض القوانين الجديدة المطروحة في البرلمان جاءت على حساب النساء، مثل قانون تقليص قيمة المهور، أو السياسات السكانية التي تنتهك حق المرأة في السيطرة على جسدها”.

وردا على سؤال: أين تقف النساء الإيرانيات بعد ثلاث سنوات؟ تجيب كاظمي بأن الأثر الأكبر لهذه الحركة كان على وعي النساء أنفسهن، وتضيف” اليوم، النساء أكثر وعيا بقدراتهن وبقوتهن، وأكثر إيمانا بفاعليتهن، لقد صار بإمكانهن أن يطرحن مطالبهن في المجتمع، وأن يأملن بتحقيقها”.