هجوم إسرائيل على الدوحة.. الخلفيات والتداعيات

كتب: سيد نيما موسوي

في يوم الثلاثاء 9 سبتمبر/أيلول 2025، وبعد نحو أسبوع من تداول شائعات اغتيال «خليل الحية»، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، من قبل كبار مسؤولي حماس، نفّذت القوات الجوية الإسرائيلية هجوما على العاصمة القطرية الدوحة، مستهدفة المكتب السياسي لحركة حماس. 

أسفر الهجوم عن مقتل ستة أشخاص، بينهم ابن رئيس المكتب، ورئيس مكتب «خليل الحية»، إضافة إلى عنصر أمني قطري. يتناول هذا المقال دراسة الأسباب والنتائج المترتبة على هذا الهجوم الإسرائيلي على الدوحة.

أهمية الهجوم الإسرائيلي على قطر: الأبعاد والخلفيات

تنبع أهمية الهجوم الإسرائيلي على الأراضي القطرية من جانبين أساسيين:
أولهما أن إسرائيل، منذ اغتيال محمود المبحوح في فندق روتانا بدبي عام 2009، لم تُقدم على تنفيذ أي عملية اغتيال في دول الخليج العربي. أما الجانب الثاني، فإن استهداف خليل الحية عبر غارة جوية يعيد إلى الأذهان الضربة الجوية الإسرائيلية التي استهدفت خليل الوزير (أبو جهاد)، نائب ياسر عرفات، في تونس عام 1988.

ولفهم أعمق للعلاقة بين حركة حماس وتعزيز حضورها الخليجي، لا سيما في قطر، ينبغي العودة إلى مطلع تسعينيات القرن الماضي. آنذاك، كان للحركة جناحان ماليان: جناح غربي يقوده موسى أبو مرزوق من الولايات المتحدة، وجناح خليجي يديره خالد مشعل من دول الخليج. ومع أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، تراجع نفوذ فرع أبو مرزوق، بينما اكتسب الفرع الخليجي، ولا سيما في قطر، زخما أكبر.

في تلك الفترة، سعت قطر، مدفوعة بخلافات إقليمية مع السعودية خصوصا حول منطقة خور العديد التي تربطها جغرافيا بالإمارات، إلى استقطاب عناصر من تيار الإخوان المسلمين، وتزايد هذا التوجه عقب تولي الشيخ حمد بن خليفة الحكم عام 1995، ما جعل الدوحة تتحول تدريجيا إلى مركز احتضان للجماعات الإخوانية في العالم الإسلامي.

استضافت العاصمة القطرية شخصيات بارزة من التيار الإسلامي مثل سليم خان يانداربييف، الرئيس الشيشاني السابق ونائب جوهر دوداييف، وعباسي مدني، زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، الذي عاش في الدوحة حتى وفاته. ومع مرور الوقت، انتقلت مكاتب العديد من الحركات الإسلامية إلى الدوحة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك افتتاح مكتب طالبان الذي لعب دورا محوريا في المفاوضات مع الولايات المتحدة لأكثر من عقد، إضافة إلى نقل المكتب السياسي لحركة حماس من دمشق إلى الدوحة. وهكذا برزت الدوحة تدريجيا كعاصمة جديدة لـ “الإخوانية” في العالم الإسلامي.

Image

قطر: من منصة إعلامية إلى قوة ما بعد حداثية

إلى جانب هذا المسار، برزت قطر منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي كقوة إعلامية مؤثرة في العالم العربي عبر تأسيس قناة الجزيرة. لاحقا، أسهم إنشاء مؤسسات أكاديمية وفكرية مثل مركز سابان وجامعة جورج تاون في الدوحة، إلى جانب الطفرة الهائلة في أسعار الطاقة خلال العقد الأول من الألفية (2000-2010)، في تعزيز مكانة قطر عالميا.

ومع هذه الطفرة المالية، تمكنت الدوحة من بناء شبكة نفوذ واسعة في أوروبا عبر شراء الفنادق ووسائل الإعلام ورعاية الجوائز الفنية وامتلاك الأندية الرياضية، وهو ما أسس لصورة قطر كقوة “ما بعد حداثية” ذات أدوات ناعمة وفعالة.

وجاءت أحداث الربيع العربي لتوفر فرصة إضافية لقطر وتركيا لتقديم نفسيهما كرمزين للإسلام “المعتدل”، في مواجهة الأنظمة العربية ذات الطابع البونابرتي من ليبيا وتونس إلى مصر وسوريا واليمن.

غير أن مرحلة حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مثّلت تحديا مزدوجا لقطر. ففي ولايته الأولى، فرضت دول عربية حصارا عليها امتد حتى السنوات التي سبقت تنظيم كأس العالم. خلال تلك الفترة، أصبحت إيران وتركيا الحليفين الأساسيين للدوحة، وانتهى الحصار بتوقيع اتفاق العُلا بين قطر والسعودية، بوساطة جاريد كوشنر صهر ترامب.

كما تضررت قطر اقتصاديا، إذ انسحبت شركات طاقة كبرى مثل أوكسيدنتال بتروليوم وشل من مشاريعها في قطر، في حين تعثرت استثمارات شركات الطاقة القطرية الخارجية في تكساس (الولايات المتحدة) والبرازيل.

أما في الولاية الثانية لترامب، فقد انعكست تداعيات الحرب الإسرائيلية الممتدة على قطر مباشرة، الأمر الذي وضعها في مواجهة ارتدادات الأزمات الإقليمية المتلاحقة. وهكذا تراجعت قدرة الدوحة على الحفاظ على صورتها كـ “وسيط موثوق” في قضايا الشرق الأوسط، بعدما هزّت تلك الأزمات موقعها كفاعل توافقي في المنطقة.

Image

الهجوم الإسرائيلي على الدوحة يحمل تداعيات مهمة يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  1. إن الضربات العنيفة التي استهدفت مواقع الجيش السوري، والآن الغارة الجوية على الدوحة، تعكس تصاعد التناقض بين إسرائيل وما يمكن تسميته المثلث الإخواني في الشرق الأوسط، المكوَّن من سوريا وقطر وتركيا. وقد شهدت الأشهر الأخيرة تصاعدا في الخطاب الهجومي لحكومة نتنياهو ضد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. كما أن ملفات مثل غاز شرق المتوسط، قضية قبرص، ومستقبل كردستان سوريا، إلى جانب الدعم المتبادل بين أنقرة وتل أبيب لحركة حماس من جهة، ولـ “قوات سوريا الديمقراطية” (SDF) من جهة أخرى، كلها تزيد من احتمالات المواجهة بين تركيا وإسرائيل. 

ومن المرجح أن يكون رهان إسرائيل الأساسي في الضغط على تركيا هو ورقة الـSDF، إذ يرى العديد من المراقبين الأتراك- مع انتقادهم مواقف السفير الأمريكي في أنقرة “تام باراك”- أنه حتى نزع سلاح حزب العمال الكردستاني (PKK) قد يفتح الباب أمام استفحال أزمة جديدة في “روجافا” عبر الـ SDF.

  1. إن تصاعد التوتر بين إسرائيل وتركيا قد يدفع أردوغان أكثر نحو تعزيز التعاون مع الشرق، خاصة مع الصين وروسيا، بل حتى مع إيران. ويُطرح في أنقرة خيار الانضمام إلى مجموعة “بريكس” كأحد احتمالات السياسة الخارجية المستقبلية. وإذا تحقق ذلك، فستكون تركيا العضو الوحيد في حلف الناتو الذي ينضم إلى بريكس، في خطوة قد تغيّر التوازن الدولي نحو نظام “ما بعد أمريكي”. 

كما أن الخلاف مع إسرائيل قد يصبح عاملا إضافيا في تأجيج التوترات الروسية مع دول شرق أوروبا، حيث إن الأنباء المتواترة عن خلافات موسكو مع بولندا ورومانيا قد تكون من التداعيات غير المباشرة لأي صدام متصاعد بين تركيا وإسرائيل.

Image
  1. تقارب الدول الإسلامية في مواجهة إسرائيل. إن مشروع “إسرائيل الكبرى” بات يشكّل تهديدا لجميع دول المنطقة، بحيث لم تعد أي دولة—حتى قطر—في مأمن من تبعاته. فإلى جانب مشروع البناء الاستيطاني “E1” في الضفة الغربية، والتمدّد الإسرائيلي في سوريا بعد سقوط الأسد، وأحداث جنوب لبنان، كلها دلائل على أن إسرائيل، مدعومة بتفوقها التكنولوجي، تنظر إلى نفسها كعدو جغرافي لجميع دول المنطقة. 

وكما أن الضربات الإسرائيلية لإيران لم تمنح بقية الدول شعورا بالطمأنينة، فإن تعاظم المواجهة مع تركيا لن يعني أمن الدول الأخرى. وفي هذا السياق، فإن الطرح الإيراني-العراقي الأخير بتأسيس تحالف عسكري إسلامي لمواجهة إسرائيل، رغم بعده عن التحقق، يعكس إدراكا متزايدا لحاجة المنطقة إلى نظام أمني جماعي مشترك.

4- إن تصاعد المواجهة الشاملة بين إسرائيل ودول المنطقة ينعكس سلبا بالدرجة الأولى على دولة الإمارات. فقد كانت أبوظبي تنظر إلى “اتفاق إبراهام” كمنصة تمكّنها، عبر بناء شبكة نفوذ أمني إقليمي، من تعزيز مكانتها كقوة جديدة في العالم العربي. 

كما سعت من خلال التعاون مع إسرائيل إلى الدخول في مشاريع الطاقة في شرق المتوسط، بالشراكة مع نتنياهو والسيسي، وصولا إلى تطوير علاقاتها مع دول في شرق أوروبا. واليوم تحتفظ الإمارات بالفعل بعلاقات قوية مع بعض دول جنوب شرق أوروبا مثل صربيا واليونان.

لكن إضعاف اتفاق إبراهام يمثّل ثاني ضربة قاسية للسياسة الخارجية الإماراتية في الأسابيع الأخيرة؛ إذ سبق أن تراجع دور أبوظبي في مشروع “الممر الاقتصادي الهندي-العربي-الأوروبي (IMEC)” بعد تراجع العلاقات بين الهند والولايات المتحدة.

5- في ضوء هذا الهجوم، يتجه موقع قطر نحو التحول من “مفترق طرق موثوق” في الوساطة الإقليمية إلى طرف مباشر في النزاع. وذلك رغم أن الدوحة حرصت على تقديم نفسها دائما كقناة اتصال ليس فقط في الأزمات الإقليمية، بل أيضا في الصراعات العابرة للمنطقة. أما الآن، فإن الدخول في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل سيضعف إلى حد كبير مكانتها المستقبلية كوسيط مقبول لدى مختلف الأطراف.

Image

بصورة عامة، تكشف السلوكيات العدوانية الإسرائيلية تجاه دول المنطقة عن انهيار تدريجي للهياكل الأمنية التي أُرسيت في الشرق الأوسط خلال القرن العشرين. فالتمدد الإسرائيلي في الأراضي السورية يعكس عمليا نهاية اتفاق 1974 بين دمشق وتل أبيب، فيما يُظهر التركيز على نزع سلاح حزب الله تحولا جوهريا في معادلات اتفاق الطائف. أما الإصرار على مشروع الاستيطان في منطقة E1، فيعني عمليا تجاوز اتفاق أوسلو.

انطلاقا من هذه المشاريع، تسعى إسرائيل إلى تقديم نفسها بوصفها القوة التي تعيد تشكيل النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط. ويبقى السؤال الأساسي: إلى أي مدى ستتمكن دول المنطقة من الحفاظ على مواقعها في مواجهة هذا المشروع الإسرائيلي المتسارع؟