زيارة لاريجاني للرياض… تعاون متنامٍ في وجه الأزمات الإقليمية

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، تبرز العلاقات بين القوى الإقليمية الكبرى كعامل حاسم في رسم ملامح المستقبل. فالتحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية المتشابكة، من الخليج إلى غرب آسيا، تفرض على العواصم المؤثرة إعادة النظر في أولوياتها وأساليب إدارتها للأزمات. 

وفي ظل تصاعد التوترات الدولية وتبدّل موازين القوى، تتجه الأنظار إلى المساعي الدبلوماسية التي تحاول إعادة فتح قنوات الحوار وبناء أرضية مشتركة، بما قد يسهم في صياغة معادلات جديدة للمنطقة، تتجاوز صراعات الماضي وتستجيب لمتطلبات الاستقرار والتنمية.

في هذا الإطار، سافر علي لاريجاني، الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني، الثلاثاء 16 سبتمبر/أيلول 2025 إلى العاصمة السعودية الرياض؛ وذلك لبحث العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، خصوصا الأمني والاقتصادي، كما التقى لاريجاني بولي العهد السعودي محمد بن سلمان وناقشا الأوضاع الإقليمية وسبل الخروج من الأزمات الحالية.

 وقد رافق لاريجاني خلال زيارته، على باقري كني نائب الشؤون السياسية في المجلس، ومحمد علي بك مساعد وزير الخارجية لشؤون الخليج.

220011092806

جدير بالذكر أن تلك الزيارة لم تكن الأولى التي تحمل الطابع الأمني بين البلدين، فقد زار وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، طهران في أبريل/نيسان 2025، والتقى كبار المسؤولين الإيرانيين.

وقد جاءت زيارة لاريجاني للرياض بعد يوم واحد من مشاركة الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، في القمة الطارئة لرؤساء الدول الإسلامية والجامعة العربية في الدوحة، ولقائه بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والتي خلالها أكد بزشكيان على ضرورة تعميق التعاون بين إيران والسعودية بما يحقق المصالح المشتركة لشعوب المنطقة، مشددا على أن وحدة الدول الإسلامية يمكن أن تردع اعتداءات إسرائيل على البلدان الإسلامية، كذلك معتبرا دور السعودية في تعزيز هذه الوحدة أساسيا.

ومن جانبه، دعا ولي العهد السعودي مع لقائه مع بزشكيان إلى تعزيز القدرات الاستراتيجية الطويلة المدى للدول الإسلامية، والتعاون العاجل لمعالجة أوضاع فلسطين وغزة، مؤكدا أن الوحدة بين الدول الإسلامية ليست خيارا، بل ضرورة.

محاور الزيارة

حول المحاور الرئيسة للزيارة، والتي تعد الثالثة للأمين العام للأمن القومي بعد زيارته للبنان والعراق في أغسطس/آب 2025، فتذكر التقارير الإخبارية أن زيارة لاريجان للرياض حملت طابعا استراتيجيا واضحا، إذ تعكس تشكيلة الوفد الإيراني المرافق نفسها تركيزا على ملفات متعددة تتوزع بين السياسة والأمن والاقتصاد، ومن المتوقع أن تشكل هذه القضايا محاور رئيسية للحوار بين الطرفين بما يفتح الطريق أمام مرحلة جديدة في العلاقات الإيرانية السعودية.

هذا وقد أتي الملف الاقتصادي في مقدمة المحاور المطروحة، حيث يسعى الجانبان إلى بحث سبل توسيع التعاون المشترك في مجالات التجارة والاستثمار والمشاريع الكبرى في البنية التحتية، وتشير الأرقام إلى نمو ملموس في حجم التجارة غير النفطية بين البلدين خلال عام 2025، الأمر الذي يعكس رغبة مشتركة في رسم آفاق جديدة لتبادل المصالح الاقتصادية وتخفيف الاعتماد على الملفات الخلافية السابقة.

أما على الصعيد الإقليمي، فإن القضايا الأمنية في الخليج وغرب آسيا كانت حاضرة بقوة في أجندة المحادثات، خصوصا مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتداعيات الحرب الأخيرة ضد إيران، ويرى مراقبون أن هذه المحادثات يمكن أن تسهم في تقليص حدة التوترات الإقليمية إذا نجح الطرفان في التوصل إلى تفاهمات مشتركة بشأن كيفية إدارة الأزمات المتكررة.

الملف اليمني قد شكل بدوره أحد أبرز النقاط الحساسة، حيث يتوقع أن يكون الوفد الإيراني قد بحث مع نظيره السعودي سبل دفع الحلول السياسية بما يضمن الاستقرار في هذا البلد الذي يمثل بؤرة توتر متصلة بالأمن القومي للطرفين، وإلى جانب اليمن، يحضر الوضع اللبناني في المباحثات، خصوصا بعد الزيارة الأخيرة للاريجاني إلى بيروت، ما يشي بأن التنسيق حول الملف اللبناني يشكل امتدادا لمحادثات الرياض.

Img 20250917 wa0000 780x470

من جهة أخرى، لا يمكن إغفال البعد النووي، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن المفاوضات بين إيران والغرب ستكون ضمن جدول الأعمال اللاحق، خاصة في ظل أحاديث سابقة عن رغبة الرياض في لعب دور الوسيط في هذا الملف المعقد، هذا الدور، إذا تحقق، قد يمنح المملكة موقعا محوريا في إدارة واحدة من أكثر القضايا حساسية في المنطقة.

كما حضر ملفات التعاون الأمني والبحري، بما يشمل مكافحة التهريب والإرهاب وتعزيز السيطرة على الحدود البحرية المشتركة، وهو جانب ذو أولوية قصوى نظرا لأبعاده الاستراتيجية المباشرة. ولا يقل عنه أهمية النقاش حول حقل الغاز آرش الذي يمثل موضع خلاف إقليمي ويُنتظر أن يكون على طاولة البحث كإشارة إلى نية الطرفين معالجة الملفات الخلافية عبر التفاهم المباشر.

السعودية ليست أداة طيعة في يد أمريكا

حول العلاقات مع الرياض بوضعها الحالي وتأثيرها على طهران، قال المحلل السياسي حسين بهشتي بور خلال لقاء صحفي مع صحيفة فرهيختكان الأربعاء، 17 سبتمبر/أيلول، وفي معرض حديثه عن مآل تطوير العلاقات مع السعودية في ظل التقارب الأمريكي، قال: “لا أحد يشك في أن السعودية ترتبط بعلاقات وثيقة مع واشنطن منذ استقلالها عام 1932، في البداية، وحتى عام 1971، كانت العلاقات أقوى مع البريطانيين، لكنها بعدها مالت نحو الأميركيين. 

غير أن هذه العلاقة لا تعني أن السعودية مجرد تابع لأميركا. التاريخ يثبت ذلك، ففي عهد الملك فيصل عام 1973 لعبت الرياض دورا محوريا في قرار أوبك بفرض حظر نفطي على إسرائيل والدول الغربية الداعمة لها، ورغم الحديث عن تنسيق مع الشركات الأميركية، إلا أن هذا القرار كشف قوة جديدة للعرب وأجبر الغرب على إنشاء احتياطيات نفطية لتفادي أزمة مشابهة. إذن القول إن السعودية مجرد منفذة لأوامر واشنطن ليس دقيقا”.

ويتابع: “نرى أن السعودية نسجت علاقات وثيقة مع روسيا في إطار أوبك بلس، فعندما حاولت إدارة بايدن الضغط عليها لزيادة الإنتاج لتعويض النقص الناجم عن العقوبات على روسيا، رفضت الرياض ذلك وظلت منسقة مع موسكو. هذه حقائق تؤكد أن المملكة ليست أداة طيعة بيد أميركا، بل دولة ذات نظام قبلي خاص تؤثر في العالم الإسلامي، والأهم أنها جارة لإيران عبر الخليج، وهو ما يجعل تطوير العلاقات معها أمرا ضروريا”.

وعن إمكانية تغير سلوك السعودية وفقا للمستجدات الإقليمية، يوضح بهشتي بور: “إذا كان ولي العهد محمد بن سلمان حريصا على مصالح بلاده، فلا بد أن ينظر بجدية إلى التحذيرات الإيرانية، فإسرائيل اليوم تعلن بوضوحٍ سياستها من النيل إلى الفرات وتشمل بذلك جزءا من السعودية، نتنياهو يهدد علنا أي دولة تستضيف حماس بأنها ستكون عرضة للهجوم، حتى دولا كبرى مثل تركيا. 

إسرائيل لا تعترف بالسيادة الوطنية وتحدد أمنها القومي داخل حدود الآخرين. لذلك على السعودية أن تعي هذه الحقائق. ورغم أن يدها ليست مطلقة لمواجهة إسرائيل مباشرة مثل إيران، إلا أن بإمكانها ممارسة ضغوط دبلوماسية وسياسية واقتصادية على تل أبيب وحلفائها، خصوصا الولايات المتحدة”.

وعن التعاون الاقتصادي بين البلدين، يقول: “التحدي الأكبر هو العقوبات، أي شركة سعودية تتعاون مع إيران ستتعرض بدورها للعقوبات، لذلك لا بد من ابتكار حلول لتجاوزها، هناك مجالات واعدة مثل السياحة الدينية، حيث يسافر الإيرانيون إلى مكة والمدينة، فيما يقصد الشيعة السعوديون مشهد وقم. كما يمكن إعادة إحياء مشاريع الربط البري والسكك الحديدية بين مشهد وكربلاء ومنها إلى مكة، وهو مشروع استراتيجي يعزز تشابك المصالح”.

ويتابع: “إضافة إلى ذلك، كان للسعودية دور في قطاعات الصناعات الغذائية والزيوت في إيران قبل انسحابها إثر العقوبات الأميركية، وما زالت الفرصة قائمة للعودة. كما أن المملكة تتجه بقوة نحو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وهو مجال يمكن أن يفتح أبواب تعاون مع إيران. لكن كل ذلك يبقى مرهونا برفع العقوبات، وإلا سيظل التعاون محدودا”.

العلاقات بين الرياض وطهران.. بين الماضي والحاضر والمستقبل

شكلت العلاقة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية محورا أساسيا في معادلات الشرق الأوسط، إذ تجمع بين البلدين عناصر جغرافية ودينية واقتصادية تجعل من أي تقارب أو خلاف بينهما عاملا مؤثرا في مجمل أوضاع المنطقة، فمنذ انتصار الثورة في إيران عام 1979 دخلت العلاقات في مسار متعرج، غلب عليه التوتر في فترات طويلة، لاسيما مع اختلاف الرؤى السياسية والأيديولوجية وتنافس النفوذ في الخليج والشرق الأوسط. وخلال العقود الأربعة الماضية، تكررت موجات الصدام والقطيعة، كان أبرزها بعد أحداث عام 2016 التي أدت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل.

ومع ذلك، ظل البحث عن آفاق للحوار قائما، إذ برزت في مارس/آذار 2023 محطة مفصلية تمثلت في الاتفاق الذي رعته الصين بين الرياض وطهران لإعادة العلاقات الدبلوماسية، بعد سنوات من القطيعة، هذا الاتفاق لم يكن مجرد خطوة بروتوكولية، بل جاء انعكاسا لإدراك الطرفين أن استمرار القطيعة يفاقم أزمات المنطقة، في حين أن التفاهم يمكن أن يسهم في التهدئة وتعزيز الاستقرار. الدور الصيني في رعاية الاتفاق أضاف بعدا جديدا، إذ أشار إلى تنامي دور القوى الآسيوية في الملفات الشرق أوسطية، وفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من العلاقات السعودية الإيرانية.

منذ ذلك الحين، سعى الطرفان إلى اختبار مسارات جديدة للتعاون. فعلى الصعيد الأمني، تبرز الحاجة إلى إدارة الملفات الشائكة في الخليج وغرب آسيا، خاصة مع استمرار التوترات المرتبطة بالكيان الإسرائيلي وتداعيات الحرب الأخيرة ضد إيران. هذه القضايا أظهرت أن التنسيق الأمني لم يعد خيارا تكميليا، بل ضرورة استراتيجية للحد من مخاطر الانزلاق نحو صراعات أوسع.