- زاد إيران - المحرر
- 508 Views
ترجمة: دنيا ياسر نور الدين
نشرت وكالة أنباء “دانشجو” الإيرانية الأصولية، الأحد 14 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا استعرضت فيه أزمة انتشار بناء الفيلات في محافظة جيلان شمال إيران على حساب الأراضي الزراعية، وهو ما يهدد الزراعة والأمن الغذائي ويغيّر طبيعة القرى، وأوضحت أن سبب بيع الأراضي هو الضغوط الاقتصادية على المزارعين، بينما يشكّل شراء الغرباء هذه الأراضي ظاهرة غريبة عن النسيج الريفي التقليدي.
الأراضي الزراعية ضحية الاستثمارات غير المحلية
ذكرت الوكالة أنّ إقليم جيلان شمال إيران، الذي كان يُعرف دوما بخضرته وخصوبة أراضيه، يواجه هذه الأيام أكثر من أي وقت مضى ظاهرة جديدة تتمثل في التوسع الكبير ببناء الفيلات على حساب الأراضي الزراعية.
وأضافت أنّ ما كان في الماضي عبارة عن حقول للأرز وبساتين للحمضيات، يتحوّل اليوم بسرعة إلى فيلات فاخرة ومبان إسمنتية، معظمها مملوك لأشخاص غير محليين، وأكدت أنّ هذه التحولات لم تغيّر فقط ملامح القرى، بل أصبحت تهديدا خطيرا للزراعة والاقتصاد المحلي وحتى للمستقبل الثقافي لجيلان.

الأراضي تتحول إلى نقود سائلة
أردفت الوكالة أن الزراعة في جيلان تعاني منذ سنوات من مشكلات عديدة؛ بدءا من ارتفاع تكاليف الأسمدة والمبيدات، وصولا إلى غياب الآلات الحديثة، وانخفاض أسعار بيع المحاصيل، فضلا عن الاستيراد المفرط للأرز الأجنبي، وأوضحت أن هذه العوامل جعلت من العمل الزراعي غير مجدٍ اقتصاديا لكثير من الأسر.
وتابعت أن أحد المزارعين القدامى من منطقة ماسال شمال إيران، ويدعى “عباس خان”، أوضح أن الأرض بالنسبة لهم ليست مجرد تراب، بل ميراث من الآباء والأجداد، إلا أن غياب فرص العمل للأبناء وارتفاع تكاليف المعيشة بما يفوق الدخل لم يترك أمامهم سوى خيار البيع، مشيرا إلى أن المشترين في الغالب غرباء يقدمون مبالغ مجزية ويشترون الأرض بسرعة.
أوضحت أنّ دخول المستثمرين والمشترين غير المحليين أدى إلى تغيير سريع في طبيعة استخدام الأراضي الزراعية، ففي كثير من قرى ماسال، شاندرمن، لاهيجان، فومن ورودبار”شمال إيران”، شُيّدت منازل من طابقين أو ثلاثة ذات واجهات فاخرة، لا تمتّ بصلة إلى النسيج العمراني الريفي.
وأشارت السيدة رفعتي، من أهالي قرية فومن شمال إيران، إلى أنّ الفيلات شُيّدت بجوار حقول الأرز التي بدأت تجف تدريجيا، لافتة إلى أنّ معظم مالكيها لا يعرفون شيئا عن رائحة التراب أو تقاليد الأرض، إذ يأتون فقط في عطلات نهاية الأسبوع لإقامة الحفلات ثم يغادرون، بينما يترك الأهالي يواجهون النفايات والتلوث الضوضائي.
الاقتصاد الريفي في أزمة
تابعت الوكالة أنّ بيع الأراضي يرتبط بالدرجة الأولى بالأزمة الاقتصادية التي تواجهها الأسر الريفية، فغياب الدعم الحكومي الكافي، وانعدام سوق آمن لتصريف المنتجات، إلى جانب ضغط التضخم، كلها عوامل تدفع المزارع نحو بيع أرضه.
وبيّن علي، شاب في الخامسة والثلاثين من إحدى قرى صومعة سرا شمال إيران، أنّه لم يكن يرغب في بيع أرض والده، غير أنّ الظروف اضطرّت أسرته إلى التخلي عن جزء منها لتأمين جهاز عرس شقيقته، ثم بيع قطعة أخرى لتغطية تكاليف علاج والدته، ولم يتبق لهم الآن سوى مساحة صغيرة لا يعلم إلى متى ستصمد.
تهديد الأمن الغذائي الوطني
أوضحت الوكالة أنّ الخبراء حذّروا من أنّ استمرار هذا المسار سيؤثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي للبلاد، فحقول الأرز في جيلان تُعتبر جزءا مهما من إنتاج الأرز في إيران، وضياعها يعني تراجع الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الاستيراد.
وأكد خبير زراعي من قرية ماسال شمال إيران، أنّ تحويل الأراضي الزراعية إلى مبان يعني فقدانها بشكل نهائي، موضحا أنّ ذلك يشكّل عمليا تدميرا للرئة الخضراء للإقليم، وأضاف أنّ هذه الأراضي، إلى جانب زراعة الأرز، تؤدي دورا أساسيا في التوازن المناخي والدورة المائية للمنطقة، مشددا على أنّ النتيجة الحتمية لاستمرار هذا المسار لن تكون سوى الجفاف والتلوث.
تابعت الوكالة أنّ تحويل الأراضي الزراعية لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يطال الحياة الاجتماعية والثقافية في القرى فوجود سكان غير محليين يأتون فقط للترفيه، قلّل من قوة الروابط التقليدية والتضامن الاجتماعي بين الأهالي.
وأوضحت السيدة خديجة، من إحدى قرى شاندر من شمال إيران، أنّ بناء المنازل في الماضي كان مناسبة يتكاتف فيها جميع أهالي القرية لتقديم المساعدة، بينما بات بعض الوافدين اليوم يستعينون بعمّال غرباء لتشييد الفيلات، ويحيطونها بأسوار عالية دون أي تواصل مع السكان المحليين، الأمر الذي أفقد القرية دفئها وروحها الجماعية كما كانت في السابق.

أرباح قصيرة المدى وخسائر طويلة الأمد
أوضحت الوكالة أنّ بيع الأراضي قد يوفّر دخلا فوريا للعائلات، لكن هذا المال يُنفق بسرعة، لتبقى الأسرة بلا أرض ولا عمل ولا سند. بينما لو وُجد دعم جاد للزراعة، لكانت الأرض استثمارا دائما للأجيال.
وأشار محمد، من إحدى قرى تالش شمال إيران، إلى أنّ والده باع الأرض واشترى بثمنها سيارة، غير أنّ هذه السيارة تحوّلت لاحقا إلى عبء بتكاليفها المرتفعة، في حين لم تتمكن الأسرة من العثور على عمل مناسب، وأضاف أنّه لو احتُفظ بالأرض لكان بإمكانهم على الأقل زراعة الأرز وتسيير شؤون حياتهم.
مستقبل جيلان في غموض
ذكرت الوكالة أنّ استمرار وتيرة بيع الأراضي وبناء الفيلات يمكن أن يغيّر ملامح جيلان بالكامل فمن جهة تُهمَّش الزراعة، ومن جهة أخرى يتعرض البيئة لضرر كبير، كما يُهدد الإرث الثقافي الريفي بالنسيان.
تابعت أنّ قضية التغيير المفرط في استخدام الأراضي الزراعية يجب أن تُدرس من مختلف الجوانب، قبل أن نفقد الموارد الحيوية وغير المتجددة بشكل لا رجعة فيه، إذ إن تجاهل حماية الموارد المائية والبيئية اليوم، سيكون ثمنه الذي تدفعه أجيال الغد من أجل بقائها.
وأردف خبير زراعي في هذا السياق، قائلا إن إنشاء قاعدة بيانات جغرافية للأراضي الزراعية في إطار منظمة جهاد الزراعة في الإقليم، باستخدام التكنولوجيا الحديثة والاستعانة بالصور الفضائية لرصد التغييرات، أمر لا غنى عنه.
وأوضح أنّ من بين الحلول أيضا إعداد خرائط للتربة وأنماط استخدام الأراضي، بهدف تحديد المواقع الأمثل للمدن والمناطق الصناعية، وتوجيه خطط التوسع العمراني نحو الأراضي الزراعية الأقل إنتاجية.
وأضاف: “ينبغي كذلك تعزيز الرقابة القانونية على المخالفين من خلال تشديد الأطر التشريعية الداعمة للموارد الزراعية، وإنشاء هيكل إداري مع شبكة من المراقبين في القرى، وتدريبهم فنيا وإداريا وقانونيا للحفاظ على البنية الزراعية ومنع تدميرها”.

التحذير من بناء الفيلات في قلب الطبيعة
أوضح رئيس منظمة جهاد الزراعة في جيلان شمال إيران، صالح محمدي، أنّه “لن يُسمح للبعض بأن يبنوا بشكل أناني في داخل الغابات وحقول الأرز وبساتين الشاي باستخدام الحجر والحديد والإسمنت، فيلحقوا الضرر بالطبيعة”.
وأضاف محمدي أنّه “على الرغم من أنّ قوة الدول تُظهر عادة بالعلم والصناعة، فإن أحد أهم عناصر القوة يتمثل في القدرة على تأمين الغذاء، خصوصا الحبوب”.
وتابع مؤكدا أنّ “الأراضي الزراعية هي وديعة إلهية وصلت لنا من أجدادنا، ويجب أن ننقلها إلى الأجيال القادمة”، كما شدّد على أنّ “عدم الالتزام بحماية هذه الأراضي سيقود إلى عواقب خطيرة في مجال الأمن الغذائي”.
واختتمت الوكالة تقريرها، بتأكيد أنّ الخبراء يرون أنّ السبيل الوحيد لمواجهة هذه الأزمة هو تطبيق قوانين صارمة ضد تغيير استخدام الأراضي، إلى جانب تقديم دعم مالي وفني للمزارعين، فإذا لم تحقق الأرض دخلا لأصحابها، فإن عمليات البيع ستتواصل.
وأوضحت أنّ محافظة جيلان تقف اليوم أمام منعطف تاريخي حاسم: فإما أن تُصان هويتها الزراعية وبيئتها الخضراء من خلال دعم القطاع الزراعي والتصدي لظاهرة تغيير استخدام الأراضي، وإما أن تنزلق سريعا نحو التحول إلى منطقة تعجّ بالفيلات الفاخرة الخالية من الروح، والتي لا تضيف شيئا إلى الاقتصاد أو الثقافة المحلية سوى تذكير مؤلم بأن هذه الأراضي كانت يوما ما مصدر رزق لآلاف الأسر.

