اتفاق القاهرة بين إيران والوكالة الذرية.. تعاون مشروط لحماية البرنامج النووي بعد الهجمات

السيسي يتوسط عراقجي وغروسي

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين 

نشرت وكالة أنباء “إيرنا” الإيرانية الرسمية، الأحد 14 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا استعرضت فيه خلفيات ووقائع مفاوضات القاهرة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وصولا إلى توقيع «وثيقة القاهرة» كإطار جديد للتعاون بعد الهجمات على المنشآت النووية الإيرانية، كما أوضحت مضمون الاتفاق، وارتباطه بقانون البرلمان الإيراني، وشروط تنفيذه عبر المجلس الأعلى للأمن القومي، مع إبراز رسائله السياسية والدبلوماسية.

وثيقة القاهرة: إطار جديد للتعاون النووي

ذكرت الوكالة أنّ ما بات يُعرف بـ«وثيقة القاهرة» لا يُعد بمثابة شيك على بياض ممنوح للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بل إن استمرار عمل الوكالة في إيران مشروط، وإذا ما أراد الغرب اتخاذ إجراءات ضد إيران فإن الاتفاق سيُلغى، وأوضحت أنّ هذه الرسالة تؤكد أنّ طهران تستخدم ما لديها من أوراق ضغط لحماية مصالحها الوطنية.

وتابعت موضحةً أن يوم 10 سبتمبر/أيلول 2025، كانت أنظار وسائل الإعلام المحلية والإقليمية والدولية متجهة نحو العاصمة المصرية القاهرة، وقد كان مقررا أن يصل رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، صباح الثلاثاء من فيينا إلى القاهرة، ليلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بحضور وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، على هامش انعقاد الاجتماع الدوري لمجلس المحافظين في الوكالة.

أردفت الوكالة أنّ عقارب الساعة تجاوزت فترة الظهيرة بالتوقيت المحلي، دون أن يُسجَّل حضور غروسي في مقر وزارة الخارجية المصرية، وبعد تأخر دام خمس ساعات، وصل المدير العام للوكالة إلى القاهرة، حيث تبادل التحيات الودية مع الوزير المصري بدر عبد العاطي، قبل أن يتوجّه إلى قاعة المفاوضات للقاء الوفد الإيراني برئاسة وزير الخارجية سيد عباس عراقجي.

وبيّنت أنّ ساعة رملية المفاوضات بدأت في الدوران، ومع تجاوز فترة بقاء الوفدين الإيراني والأممي داخل قاعة المحادثات ساعتين ونصف، تواترت الأنباء في فيينا وطهران حول احتمال مرتفع للتوصل إلى اتفاق.

Image

إيران والوكالة: شروط مسبقة لتنفيذ الاتفاق

أوضحت الوكالة أنّ محور النقاشات كان واضحا خلف الأبواب المغلقة؛ إذ كان عراقجي وغروسي يعملان على صياغة نص يشكّل «دليلا جديدا للتعاون» بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية في المرحلة التي تلت الحرب داخل إيران.

وذكرت أيضا أنّه لم يكن خافيا على الأطراف في طهران، فيينا، القاهرة، وكذلك بروكسل وواشنطن، أنّ نمط التعاون بين إيران وهذه المؤسسة الدولية الرقابية النووية لا يمكن أن يستمر كما كان في السابق، إلا أنّ السؤال المطروح كان: كيف يمكن للطرفين التوصل إلى اتفاق يوفّر في آن واحد الضمانات المطلوبة من الوكالة ويستجيب للهواجس الإيرانية؟

وتابعت أنّ عقارب الساعة في طهران تجاوزت التاسعة مساء، فيما كان طول أمد المفاوضات مؤشرا على ارتفاع احتمال التوصل إلى اتفاق، وبالفعل صدقت التوقعات، إذ أعلن إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية وعضو الوفد المفاوض في القاهرة، عن التوصل إلى صياغة نهائية لـ«آلية جديدة للتعامل بين إيران والوكالة بشأن تنفيذ الالتزامات الخاصة بالضمانات».

وأردفت أنّه عقب إنجاز الاتفاق، توجّه غروسي وعراقجي برفقة بدر عبد العاطي، وزير الخارجية المصري، إلى القصر الرئاسي في مصر، حيث قدّم الوفدان شكرهما للرئيس المصري  عبد الفتاح السيسي على الجهود الحميدة التي بذلتها القاهرة في هذا الملف.

وتابعت أنه وبعد دقائق من لقاء الرئيس المصري، وقف وزير الخارجية الإيراني ومدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى جانب وزير خارجية مصر أمام عدسات وسائل الإعلام المحلية، ليوقعا على نص وثيقة التعاون الجديدة. 

وأضافت أنّ الكاميرات رصدت ابتسامة عابرة على وجه غروسي في مقابل تقطيبة وجه الوزير الإيراني، فيما ظلّت تفاصيل الوثيقة الجديدة، التي كانت بين يدي وزير الخارجية الإيراني والمدير العام للوكالة، مجهولة إلى حد كبير بالنسبة للمراقبين.

وذكرت أنّ وزير الخارجية الإيراني أكد في المؤتمر الصحفي الذي عُقد عقب توقيع وثيقة التعاون الجديدة، أنّ طهران لطالما كانت على استعداد لتقديم الشفافية بشأن الطبيعة السلمية لبرنامجها النووي، غير أنّ الهجمات التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة على المنشآت النووية الخاضعة لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إيران، جعلت التوصل إلى آلية جديدة للتعاون بين الطرفين ضرورة لا مفر منها. 

وأكد الوزير أنّ نص الوثيقة التي وُقّعت في القاهرة يتطابق بالكامل مع مصوبات البرلمان الإيراني  بشأن مرجعية المجلس الأعلى للأمن القومي في التعاون المستقبلي مع الوكالة، محذرا في الوقت ذاته من أنّ طهران تحتفظ بحقها المشروع في التراجع عن تنفيذ الاتفاق إذا ما تصاعدت حدة التوتر في الملف النووي الإيراني.

وأشارت إلى أنّ المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية تحدث في مؤتمر صحفي بفيينا عن انتصار الدبلوماسية على منطق التصعيد من خلال «اتفاق القاهرة»، معبّرا عن أمله في أن يتحرك الطرفان بتناغم خلال تنفيذ بنود الوثيقة.

وأردفت الوكالة موضحةً أنّ القصة الحقيقية للقاهرة بدأت مع مغادرة وزير الخارجية الإيراني والمدير العام للوكالة العاصمة المصرية؛ إذ ظهر في طهران بعض المنتقدين لتوقيع وزير الخارجية على الاتفاق، معتبرين أنّ ذلك يتعارض مع قانون البرلمان.

بيّنت أنّ غروسي قدّم من فيينا روايته الخاصة عن الاتفاق، مؤكدا على سرية مضامين وثائق الضمانات، وزاعما أنّ إيران منحت الوكالة إذنا بتفتيش جميع منشآتها النووية، لكن هذه التصريحات لم تُرضِ المنتقدين الذين اعتبروا أنّ طهران في الواقع لم توافق في اتفاق القاهرة على جميع طلبات الوصول المطلوبة، وأنّ غروسي عاد إلى فيينا ومعه وثيقة لا تُعد مكسبا مزدوجا للوكالة.

Image

دور البرلمان والمجلس الأعلى للأمن القومي

أردفت الوكالة أنّ فهم ما جرى في القاهرة يتطلب العودة إلى الوراء وطرح سؤال جوهري: لماذا وصلت العلاقة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى محطة القاهرة أصلا؟

وتابعت مؤكدةً أنّ الهجوم الإسرائيلي على إيران غيّر المعادلة بالكامل، وأنها شددت دائما على سلمية برنامجها النووي، والتزمت بالتعاون مع الوكالة، لكن الاعتداءات غير القانونية التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة ضد منشآت نووية إيرانية في أعقاب الحرب التي استمرت 12 يوماً، أوجدت واقعا جديدا استدعى مراجعة جذرية لإطار التعاون. 

وأوضحت أنّ هذا العدوان يُعد انتهاكا صارخا لقواعد القانون الدولي الأساسية، ولمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ولنظام عدم الانتشار، علما بأن هذه المنشآت كانت خاضعة لإشراف الوكالة وتُثبت تقاريرها سلميتها.

وأردفت أنّ الهجمات العسكرية الأخيرة والتهديد باستمرارها، غيّرت بشكل جوهري الظروف المحيطة بالمنشآت النووية الإيرانية، ما جعل استمرار التعاون وفق الترتيبات السابقة أمرا غير واقعي وغير عملي، وأكدت أنّ هذا التبدل في الظروف يمثّل تجسيدا لمبدأ قانوني معترف به في القانون الدولي يُعرف بـ«التغير الجوهري في الأوضاع»، وهو مبدأ يرتّب حقوقا وواجبات على الأطراف المعنية.

Image

وبيّنت أنّ السؤال التالي كان: لماذا لم تعد اتفاقية الضمانات كافية؟ أوضحت أنّ اتفاقية الضمانات المبرمة بين إيران والوكالة في إطار معاهدة عدم الانتشار صُممت للأوضاع العادية، ولم تتضمن أي ترتيبات للتعامل مع حالة تعرّض المنشآت السلمية لهجمات عسكرية مباشرة. 

كما أنّ الوكالة الدولية نفسها لا تملك بروتوكولا أو آلية واضحة للتعامل مع مثل هذه الحالات وهذا ما يثبت أنّ مواصلة التعاون تستدعي إطارا جديدا قائما على إدراك مشترك للواقع المستجد.

ذكرت الوكالة أنّ البرلمان الإيراني تدخّل سريعا، فأقرّ يوم الأربعاء 26 يونيو/حزيران 2025، قانونا يُخضع التعاون مع الوكالة لشروط يُناط البت فيها بالمجلس الأعلى للأمن القومي، وأوضحت أنّ تنفيذ هذا القانون كان يستلزم التوصل إلى ترتيبات جديدة لتنظيم التعاون.

وتابعت قائلة إنّ القاهرة شكّلت المحطة النهائية لعدة جولات من المشاورات الفنية المكثفة بين إيران والوكالة، التي جرت في طهران وفيينا بمشاركة ممثلين عن وزارة الخارجية ومنظمة الطاقة الذرية الإيرانية.

وهدف هذه المحادثات كان إيجاد صيغة عملية تضمن استمرار التعاون رغم الظروف الاستثنائية، على نحو يراعي المخاوف الأمنية الإيرانية ويلبّي في الوقت نفسه بعض متطلبات الوكالة بحكم التزامات إيران في إطار معاهدة عدم الانتشار واتفاقية الضمانات.

وأردفت الوكالة أنّ المفاوضات أُجريت منذ البداية في ضوء قانون البرلمان، وأنّ ما جرى في القاهرة بحضور وزير الخارجية الإيراني والمدير العام للوكالة جاء بالتنسيق الكامل مع المجلس الأعلى للأمن القومي، ليشكّل الجولة النهائية من المحادثات. 

ومن الطبيعي أنّ النص الختامي الذي صدر في القاهرة يختلف عن المسودات الأولية التي نوقشت في الجولات السابقة.

بيّنت الوكالة أنّ ما يُعرف بـ«وثيقة القاهرة» يمثّل في جوهره آلية عملية للتعاون تأخذ في الاعتبار الوضع الاستثنائي الناجم عن الهجمات على المنشآت النووية الإيرانية واستمرار التهديدات ضدها، وأكدت أنّ سلمية البرنامج النووي الإيراني قضية محسومة وموثقة، غير أنّ التجارب الأخيرة تفرض على إيران اتخاذ احتياطات إضافية لحماية أمنها القومي وضمان سلامة منشآتها النووية.

Image

تفاصيل اللقاءات والمفاوضات في القاهرة

ذكرت الوكالة أنّ الوفد الإيراني شدد في جميع مراحل التفاوض، على أنّ التعاون ليس طريقا أحاديا، بل إنّ على الوكالة أيضا مسؤولية الحفاظ على حيادها واستقلاليتها ومهنيتها، وأوجزت بعض ملامح الاتفاق كما يلي:

  • التوافق مع قانون البرلمان.
  • الاعتراف بضرورة تغيير إطار التعاون بعد الهجمات غير المشروعة.
  • مراعاة الهواجس الأمنية الإيرانية بشأن حماية المنشآت.
  • إبقاء باب التعاون مفتوحا بشروط تحقق أمن إيران.
  • التمييز بين المنشآت المستهدفة وتلك التي لم تُستهدف، مع وضع ترتيبات مختلفة لكل منها.
  • ربط تنفيذ كل خطوة بمصادقة المجلس الأعلى للأمن القومي.

تابعت الوكالة موضحةً أنّ إيران نبهت بوضوح إلى أنّ أي اعتداء جديد على أراضيها أو منشآتها النووية، أو إعادة تفعيل قرارات مجلس الأمن المنتهية، سيُعد سببا كافيا لإلغاء الإجراءات المنصوص عليها في الاتفاق.

وأردفت أنّ وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، أوضح في مقابلة تلفزيونية لاحقة، ملامح تنفيذ الاتفاق، قائلا إنّ الوثيقة ترسم إطارا جديدا يتضمن ضوابط خاصة بالمنشآت التي لم تتعرض للقصف، وأخرى مغايرة للمنشآت المتضررة. 

وبحسب هذا الإطار، لن تقوم الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأي إجراء قبل أن تُنجز إيران سلسلة من التدابير البيئية والأمنية في منشآتها، ثم ترفع تقريرها أولا إلى المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الذي يقرر مستوى وكيفية تقديم التقرير للوكالة. 

وتابعت أن بعدها فقط يُطرح موضوع التحقق والمطالبة بالوصول، وهو ما يستلزم مفاوضات جديدة تُحال نتائجها مجددا إلى المجلس الأعلى للنظر والبت فيها.

وبيّنت أنّ ذلك يعني أنّ كل خطوة مرهونة بالآليات التي نصّ عليها قانون البرلمان وبقرارات المجلس الأعلى للأمن القومي، ولا يمكن تخطيها.

وذكرت أنّه انطلاقا من هذا المسار، لا يمكن القول إنّ اتفاق القاهرة يتعارض مع قانون البرلمان، إذ إنّ القانون لم يُلغِ التزامات إيران الدولية ولم يُخرجها من معاهدة عدم الانتشار ولا من اتفاقية الضمانات.

Image

رسائل دبلوماسية وإقليمية بعد توقيع الاتفاق

أوضحت الوكالة أنّ ما جرى هو إدخال «نقطة تحكّم» إضافية عبر المجلس الأعلى للأمن القومي، باعتباره الجهة العليا المخوّلة بتقدير المقتضيات الأمنية، وبالتالي فإنّ موافقة هذا المجلس تجعل التعاون منسجما مع القانون.

وتابعت مؤكدةً أنّ المحللين يرون في اتفاق القاهرة خطوة ذكية تصب في المصلحة الوطنية، رغم التحديات الفنية المحتملة في تنفيذه، فالوثيقة تُتيح لإيران إدارة الأزمة النووية ومنع تفاقمها، وفي الوقت نفسه تفتح نافذة دبلوماسية مهمة.

وأردفت أنّ الاتفاق يساعد إيران على عدة مستويات: إدارة الأزمة وتخفيف التوتر، عرقلة مساعي أوروبا والولايات المتحدة لتفعيل آلية الزناد بسهولة، والحفاظ على استقلالية إيران في إدارة عمليات التفتيش عبر المجلس الأعلى للأمن القومي، كما أنّ الاتفاق لا يمنح الوكالة تفويضا مطلقا، بل يجعل استمرار عملها مشروطا، بما يمكّن إيران من استخدام أوراق الضغط لحماية مصالحها.

وختمت الوكالة تقريرها، بتأكيد أن الاتفاق وضع جدولة زمنية واضحة لمراحل التعاون، ومنح إيران فرصة لتقييم التزامات الطرف الآخر خلال الأسابيع القليلة المقبلة وحتى نهاية سبتمبر، ما يجعله خيارا عمليا وواقعيا في ظل الظروف المعقدة الإقليمية والدولية.