- زاد إيران - المحرر
- 489 Views
كتب: الترجمان
تتزايد في المشهد السياسي الإيراني خلال الأسابيع الأخيرة مؤشرات على عودة الصراع حول الاتفاق النووي (برجام) إلى واجهة الجدل الداخلي. هذا الصراع لا يتعلق فقط بمضمون الاتفاق نفسه، بقدر ما يكشف عن تجاذب أعمق بين تيارين: تيار يؤمن بالانفتاح والتفاوض لتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية عن البلاد، وآخر يرى في ذلك تنازلاً استراتيجياً يهدد بنية الدولة ومرتكزاتها العقائدية.
وفي هذا السياق، برزت تصريحات وأحداث سياسية متزامنة ألقت الضوء على إعادة رسم التحالفات داخل طهران، وجعلت ملف برجام مرة أخرى خطا فاصلا بين رؤيتين متعارضتين لمستقبل إيران.
رسائي يعيد فتح حسابات الماضي مع لاريجاني
وجّه حميد رسائي، النائب الأصولي في البرلمان الإيراني، انتقادا مباشرا لعلي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، مشيرا إلى أن موقفه من الاتفاق النووي كان قريبا من مواقف الرئيس الأسبق حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف.
رسائي اعتبر أن لاريجاني تبنّى الاعتقاد بأن التفاوض وتقديم بعض التنازلات يمكن أن يفتح باب حل أزمات البلاد، وهو ما يرفضه التيار المتشدد الذي يرى أن هذه الرؤية أدت إلى «إهدار فرص استراتيجية»، على حد تعبيره.
الهجوم لم يكن فرديا ولا عابرا، بل جاء في لحظة تتجدد فيها محاولات إعادة تصنيف الشخصيات السياسية داخل مشهد يعاد ترتيبه بهدوء، ولكن بشكل منظم.

المعركة ليست شخصية بل على “إرث سياسي”
في المقابل، أصدر مكتب الرئيس الأسبق حسن روحاني بيانا لافتا، اتهم فيه أطرافا سياسية وإعلامية بشن حملة مستمرة تستهدف تشويه أدائه في الدورتين الأولى والثانية. وأشار البيان إلى أن الهجمات «لا تهدف إلى نقد سياسي»، بل إلى إقصاء رموز الاعتدال وإعادة صياغة الرواية التاريخية للسياسة الإيرانية خلال العقد الأخير. وأوضح أن هذه الموجة ليست مجرد خلاف على الماضي، بل محاولة لصناعة مستقبل سياسي مختلف يقصي تيار المصالحة من المشهد.
جليلي يستعيد شعار «الحكومة في الظل» ويطرح نفسه بديلا
بالتزامن، ظهر سعيد جليلي في جامعة العلامة الطباطبائي، حيث قدّم رؤية نقدية للحكومتين السابقة والحالية، واصفا نهج التفاوض بأنه «معادلة تسليم». اللافت أن جليلي لم يكتف بالخطاب النقدي، بل أعاد طرح مفهوم «الحكومة في الظل» الذي تبناه منذ خسارته أمام روحاني في انتخابات 2013.
هذا المفهوم تطور تدريجيا إلى شبكة تأثير يمتد حضورها داخل البرلمان والإعلام وبعض المؤسسات التنفيذية، بحيث أصبح جليلي لاعبا مؤثرا في صناعة القرار من خارج الجهاز الحكومي الرسمي.
ووفق تحليلات نشرتها صحيفة شرق، فإن تحركات جليلي وما يرافقها من تصعيد إعلامي ضد رموز الاعتدال ليست مجرد «ثأر سياسي»، بل تهيئة مبكرة لمعركة الوصول إلى رئاسة الجمهورية. الهدف هو خلق بيئة تسمح تدريجيًا بتقليص شرعية التيار المعتدل، وصولًا إلى إضعاف الحكومة الحالية عبر الضغط البرلماني والاستجوابات المتلاحقة.

تدلّ هذه المستجدات على أن الصراع الدائر حول الاتفاق النووي ليس نقاشا تقنيا، بل هو معركة على اتجاه الدولة: هل تتجه إيران نحو مزيد من الانفتاح والمصالحات السياسية، أم نحو تعزيز مبدأ المواجهة والصمود؟
وتشير ملامح اللحظة الراهنة إلى أن الطريق نحو الباستور قد بدأ مبكرا، وأن الفاعلين السياسيين بدأوا في رسم خرائط تأثير جديدة ستحدد شكل القيادة المقبلة. وبين خطاب «الاعتدال» ورؤية «الحكومة في الظل»، تبدو الساحة الإيرانية مقبلة على مرحلة من إعادة التموضع قد تكون هي الأشد حسما منذ توقيع برجام قبل قرابة عقد.

