الإفراج المشروط عن سجينين فرنسيين في إيران: خطوة دبلوماسية ضمن صفقة تبادل بين باريس وطهران

كتبت: كريمة هاني

يشكل الإعلان عن الإفراج المشروط عن المواطنين الفرنسيين سيسيل كوهلر وجاك باريس منعطفا جديدا في العلاقات بين فرنسا وإيران، اللتين تشهدان حالة من المد والجزر منذ سنوات بسبب الملف النووي، والاحتجاجات الداخلية في إيران، والمواقف الإقليمية المتباينة. 

ففي مساء الثلاثاء 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعلنت طهران الإفراج عن الفرنسيين المحتجزين في سجن إيفين السياسي الشهير، مقابل خطوة مقابلة في باريس تمثلت في الإفراج عن المواطنة الإيرانية مهدية إسفندياري التي كانت محتجزة بتهمة دعم جماعات فلسطينية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وتأتي هذه الخطوة بعد مفاوضات طويلة وهادئة جرت في قنوات دبلوماسية بعيدة عن الأضواء، ما يفتح الباب أمام قراءة موسعة لأبعاد العملية، التي تتراوح بين البعد الإنساني والصفقة السياسية.

خلفية الاعتقال والتهم الموجهة

جاء اعتقال سيسيل كوهلر (41 عاما)، وهي معلمة للأدب واللغات، وجاك باريس (72 عاما)، المدرس المتقاعد، في مايو/أيار 2022 أثناء زيارة سياحية إلى إيران. ووفق ما أعلنته السلطات الإيرانية، فقد التقى الاثنان خلال الزيارة بمجموعة من النشطاء النقابيين للمعلمين والعمال في طهران، وهو ما اعتبرته الأجهزة الأمنية الإيرانية نشاطًا يتجاوز نطاق الزيارة السياحية.

وقد وجّهت إليهما محكمة الثورة في طهران تهمًا تتعلق بالتجسس لصالح أجهزة الاستخبارات الفرنسية والإسرائيلية، والاجتماع والتواطؤ لارتكاب أعمال تضر بالأمن القومي، والتعاون مع مجموعات تعمل على زعزعة الاستقرار الداخلي.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، صدرت بحق كوهلر عقوبة بالسجن 17 عاما، فيما حكم على باريس بـ 20 عاما، ورغم نفيهما للتهم خلال التحقيقات، أصرّت طهران على أن الملف قضائي بحت ولا يتضمن أبعادًا سياسية.

على الجانب المقابل، وصفت فرنسا الاتهامات بأنها “ملفقة لأغراض تفاوضية”، معتبرة أن مواطنيها كانا رهينتين سياسيّتين ضمن ما تسميه منظمات حقوقية “دبلوماسية الرهائن”. وهو تعبير تستخدمه تقارير غربية لوصف لجوء إيران إلى توقيف مواطنين أجانب كورقة ضغط دبلوماسية.

بينما تؤكد إيران، على لسان كبار مسؤوليها، أن الحديث عن “رهائن” مرفوض تماما، وأن التعامل يتم وفق القانون والقضاء الإيراني كما هو حال أي ملف أمني.

Image

تفاصيل الإفراج المشروط

أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أن الإفراج عن كوهلر وباريس تم بقرار قضائي مستقل وبكفالة مالية، موضحا أن القرار لا يلغي التهم الموجهة لهما، بل يسمح بخروجهما المؤقت تحت المراقبة القضائية إلى حين انتهاء المرحلة الاستئنافية.

وقال بقائي إن القرار “يأتي ضمن روح التعامل الإنساني في النظام القضائي الإيراني، الذي يتيح الأخذ بعين الاعتبار الاعتبارات الصحية والإنسانية والعائلية للمتهمين”.

وبذلك، فإن الفرنسيين لن يغادرا إيران في الوقت الحالي، وسيظلان تحت رقابة قانونية إلى حين اكتمال الإجراءات القضائية، وهو ما يجعل الخطوة مشروطة وليست إطلاق سراح كامل.

Image

تصريحات عراقجي: بين “الرحمة الإسلامية” والبعد السياسي

أدلى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بتصريحات لافتة عقب الإعلان، قال فيها: “المواطنان الفرنسيان كانا متهمين في قضايا تجسس وأمن قومي، لكن النظام القضائي منحَهُما فرصة الاستفادة من مبدأ الرحمة الإسلامية الذي يشكل أحد الأعمدة الأخلاقية في نظامنا القانوني”. 

وفي سياق متصل، أكد عراقجي أن الإفراج عن كوهلر وباريس جاء بالتوازي مع الإفراج عن مهدية إسفندياري في فرنسا.

Image

الإفراج عن مهدية إسفندياري في باريس

كانت إسفندياري محتجزة في فرنسا منذ مارس/آذار 2024 بتهمة دعم منظمات فلسطينية عبر محتوى رقمي وتحويلات مالية، بحسب السلطات الفرنسية. وقد وصف الإعلام الإيراني التهم بأنها “ملفقة ومسيّسة”، معتبرا أن إسفندياري كانت تستهدف “مناصرة القضية الفلسطينية” لا دعم الإرهاب.

في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2025، قرر القضاء الفرنسي الإفراج المشروط عنها ووضعها تحت الإقامة الجبرية في السفارة الإيرانية بباريس، انتظارا لترتيبات عودتها النهائية إلى طهران.

وأكد إسماعيل بقائي أن الجهود الدبلوماسية مستمرة لإتمام عودتها إلى الوطن قريبا.

Image

ردود الفعل الفرنسية

رحب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالإفراج عن كوهلر وباريس، وقال في رسالة عبر منصة “إكس”: هذه خطوة أولى مهمة. لن ندخر جهدًا حتى يعودا إلى الوطن”. 

وأكد السفير الفرنسي في طهران أن كوهلر وباريس موجودان الآن في السفارة الفرنسية، ما يعني أنهما تحت حماية دبلوماسية كاملة، رغم بقائهما داخل الأراضي الإيرانية رسميًا.

أما وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو فقال: “الملف لم يكن مرتبطًا بالنووي أو بالعقوبات، بل كان نتيجة مفاوضات صامتة وطويلة”. 

Image

الأبعاد السياسية والدبلوماسية

يمثل هذا التطور جزءًا من محاولات خفض التصعيد بين باريس وطهران بعد سنوات من التوتر المتصاعد. فالملف النووي الإيراني لا يزال معلقًا، والاحتجاجات الداخلية في إيران خلفت جروحًا سياسية في صورة إيران الغربية، فيما تسعى باريس إلى الحفاظ على قنوات اتصال مع طهران في ظل الاشتباكات الإقليمية المعقدة والملفات الحساسة في الشرق الأوسط.

ويرى مراقبون أن الإفراج المتبادل يعكس محاولة فرنسية لاستعادة مواطنيها دون تصعيد، ومحاولة إيرانية لإبقاء أبواب الحوار مفتوحة مع العواصم الأوروبية، وقد يكون أيضًا مؤشرًا على رغبة في استئناف مفاوضات أوسع خلال المرحلة المقبلة.

يمثل الإفراج المشروط عن سيسيل كوهلر وجاك باريس بارقة تهدئة في ملف معقد شهد توترات وأزمات إنسانية وسياسية. ورغم أن الفرنسيين لا يزالان تحت المراقبة القضائية داخل إيران، ولم تتم عودة إسفندياري إلى طهران بعد، إلا أن هذه الخطوة تشير إلى إرادة مشتركة لدى باريس وطهران لتخفيف التوتر وإعادة بناء مساحات من الثقة المفقودة.

وستكون الأسابيع المقبلة اختبارًا حقيقياً لمدى قدرة الطرفين على البناء على هذه الخطوة، إما باتجاه حوار أوسع ومفاوضات أشمل، أو العودة إلى دائرة الشكوك والضغوط المتبادلة.

كلمات مفتاحية: