- زاد إيران - المحرر
- 369 Views
نشرت وكالة أنباء مهر الأصولية، السبت 7 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا أفادت فيه بأن رضا أكبري قصد رؤية جمال الأراضي الرطبة التي زارها مرة واحدة قبل نحو ثلاثين عاما خلال رحلته إلى جيلان، وحتى الآن، يصف تلك التجربة كذكرى لا تُنسى، ويعرض بشغفٍ الصور التي التقطها لتبقى تذكارا حيّا لتلك اللحظات التي استمتع بها.
وأضافت الوكالة أن عودته الأخيرة جاءت مختلفة تماما عن ذكرياته، إذ وجد المكان تغير جذريا، فشعر كما لو كان عاشقا انتظر أعواما طويلة ليلاقي معشوقه من جديد، فإذا به يواجه وجها تالفا بالكامل، فبقي مذهولا وحائرا أمام هذا التحول المفاجئ.
وتابعت أن هذا التقرير يشير إلى أن أكبري كان مسافرا من موطنه الريفي البسيط، من مدينة البادغيرات، قادما من المدينة المعروفة باعتبارها أول مدينة تاريخية في إيران، مرورا بصحراء لوت التي تستقبل السياح طوال العام لمشاهدة النجوم المتلألئة في قلب الصحراء عند المساء.
وأردفت أنه حين يحاول مسافر مدينتنا الحديث، يغلبه البكاء، فيكتفي بعبارة واحدة، ما رأيته اليوم لم يعد حتى مستنقعا، بل مستنقعا فاسدا، ثم يغادر وهو غارقا في الحزن، وقد محيت جميع الذكريات الجميلة التي كانت حاضرة في قلبه.
وأوضحت أن هذا المسافر ليس حالة فردية، بل يعكس تجربة كثير من السياح الذين يعودون بعد سنوات طويلة إلى مدينة المطر لزيارة تالاب أنزلي الدولي، فيصدمهم الواقع بما لم يكن في حسبانهم.
وأكَّدت أن تالاب أنزلي الدولي موطن لأنواع كثيرة من الكائنات المائية والطيور والنباتات، وأحد النُظم البيئية الثمينة في العالم، وقد سُجّل منذ عام 1975 في اتفاقية رامسر الدولية، غير أن أنفاسه تضيق يوما بعد يوم، وجراحه تتعمق أكثر فأكثر، وهو يترقّب همة كل من يحمل في قلبه حبا له، وكل ذي مصلحة أو مسؤولية في صيانته ورعاية هذه النعمة الإلهية.
حكاية مأساوية لسكان التالاب الأصليين بسبب تهديد معيشتهم
أبرزت الوكالة أن النظام البيئي الذي عاش فيه الآباء والأجداد منذ قرون بتآلف وانسجام، يكتسب في الوقت الحاضر أهمية مضاعفة لأنه مصدر رزق ومعاش للعديد من العائلات التي تعيش في محيط هذا التالاب الجميل وتعتمد عليه في حياتها، غير أن حالة التالاب المتدهورة هذه الأيام انعكس على قلوبهم، فلم تعد أحوالهم بخير، وباتوا إضافة إلى قلقهم على مستقبل هذا التالاب، يعيشون اضطرابا بشأن أوضاعهم المعيشية.
وبيَّنت أنه في تالاب أنزلي، يصف صياد مسنّ، كان مصدر رزقه نقل السياح والمواطنين، التحوّل الكبير للمكان من موقع طبيعي فريد إلى بيئة مثقلة بالأزمات.
وذكرت أن هذا الرجل جلس منهكا تحت ظل شجرة، في انتظار مسافر قد يمنحه جولة بسيطة، توفر له رزقا محدودا، ويقول بأسى، أن المشكلة واضحة و الحل معروف، لكن التالاب جفّ إلى حدّ أن القوارب أحيانا لا تصل إلى مواقع زهور اللوتس، و نشعر بالخجل أمام ضيوف أنزلي الذين يأتون لمشاهدة الجمال الذي اندثر..
وأضاف أنه في السابق كانوا يدعون الناس لزيارة التالاب بعبارات مثل، جزيرة، ومستنقع، وزهور اللوتس، وسلاحف تقفز ولقالق تحلّق، أما اليوم فلا قفز للضفادع ولا طيران للّقالق ولا حركة للسلاحف، وحتى الحيوانات بدت متعبة من هذا الواقع.
وأظهرت الوكالة أن هذه الصورة القاتمة لا تتوقف هنا، فإلى جانب القارب، يروي صياد منهمك في تنظيف شباكه قصة مماثلة، إذ يؤكد أن الوضع تغيّر جذريا في السنوات الأخيرة، فحتى قبل أربع سنوات فقط كان التالاب ممتلئا بالماء ونصطاد منه أسماك الكارب، والعاشبة، والبايك، بل وحتى الكافيار، أما الآن، وإن عثرنا على بعض الأسماك، فإن رائحتها الكريهة تجعلها بالكاد قابلة للبيع أو الأكل
.
وأكَّدت أن الصياد يشير إلى أن مناطق كانت تُعرف بالأرض المباركة داخل التالاب، تحولت اليوم إلى مراعي للأبقار بعدما جفّ الماء وحلّ مكانه العشب.
ضرورة إنشاء محطات معالجة ومنع تدفق الملوّثات الثلاثة
أوردت الوكالة أنه رغم تراجع مياه بحر قزوين خلال السنوات الأخيرة لم يكن بلا تأثير في الوضع الراهن للبحيرة، فإن دخول الرواسب ومياه الصرف الصناعي والمنزلي والمستشفيات، إضافة إلى مخلفات المسالخ والسموم الزراعية، تبقى كالطفيليات التي لا تفارق جسد هذا التالاب المرهق.
وتوَجّهت إلى محافظ جيلان، هادي حق شناس، الذي خدم لسنوات طويلة في منظمة الموانئ والملاحة البحرية تحت مناصب متعددة، وهو من أبناء بندر أنزلي ومن سكان هذا التالاب نفسه، وقال إن إحياء تالاب أنزلي يتطلب ثلاثة إجراءات أساسية.
وأوضح أن منع دخول مياه الصرف الصناعي والمنزلي والسموم الزراعية يمثل الركيزة الأهم لعودة التالاب إلى أيامه الجيدة، مضيفا أن من الضروري معالجة مياه الصرف في المدينة الصناعية برشت، والمجمعات الصناعية المحيطة بالتالاب والواقعة في مدن رشت، وخمام وأنزلي، وفومن، وماسال، إلى جانب مياه الصرف المنزلية في هذه المدن.
وأشار إلى أن جزءا من محطة معالجة مسكن مهر في رشت دخل الخدمة خلال أسبوع الحكومة عام 2025، فيما ستبدأ محطة غازيان في بندر أنزلي العمل خلال الأشهر المقبلة، الأمر الذي سيسهم في معالجة معظم مياه الصرف المنزلية بالمدينة.
ونوَّه إلى أنه يتم العمل حاليا على مشاريع مماثلة في صومعة سرا وفومن، والتي ستؤدي، بعد إنجازها، إلى تصفية نحو 250 ألف متر مكعب من مياه الصرف قبل دخولها إلى التالاب، معربا عن أمله في أن ينجز جزء كبير من هذه المشاريع خلال فترة حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
وصرَّح بأن أحد أسباب أزمة بحيرة أرومية هو عدم وصول حصتها المائية، مؤكدا أنه إذا ما توقفت الملوثات الثلاثة عن التدفق إلى التالاب وتم استبدالها بمياه معالجة، فإن تالاب أنزلي سيتمكن، بفضل تغذيته من 11 نهرا، من استعادة توازنه الطبيعي على المدى الطويل، واعتبر أن إنشاء مصائد للرواسب عند مصبات الأنهار التي تصب في التالاب، أو تطهير المصائد الموجودة وتعميق قاع التالاب، ليس سوى علاج مؤقت أشبه بالمسكّن.
ورأى أنه على الرغم من أن التدفق السنوي للمياه إلى تالاب أنزلي يبلغ نحو ملياري متر مكعب، فإن المشكلة تكمن في أن امتلاء التالاب يحول دون احتفاظه بهذه الكمية، فتتجه المياه مباشرة نحو البحر وتتسرب إليه.
وأعرب عن أمله في أن يؤدي تشغيل محطات المعالجة ووقف تدفق النفايات إلى وضع تالاب أنزلي الدولي على مسار الإحياء، موضحا أن هذه المهمة لن تكون سهلة، إذ إن نحو مئة عام مضت والمخلفات تُصرف إلى داخل التالاب، وبالتالي فإن استعادته تتطلب تخطيطا متعدد السنوات وجهدا عمليا متواصلا حتى الوصول إلى النتائج المرجوة.
وكشف عن تأثير الموجات الكاسرة الجديدة في بندر أنزلي على جفاف التالاب، مشيرا إلى أنه من خلال خبرته طويلة في منظمة الموانئ والملاحة البحرية أكد أن عمق التالاب كان قد انخفض حتى قبل إنشاء هذه الموجات الكاسرة، ومع ذلك لا يمكن إنكار أن لهذه المنشآت وسائر البنى المتدخلة بعض التأثير، بينما يبقى العامل الأهم هو تدفق مياه الصرف.
وأضاف أن إحياء تالاب أنزلي يتطلب نحو 300 مليون دولار، أي ما يقارب ثلاثة آلاف مليار تومان، مشددا على أن هذا التمويل لن يُرصد دفعة واحدة، لكننا نسعى كي لا يتوقف مشروع الإحياء، وأن نستفيد من كل اعتماد مالي يُخصص لتحقيق هذه الغاية.
وجود زهور اللوتس المائية دليل على حياة تالاب أنزلي
بيَّنت الوكالة أن تالاب أنزلي الدولي يُعد واحدا من الأنظمة البيئية الطبيعية النادرة، لكنه اليوم وبفعل التدخل البشري والاستغلال غير الرشيد تحوّل إلى أزمة بيئية متفاقمة، وهذا الموطن الذي عاش فيه الآباء والأجداد قرونا بروح منسجمة، لم يكن مجرد مساحة طبيعية، بل كان مصدر رزق متنوع؛ فمنه ارتبطت حياة السكان بالصيد والسياحة، ومن مياهه ارتوت الحقول والمزارع وأُمنت احتياجات المزارع المحيطة به.
وتوجّهت إلى مدير عام البيئة في محافظة جيلان فرهاد حسيني طایفه، الذي أوضح أن تالاب أنزلي تحوّل اليوم من تالاب دائم إلى تالاب موسمي، وجزم بأن هناك حقيقة ميدانية بخصوص تالاب أنزلي، فقد كان في الماضي تالابا ساحليا يتغذى بالمياه من البحر، أو بعبارة أخرى كان يتمتع بدورة مائية متجددة، أما الآن فلم يعد كذلك، إذ لا يحتفظ بالمياه إلا ستة أشهر فقط في السنة.
ولفت فرهاد إلى أن تراجع مياه بحر قزوين كان سببا إضافيا في جفاف تالاب أنزلي، مشددا على أهمية الأخذ في الاعتبار أن انحدار قاع التالاب حاليا يتجه من جهة التالاب نحو البحر، كما أن الرواسب الداخلة إلى التالاب ساعدت على تحريك خط توازن المياه باتجاه الساحل، وبهذا فإن المياه التي تدخل التالاب تتدفق مباشرة نحو البحر.
وأوضح أنه جرت أعمال تجريف عديدة في قاع تالاب أنزلي، مبرزا أنه عندما كان التالاب لا يعاني من مشكلات وكان يحتفظ بمياهه، كان التجريف إجراء طبيعيا، أما الآن وفي ظل جفافه، فإن القيام بالتجريف تحت عنوان فتح المسارات لا معنى له، بل يؤدي إلى خروج المياه بسرعة أكبر نحو البحر، في حين أن إدارة المياه تبقى العامل الأهم لبقاء هذا التالاب الدولي.
وأشار إلى أن وجود زهور اللوتس المائية دليل على أن تالاب أنزلي لم يمت بعد وأنه بحاجة إلى الإحياء، مشددا على ضرورة العمل بكل السبل الممكنة، حتى عبر استخدام منشآت هندسية متنوعة، لمنع تسرب المياه خارج التالاب، ورفع مستوى قاعه وعكس اتجاه الانحدار، تماما كما نفعل في أحواض المياه.
وحثّ على ضرورة مراعاة حقوق أصحاب المصلحة والسكان المحليين في إطار تنفيذ عمليات إحياء تالاب أنزلي، بحيث تتم هذه الجهود بأقل قدر من التعارضات الاجتماعية ومع احترام الحقوق العامة.
وقال إن جميع المشاريع المنفذة في تالاب أنزلي، إلى جانب أوجه التقصير التي شهدها مساره- من غياب مشاريع إدارة مصادر المياه في أعالي الأحواض، وعدم تجريف مصائد الرواسب، وتدفق المياه الصناعية العادمة، ومياه الصرف الصحي المنزلية، والمبيدات الزراعية- كلّها جروح وأضرار عميقة أُلحقت بجسد هذا النظام البيئي القيّم وأسهمت في بلوغه الوضع الراهن.
وأكد ضرورة بناء توافق شامل يضم جميع الأطراف، من مسؤولين وأصحاب مصلحة والمجتمعات المحلية، مصرحا أن تالاب أنزلي يمتلك القدرة على تجديد نفسه شرط أن يُمنع تدفق أي نوع من النفايات أو مياه الصرف إليه، لكن على الناس أيضا أن يدركوا أن لكل فرد دورا في إنقاذ التالاب، لأنه يمثل هوية هذه المدينة وهو التالاب الوحيد الذي يحمل اسمها.
وأشار إلى أن النباتات الغازية مثل الأزولا واليعقوم المائي، تُعد من أخطر التهديدات البيئية التي تواجه تالاب أنزلي، مؤكدا أن هذه الأنواع الدخيلة تستهلك قسما كبيرا من طاقة وجهود العاملين في هيئة البيئة وتعرقل حياة السكان المحليين المعتمدين على التالاب.
تالاب أنزلي؛ ضرر من صُنع الإنسان
أفادت الوكالة بأن هذا التقرير قد يكون واحدا من بين مئات التقارير التي نُشرت خلال السنوات الماضية عن حال تالاب أنزلي، لكن صحافيي وكالة مهر لا يزالون، جنبا إلى جنب مع الناس، يقومون بدور الجسر بين المجتمع والمسؤولين، في متابعة مستمرة ومطالبة متواصلة من أجل إحياء هذا التالاب.
وأبرزت أنه لا شك في أن كثيرا من المسؤولين قد قرأوا هذه التقارير وسمعوا النداءات، بل إن بعض الخطوات قد اتُخذت بالفعل، غير أن ما لا ينبغي أن ننساه هو أن العوامل الطبيعية مثل تراجع مياه بحر قزوين أو التغير المناخي، كان تأثيرها ضئيلا مقارنة بالدور التخريبي للإنسان.
واعتبرت أن إلقاء النفايات، والتدفق المستمر لمياه الصرف الصناعي والمنزلي، والاستخدام المفرط للمبيدات الزراعية، وغياب محطات المعالجة الكافية، وانعدام إدارة الموارد في أعالي الأحواض، ليست سوى جزء من الجروح التي أصابت جسد التالاب، وفي أقسى صور الاعتداء، فإن إحراق القصب عمدا بأيدي البشر في هذا التالاب الدولي، يروي حكاية مريرة عن تدمير الذات.
وفي الختام أقرَّت الوكالة بأن “الإنسان هو المسؤول الأول عن جراحه وخسائره، لأنها تنبع من أفعاله هو لا من الخارج، وإذا لم نتحرك اليوم، فلن يبقى لتالاب أنزلي سوى أيام معدودة قبل أن تغادره أنفاسه الأخيرة”.

