المحاربون القدامى في حرب إيران والعراق ورواياتهم

كتب: سيد نيما موسوي

في العصور ما قبل الحديثة كان القتال ظاهرة عامة، ولم يُنظر إلى الخدمة العسكرية باعتبارها مهنة مستقلة، فلم تكن هناك جيوش محترفة إلا في عدد محدود من الدول، وكان حمل السلاح واجبا عاما لا فضيلة تخص طبقة بعينها، ومع نشوء الدول القومية، اكتسبت الجيوش النظامية أهمية خاصة، وبرز نظام التجنيد الإجباري الذي ارتبط على نحو وثيق بمرحلة ما بعد الثورة الفرنسية.

ويُذكر أنّ “لازار كارنو”، أحد قادة الثورة الفرنسية، هو من أسّس أول نظام للتجنيد بين الدول الأوروبية، وهو ما أتاح لنابليون بونابرت إنشاء جيش قوي تمكّن من السيطرة على أجزاء واسعة من أوروبا. ومنذ ذلك الحين، ظهرت الحاجة إلى رعاية الجرحى والجنود العائدين من ميادين القتال، إذ راحت الحروب تخلّف وراءها طبقات اجتماعية جديدة من القتلى والناجين والمحاربين المصابين.

غير أنّ الاهتمام بالمحاربين القدامى ليس وليد العصر الحديث؛ ففي روما القديمة، مثلا، شكّل هؤلاء طبقة اجتماعية مؤثرة، وكان الأباطرة يمنحونهم مكافآت مالية تعرف بـ “الدوناتيفوم”، بل ويوزعون عليهم أراضي زراعية، وتعد مدينة تارانتو في جنوب إيطاليا من أبرز الأمثلة، حيث مُنح المحاربون القدامى أراضيَ فيها لتعويض النقص السكاني.

كما حظي المحاربون القدامى بمكانة مرموقة في صدر الإسلام، فقد نُقل أنّ النبي (ص) أولى عناية خاصة بمقاتلي بدر، وكان يُجلّهم أيما إجلال، حتى أنّه إذا خلا المجلس من مقاعد تكفيهم، طلب من الحاضرين أن يفسحوا لهم المجال للجلوس.

وفي العصر الحديث، ظلّ للمحاربين القدامى حضور بارز في صناعة التحولات السياسية والاجتماعية، فقد شكّلوا في ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الأولى القاعدة الصلبة التي استند إليها هتلر لصعود النازية، وكانوا النواة الأهم لأنصاره. 

وفي الولايات المتحدة، انبثقت من صفوف المحاربين القدامى في الحرب الأهلية جماعة «كو كلوكس كلان» العنصرية، التي مثّلت أحد أخطر التنظيمات المتطرفة في التاريخ الأمريكي، بينما أبدت الأجيال اللاحقة من أعضائها تعاطفا معلنا مع النازية الأوروبية.

Image

لكن المأساة الأكبر في سجل المحاربين القدامى تجلّت في تجربة حرب فيتنام، فقد عاد آلاف الجنود وهم يجرّون خلفهم خيبة الهزيمة، ليجدوا مجتمعا غارقا في حركات احتجاجية مناهضة للحرب، بلا تقدير ولا احتضان، وهكذا تحوّلوا إلى فئة مهمّشة مثقلة بالإحباط النفسي والاجتماعي.

وقد خلّد الفن السابع هذه المأساة في عشرات الأفلام، أبرزها “مولود في الرابع من يوليو” للمخرج أوليفر ستون، و«الدم الأول» (رامبو) لتيد كوتشيف، بطولة سيلفستر ستالون، التي صارت أيقونات في تصوير محنة الجنود العائدين من فيتنام.

خلال حرب إيران والعراق، انعكس الطابع المدني للحكومة الإيرانية – بخلاف الطابع العسكري الصارم للنظام العراقي – على علاقة المجتمع بالحرب، ففي معظم سنوات الصراع، ظلّت المدن الإيرانية تمارس حياتها اليومية بشكل شبه طبيعي، بينما بقيت أجواء الجبهات بعيدة عن المزاج المدني. بل إنّ المقاتلين العائدين إلى المدن كانوا يواجهون أحيانا فتورا اجتماعيا وغيابا للتقدير، وهو ما ساد حتى في المراحل الأولى للحرب.

Image

أما في العراق، حيث كان الحكم عسكريا بالكامل، فقد تحوّلت الحرب إلى أولوية مطلقة للمجتمع.

وقد أسفر طول أمد الحرب عن بقاء قضية المحاربين القدامى في الظل، لكن مع عودة المقاتلين تدريجيا إلى الحياة المدنية، ثم مع الإفراج عن أسرى الحرب في مطلع التسعينيات، طُرحت هذه القضية بقوة في الساحة الإيرانية.

وكانت إيران نفسها في تسعينيات القرن الماضي قد تغيّرت جذريا عن صورتها في الثمانينيات: فالعمران الحديث قلب ملامح طهران والمدن الكبرى، أزاح الأحياء التقليدية لصالح ناطحات السحاب والشقق السكنية. كما تراجع الاقتصاد الموجَّه الذي طبع سنوات الحرب، وحلّت مكانه السياسات النيوليبرالية في عهد الرئيس أكبر هاشمي رفسنجاني. 

ومع هذه التحولات الاقتصادية والعمرانية، تبدّلت الثقافة أيضا؛ إذ تضاءل الدور الاجتماعي للمسجد، بينما برزت المراكز الثقافية كمساحات جديدة للتفاعل، وهو ما منح المشهد الثقافي الإيراني طابعا أكثر علمانية.

وقد وجدت هذه التوترات انعكاسها في السينما الإيرانية، حيث يُعدّ فيلم “الوكالة الزجاجية” لإبراهيم حاتمي ‌كيا العمل الأبرز الذي صوّر معضلات المحاربين القدامى وصدامهم مع المجتمع المتحوّل في تسعينيات القرن الماضي.

Image

في خضمّ التحولات الاقتصادية والثقافية العاصفة التي شهدتها إيران مطلع التسعينيات، شعر كثير من المحاربين القدامى بالغربة وسط المدن، فبعضهم، ولا سيما من أبناء الطبقات الفقيرة والبعيدين عن الأيديولوجيا الدينية، حاولوا الاحتفاظ ببقايا من رموز الجبهة في حياتهم اليومية؛ كارتداء السراويل العسكرية مع سترات الطيارين، أو لفّ الكوفية حول عدّادات دراجاتهم النارية. بينما اضطر آخرون إلى الهجرة نحو اليابان للعمل اليدوي، وكان أغلبهم من سكان أحياء الجنوب الشعبيّة في طهران مثل فلاح ونازي‌ آباد.

في المقابل، سعى محاربون قدامى أكثر تشبثا بالخطاب الديني إلى إعادة إحياء أجواء الحرب داخل المدن، فأسسوا مطلع التسعينيات “هيئة مجاهدي الإسلام”، ليبتعدوا عن الهيئات الدينية التقليدية المتصلة بالبازار. وفي السياق ذاته برزت حركة “أنصار حزب الله”، التي جمعت معارضي سياسات التحديث في عهد رفسنجاني، وقادها وجوه بارزة مثل حسين الله ‌كرم، وعبد الحميد محتشم، وذبيح الله بخشي.

Image

ومع أنّ ظهورهم اقتصر في البداية على الاحتجاج ضد رفسنجاني، فإنّ انتخابات 1997 التي أوصلت محمد خاتمي إلى الرئاسة دفعتهم إلى الانخراط الجاد في الساحة السياسية. وبلغ حضورهم ذروته في أحداث جامعة طهران عام 1999، حين خاضوا مواجهات مباشرة مع الطلبة المحتجّين.

بدءا من عام 1996، توسّع نشاطهم من الشارع إلى بناء تنظيم حزبي منظم عبر “حزب الإيثار”، الذي استند إلى المحاربين القدامى كعماد رئيسي له، وقد دعم الحزب شخصيات بارزة مثل علي أكبر أبو تُرابي، الأب الروحي لأسرى الحرب الإيرانيين، إلى جانب قادة سابقين في الحرس الثوري، وسرعان ما ترجم الحزب هذا الحضور إلى انتصارات انتخابية في البلديات عام 2003، ثم في البرلمان عام 2004.

وجاءت انتخابات 2005 لتكرّس هذا الصعود بفوز محمود أحمدي ‌نجاد، أحد قدامى الحزب، برئاسة الجمهورية، بالتزامن مع انتخاب محمد باقر قاليباف عمدة لطهران. ومنذ ذلك الحين، تسلّل العديد من كوادر الحزب إلى مواقع أساسية في الدولة والبلدية، ليشكّل المحاربون القدامى قطبا جديدا في معادلة السلطة بمواجهة تيار التكنوقراط المقرّب من رفسنجاني.

Image

كما وفّرت التطورات في العراق وأفغانستان بعد الغزو الأمريكي فرصا اقتصادية ضخمة، استغلها هؤلاء المحاربون لتأسيس أوليغارشية جديدة نافست الطبقة التقليدية من رجال الأعمال المرتبطين بغرفة التجارة وحزب مؤتلفة الإسلامي.

مع دخول إيران عقد العشرينيات من القرن الحادي والعشرين، يكون الدور السياسي لجيلين أساسيين من النخبة الحاكمة قد بلغ نهايته: التكنوقراط، الذين شكّلوا الجيل الأول من المديرين بعد ثورة 1979، والمحاربون القدامى، الذين مثّلوا الجيل الثاني.

المشهد المقبل يبدو متجّها نحو قوى جديدة: ناشطو الحركة الطلابية في تسعينيات وألفينيات القرن الماضي، وربما المدوّنون السياسيون الذين برزوا خلال العقدين الأخيرين. فلا التكنوقراط ولا المحاربون القدامى نجحوا في مدّ جسور مع الأجيال الشابة، أو في إعداد قيادات جديدة تتسلم زمام الإدارة، وهكذا جاءت الكوادر الجديدة في معظمها من خلفية طلابية، تحمل بداهة مسافة نقدية تجاه كلا الجيلين السابقين.

وقد عكست تجربة حكومة إبراهيم رئيسي (2021–2024) هذا التحول بوضوح، إذ أظهرت أن جيل “المديرين الشباب” – أو ما يمكن تسميته بالجيل الثالث بعد الثورة – لم يكن متحمسا للتعاون مع النخب القديمة من التكنوقراط أو المحاربين القدامى.