ملايين العزّاب في إيران أزمة اجتماعية تمتد من جيل الثمانينيات إلى جيل التسعينيات

نشر موقع “فرارو” الإيراني تقريرا حول أزمة العزوبة في البلاد والتي باتت تمس شريحة واسعة من الشباب، حيث تشير الإحصاءات إلى وجود نحو 17 مليون أعزب، وأضاف أن تداعيات هذه الظاهرة لا تقتصر على الحاضر، بل تهدد مستقبل المجتمع في العقود المقبلة، في وقت تتعدد فيه الأسباب بين الأوضاع الاقتصادية الضاغطة، والتغيرات الاجتماعية والثقافية، وتبدل معايير الزواج لدى الأجيال الجديدة.

17 مليون أعزب

ذكر الموقع أن الإحصاءات تُظهر وجود نحو 17 مليون شاب أعزب في البلاد، وتابع أن تداعيات هذا الوضع لا تقتصر على الحاضر فحسب، بل يجب تخيّل إيران بعد 20 إلى 40 عاما، حين يكون كثير من هؤلاء الشباب قد بلغوا سن التقاعد. 

وأضاف أن السؤال المطروح هو: من سيحلّ محلّهم آنذاك؟ ومن سيكون بجانبهم في سنوات الشيخوخة؟ وأوضح أنه رغم هذا المشهد المستقبلي، ما زال كثير من الشباب غير راغبين في الزواج.

جيل الثمانينيات

 ذكر الموقع أن آخر الإحصاءات تُظهر أن أبناء جيل أبناء جيل الثمانينيات الميلادية يشكلون 21% من إجمالي سكان البلاد.

 وأضاف أن شهلا كاظمي‌بور، أستاذة علم الاجتماع، أوضحت أن «عدد الرجال غير المتزوجين من هذا الجيل يبلغ نحو مليون و200 ألف شخص، فيما يصل عدد النساء العازبات في هذه الفئة إلى قرابة 550 ألف امرأة».

 وتابع أن هذه الأرقام تُبرز أكثر فأكثر، مسألة «العزوبة الدائمة»، التي تتحول خصوصا بالنسبة إلى النساء اللواتي يقتربن من دخول العقد الرابع أو الخامس من أعمارهن، إلى أزمة اجتماعية حقيقية.

وذكر الموقع أن كثيرا من أبناء هذا الجيل لا يُبدون رغبة في الزواج، فقد قال حسن، رجل في السادسة والثلاثين من عمره، في حديثه مع مراسل “فرارو”: «كان هذا العقد مليئ بالتقلبات في البلاد”. 

التضخم كان سائدا بالتزامن مع ارتفاع معدلات المواليد، والمجتمع كان يتجه نحو الحداثة، كنا نصطدم دوما بالفشل، تخيّل أن تدخل المتجر الأول فيُخدعك صاحبه، والثاني والثالث كذلك؛ من الطبيعي أن تصبح أكثر حذرا في المتجر الرابع. 

وضعنا مشابه لذلك، فنحن نرى المستقبل غامضا، ولهذا نؤجّل أعمالنا، إلى جانب ذلك، فإن الأوضاع الاقتصادية تفرض ضغوطا كبيرة، حتى أننا لا نستطيع وضع خطة اقتصادية دقيقة لحياتنا الشخصية لستة أشهر مقبلة؛ فكيف يمكننا إذن أن نتحمّل مسؤولية حياة شخص آخر؟».

وأضاف الموقع أن حاتم حسيني، الباحث في شؤون السكان، شدّد في حديثه مع “فرارو” على أهمية الأمن الاقتصادي، موضحا أن « شباب هذا الجيل يريد قبل كل شيء، بدلا من الوعود والشعارات، استقرارا وظيفيا دائما، إنه يريد أن يتأكد من أنه إذا تزوج، سيتمكن في ظل هذا الاستقرار من سداد قرض الزواج».

Image

وتابع الموقع أن حسن تطرّق أيضا إلى تعقيدات العلاقات في المجتمع اليوم، قائلا: «الناس في عصرنا أصبحوا متشعّبين ومعقّدين، لأننا عالقون بين التقاليد والحداثة، هذا الأمر جعل التواصل أصعب، أحيانا نقترب من سيدة تبدو في ظاهرها عصرية، لكنها ترد في موقف حديث الطابع بالقول: أليس لديك عائلة؟. في الماضي كانت ملامح الأفراد أوضح: هل هم متديّنون أم لا، متعلّمون أم لا. أما اليوم فهذه الحدود غير واضحة، ما يجعل العثور على شريك مناسب أكثر صعوبة».

وأضاف الموقع أن مينا، وهي امرأة في الثانية والأربعين من عمرها وما زالت عزباء، قدّمت رواية مختلفة، إذ قالت: «الزواج بالنسبة إلينا نحن نساء جيل الثمانينيات لم يكن يوما أمرا سهلا.

 حين كنا أصغر سنّا كان المجتمع لا يزال تقليديّا، وكانت العائلات تتوقع أن نتزوج بسرعة، لكن حين تقدّم بنا العمر تغيّر الوضع وأصبحت الفرص أقل. 

الآن وقد تجاوزت الأربعين، صارت نظرات الناس أثقل من قبل، كأن العزوبة للرجل أمر مقبول، لكنها بالنسبة إلى المرأة أشبه بوصمة سلبية، بالنسبة إليّ شخصيا، الأمر لا يشكّل قضية أساسية، فأنا مكتفية ماديّا ولا أحتاج إلى الزواج، في هذه الأيام حتى وحدتنا يملؤها الذكاء الاصطناعي (تضحك)».

وأردف الموقع أن مينا أشارت أيضا إلى إحدى الفرص الضائعة المرتبطة مباشرة بالعمر، قائلة: «الرجال غالبا يختارون نساء أصغر منهم سنّا، إلا من يملكون ذهنية مختلفة أو تُهمّهم معايير أخرى».

 وفي السياق نفسه، أوضحت كاظمي‌بور أن «الرجال، ليس في إيران فحسب بل في العالم عموما، يتزوجون بفتيات أصغر منهم سنّا، وغالبا ممن تقل أعمارهن أربع أو خمس سنوات عنهم». 

وتابعت أن هذه الحقيقة تجعل احتمال «العزوبة الدائمة» أكثر بروزا بالنسبة إلى النساء، في حين أن الرجال يحتفظون بفرصة الزواج حتى بعد سن الخمسين.

جيل التسعينات

وذكر الموقع أن التقديرات لعام 2021 تُظهر وجود نحو مليونين و800 ألف رجل أعزب من مواليد جيل التسعينيات الميلادية، إلى جانب مليون و400 ألف امرأة عزباء من الجيل نفسه في البلاد.

 وأضاف أن هذه الأرقام تشير إلى أن أبناء هذا الجيل يشكلون شريحة كبيرة من مجموع العزّاب في إيران، وأن قضايا الزواج لديهم تبرز بشكل مختلف عن الأجيال السابقة.

وتابع الموقع أن سارا، وهي فتاة في الثامنة والعشرين من عمرها، شرحت سبب عدم زواجها قائلة: «الآن ومع اقترابي من سن الزواج، يطرح المحيطون بي باستمرار سؤال: متى ستتزوجين؟ لكنني في هذه الأيام أبحث أكثر عن نموي الشخصي والمهني، أحيانا أشعر بأن الزواج يعني خسارة الحرية، في وقت يشغلني فيه الدخل والتضخم، الخطّاب لا يلبّون توقعاتي، لذلك أفضل البقاء عزباء في الوقت الراهن».

وأضاف الموقع أن هذه المسألة تتضح أيضا من وجهات نظر أخرى، إذ أوضحت كاظمي‌بور أن «70% من حالات العزوبة الدائمة لدى الفتيات تعود إلى خيار شخصي، فيما 30% منها فقط ناتج عن الإكراه أو متأثر بالتحولات الثقافية والاجتماعية في المجتمع».

 وتابعت أن تدقيق الفتيات المفرط في اختيار الشريك المثالي يؤدي، بالتزامن مع هذا التدقيق، إلى تقدّم أعمارهن وانخفاض الطلب عليهن.

Image

وأوضح الموقع من جهة أخرى، أن بعض النماذج تُرجع العزوبة إلى الإكراه الاقتصادي والقيود الاجتماعية، فقد قالت زينب (33 عاما): «إذا وجدتُ الشخص المناسب فسأتزوج، بعد وفاة والدي تقدم لي عدة خطّاب لكنني لم أتزوج. إذا كان امتلاك حق الطلاق وحضانة الطفل يُعدّ مطلبا مبالغا فيه بالنسبة إلى المرأة، فالأفضل أن أبقى عزباء! كانت هذه مطالبي، كما أن والدتي طلبت مهرا يعادل ثلاثة أسهم من المنزل و14 قطعة نقدية ذهبية، في نهاية المطاف، حين أدخل الحياة الزوجية، ألا يجب أن يكون لديّ دعم مالي وأمن نفسي؟».

وأضاف الموقع أن مهدي، البالغ 28 عاما، تحدّث عن الضغوط الاقتصادية وتوقعات الفتيات قائلا: «لا أملك المال ولا أستطيع تلبية توقعاتهن، مرة واحدة، خلال فترة التعارف مع فتاة، قالت لي: واجبك أن توصلني إلى المنزل، أو لماذا لم تشترِ لي وردة؟ وكان ذلك في اللقاء الأول، أصابني ذلك بالارتباك، نحن لسنا أجهزة سحب آلي، نحن بشر! إلى جانب ذلك، كيف يمكنني براتب شهري يقارب 175 دولار أن أدخل حياة زوجية وأنجب أطفالا؟».

وتابع أنه حين سُئل مهدي عن قرض الزواج، أجاب: «بهذا القرض لا يمكن استئجار منزل في طهران، ثم إنكم تقولون قرض! هل أستطيع سداد أقساطه أم لا؟ أنا لا أستطيع، ولا أستطيع أن أضيف قلق القرض إلى بقية توتري».

وذكر الموقع أن اللافت هو أن عام 2025 كان أول عام منذ مدة طويلة لم تتم فيه زيادة قيمة قرض الزواج، وأوضح أن نائب رئيس لجنة دمج الموازنة أعلن عن انخفاض بنسبة 20% في موارد البنوك المخصّصة لقروض الزواج لعام 2025 مقارنة بالفترة الحالية.