إيران تواجه تحديات تنظيم سوق العملات الرقمية وسط العقوبات والقيود المصرفية

تسعى إيران لمواكبة التحولات العالمية في مجال العملات الرقمية، لكنها تواجه طريقاً مليئاً بالتحديات بسبب العقوبات وضعف الإطار القانوني المنظّم، وبين طموح التطور وحاجة الحماية، يجد المستثمرون أنفسهم أمام سوق واعدة، لكنها غير مستقرة، تنتظر تشريعات تضمن الثقة والأمان المالي.

نشر موقع عصر إيرانيان، الأحد 12 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تقريراً ذكر فيه أن سوق العملات الرقمية تنمو بسرعة، إلا أن العقوبات المالية وغياب الأطر التنظيمية في إيران جعلا المستخدمين، وخاصة المتداولين الأفراد، يواجهون خطر فقدان أصولهم أو تجميد حساباتهم الرقمية.

وأضاف أنه في حين تتوسع هذه السوق بوتيرة متسارعة، فإن غياب التشريعات الواضحة في إيران أدى إلى تعرض أموال المستخدمين لمخاطر متعددة، من بينها العقوبات، وتجميد الأرصدة، وانعدام الاستقرار.

ويتابع أن الخبراء حذرون من أنه في غياب تنظيم فعّال، خصوصاً في مجال التداولات الصغيرة، قد تضيع شريحة كبيرة من استثمارات الناس نتيجة تأثير السياسات الدولية وضعف الرقابة المحلية.

وأردف أن سوق العملات الرقمية في إيران تواصل نشاطها في ظل غياب جهة رسمية تتولى التشريع والرقابة وتنظيم العلاقات المالية بين المستخدمين ومنصات التداول، بينما تتولى البنوك المركزية في معظم دول العالم مسؤولية تنظيم مجال الأصول الرقمية ووضع آليات شفافة تخلق بيئة موثوقة للمستخدمين.

وأوضح أن غياب القوانين الواضحة في إيران، إلى جانب تأثير العقوبات الدولية، خلق بيئة محفوفة بالمخاطر أمام المستخدمين، خصوصاً المتداولين الأفراد، وفي هذا الإطار، قال الخبير في الأسواق المالية بيمان شوريابي، في مقابلة مع وكالة تسنيم، إن غياب التنظيم يعد من أبرز نقاط الضعف التي تهدد هذا القطاع.

وأكَّد شوريابي أن عقوبات آلية الزناد ومتابعات الهيئات المالية الأمريكية استهدفت أصول المستخدمين الإيرانيين، موضحاً أن العقوبات المرتبطة بآلية الزناد أدت إلى تجميد الأصول الرقمية الخاصة بالمستخدمين الإيرانيين.

Image

وأبرز أن الولايات المتحدة تُتابع أصول العملات الرقمية العائدة للإيرانيين وللمنصّات الإيرانية، ثم تُقدِم على تجميدها لاحقاً، وأوضح الخبير أن هذه القضية ليست مجرد تحدّ سياسي، بل تمسّ أيضاً الأمن الاقتصادي للمستخدمين، إذ إن غياب إمكانية التتبع الرسمي، والقيود الناتجة عن انعدام التشريعات الداخلية، ألغيا فعلياً أي وسيلة قانونية لحماية هذه الأصول.

وأضاف أن أحد الفوارق الجوهرية بين إيران وبقية الدول يتمثل في أسلوب التعامل مع العملات الرقمية، مبيناً أنه على المستوى العالمي، تتولى البنوك المركزية مهمة التشريع والتنظيم في أسواق العملات الرقمية، وقد أصبحت العملات الرقمية في معظم الدول مقبولة كأصول مشفّرة تُدرج إلى جانب الأصول الأخرى، ومع ذلك، تبقى هذه الأصول أكثر خطورة وتقلباً مقارنة بغيرها. 

وأظهر أنه عندما نتحدث عن العملات الرقمية، فإنها تُعدّ إلى جانب عملات مثل الدولار واليورو كوسيلة للتبادل وحفظ القيمة، ولذلك تخضع لإطار قانوني خاص بها.

وأشار في عرضه للتجارب الدولية إلى أنه في بعض الدول، تُعدّ العملات الرقمية أصلاً مالياً يُستخدم كوسيلة لتخزين القيمة، بحيث يمكن من خلالها شراء أصول أخرى أو حتى دفع الأجور بدلاً من العملات الوطنية، وبعد الاعتراف بالعملات الرقمية كأصول مشفّرة، يجب العمل على تطويرها، فعلى سبيل المثال، يمكن إنشاء صناديق استثمارية متداولة (ETF) خاصة بهذه الأصول.

وأبلغ أن تحليلات الخبراء الاقتصاديين أيضاً تؤكد أن تطوير سوق الأصول الرقمية لا يمكن أن يتحقق دون وجود جهة رقابية قوية تشرف على هذا المجال.

وأفاد بأن تحويل العملات الرقمية من أداة استثمارية محفوفة بالمخاطر إلى أصل مالي مقبول ضمن النظام المالي، يتطلب إقرار قوانين واضحة وتنسيقاً بين البنك المركزي ووزارة الاقتصاد والمؤسسات المالية في إيران.

واعتبر أنه من أكثر الجوانب حساسية في عملية التنظيم هو خطر الاحتكار، وأكد قائلاً إنه إذا كان من المقرر أن ينشأ احتكار، فالحاجة إلى التشريع تصبح أكبر، لذلك، إذا أصبحت معاملات العملات الرقمية حكراً على شركات الصرافة، فيجب سنّ قانون يمنع هذا الاحتكار، وعلى البنك المركزي أن يتدخل في هذا المجال.

ورأى أن الاحتكار في مثل هذه السوق ستكون له تبعات مشابهة لسوق العملات التقليدية، وقد يؤدي إلى تشكّل لوبيات محدودة، وفرض أسعار اصطناعية، وعودة ظاهرة السوق السوداء للعملات الرقمية، وهي مشكلات شهدتها إيران خلال العقدين الماضيين في أسواق العملات والذهب.

ولفت إلى هشاشة وضع المتداولين الصغار، إذ قال إن المعاملات الصغيرة هي الأكثر عرضة للضرر، وعدد هؤلاء المتعاملين وتنوعهم كبير، لكن قوتهم محدودة، في حين توجد في المقابل الشركات الكبرى والبنوك والمجموعات القابضة التي تمتلك نفوذاً وتتاجر بالعملات الرقمية بأحجام ضخمة، وهنا تقع على عاتق الجهة التنظيمية مسؤولية حماية حقوق الجميع.

ونوَّه بأن هذه الفجوة البنيوية تشبه النموذج الكلاسيكي الذي يُرى في الأسواق الاستثمارية غير الخاضعة للرقابة، حيث يمتلك اللاعبون الكبار بفضل قوتهم المالية ومعلوماتهم الواسعة القدرة على التحكم في تقلبات السوق، بينما يتكبد المستثمرون الصغار الخسائر عند أي حركة بسيطة، وهذا المسار، في ظل غياب التعليم المالي العام والقوانين الداعمة، يؤدي في نهاية المطاف إلى هروب رؤوس الأموال الصغيرة من القنوات الرسمية إلى المنصات غير المشروعة.

وأشار إلى السياسات الجديدة التي يتبعها البنك المركزي، فقال إنه مؤخراً، فرض قيوداً على تداول العملات الرقمية، بحيث حُدّد سقف التداول اليومي بما يعادل 5 آلاف دولار، وسقف الاحتفاظ بما يعادل 10 آلاف دولار، وهذه الخطوة تساهم في إدارة حساب رأس المال في إيران، ويبدو أن البنك المركزي وضع هذه القيود بهدف الحد من خروج رؤوس الأموال إلى الخارج، وتقليل وتيرة هذا الخروج.

وأوضح الموقع أنه من خلال التحليلات المتاحة، يُستفاد أن سياسة البنك المركزي الأخيرة، إلى جانب أهدافها النقدية، تسعى أيضاً إلى فرض نوع من الانضباط المالي على هذه السوق غير الرسمية، رغم أن الخبراء يرون أن مثل هذه الإجراءات ستكون فعالة فقط على المدى القصير، ما لم يتم سنّ قانون شامل وإنشاء منصة رسمية لتداول العملات الرقمية.

وذكر أنه يمكن القول إن سوق العملات الرقمية في إيران وصلت إلى مرحلة من النضج، بينما لم يبدأ بعد مسار تقنينها وتنظيمها، وتبقى المخاوف الأساسية لدى المتعاملين، ولا سيما المستخدمين الصغار، متمثلة في غياب جهة رقابية تضمن أمن استثماراتهم. 

وفي الختام أقرَّ الموقع بأن التجربة العالمية أثبتت أن البنوك المركزية تلعب دوراً محورياً في تنظيم هذه السوق وإضفاء الشفافية عليها؛ وهو دور، إذا ما تم ترسيخه ضمن البنية الاقتصادية لإيران، يمكن أن يساعد في الحد من خروج رؤوس الأموال واستعادة الثقة العامة بالتكنولوجيا والأصول الرقمية.