- زاد إيران - المحرر
- 321 Views
تدخل إيران مرحلة جديدة وحساسة في تاريخها الاقتصادي مع إقرار ملامح موازنة العام الجديد 2026، والتي أظهرت للمرة الأولى بشكل واضح تراجع الدور التقليدي للإيرادات النفطية في تمويل الإنفاق العام، فبحسب الأرقام الرسمية، انخفضت حصة النفط المباشرة في الموازنة إلى مستويات غير مسبوقة، حيث لم تتجاوز نحو خمسة في المئة من إجمالي الموارد، في تحول لافت عن نموذج اقتصادي استمر لعقود طويلة، كان النفط فيه العمود الفقري لمالية الدولة. هذا التراجع لا يمكن قراءته بوصفه قرارا ماليا تقنيا فحسب، بل هو انعكاس مباشر لتشابك عوامل داخلية وخارجية، على رأسها سياسة العقوبات الأميركية، وتقلبات سوق الطاقة العالمية، والتحولات البنيوية في الطلب الدولي على النفط، تراجع ربما يطرح سؤال أكبر، هل أصبحت إيران على عتبة التصفير النفطي؟
من الدولة النفطية إلى اختبار العقوبات… انهيار المسلمات المالية
منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، كانت الموازنة الإيرانية تبنى دائما على افتراض استمرار تدفق العائدات النفطية، ما سمح للدولة بتوسيع دورها الاقتصادي والاجتماعي، وتحمل التزامات واسعة شملت الدعم المباشر وغير المباشر، وتضخم الجهاز الإداري، والتوسع في الإنفاق الاجتماعي، إضافة إلى تحمل أعباء متزايدة لصناديق التقاعد، غير أن العقوبات الأميركية، ولا سيما تلك التي فرضت بعد الانسحاب من الاتفاق النووي عام 2015، كشفت هشاشة هذا النموذج، إذ قيدت قدرة إيران على تصدير النفط بحرية، وفرضت تكاليف إضافية على عمليات البيع والتحويل المالي، وجعلت الإيرادات النفطية شديدة التقلب وغير قابلة للتنبؤ.

ففي موازنة عام العام الإيراني الجديد، قُدرت الإيرادات المتأتية من صادرات النفط الخام والمكثفات الغازية وصافي صادرات الغاز الطبيعي بنحو 25.4 مليار دولار، لكن آلية توزيع هذه الموارد تكشف تراجعا فعليا في نصيب الدولة المباشر، مقابل ارتفاع الاعتماد على الاقتراض من صندوق التنمية الوطنية. فعلى الرغم من أن حصة الدولة الاسمية من عائدات النفط تبلغ نحو 34.5 في المئة وفق القوانين النافذة، فإن الحكومة عمليا استعارت جزءا كبيرا من حصة الصندوق، وأدرجت المقابل بالعملة المحلية ضمن مواردها العامة، ما يعني أن النفط لا يزال حاضرا في الموازنة بصورة غير مباشرة، حتى وإن انخفضت نسبته المعلنة.

هذا الواقع دفع العديد من الخبراء والنواب إلى التشكيك في الأرقام الرسمية التي تتحدث عن انخفاض الاعتماد على النفط إلى حدود دنيا، فوفق تقديرات لجنة الطاقة في البرلمان الإيراني، فإن احتساب الاقتراض من صندوق التنمية الوطنية، وموارد دعم السلع الأساسية، والإيرادات المرتبطة بالقطاع النفطي بصورة غير مباشرة، يرفع حصة النفط في الموازنة إلى أكثر من 35 في المئة، فيما يعكس هذا الجدل وجود فجوة واضحة بين الخطاب المالي الرسمي، الذي يسعى إلى إظهار تقدم في مسار فك الارتباط مع النفط، وبين الواقع البنيوي للاقتصاد، الذي لا يزال يعتمد بشكل واسع، مباشر أو غير مباشر، على هذا المورد.

تأثير العقوبات الأميركية لا يقتصر على حجم الصادرات النفطية فحسب، بل يمتد إلى تسعير النفط نفسه، ففي ظل القيود المفروضة على الأسواق التقليدية، تضطر إيران إلى بيع نفطها بخصومات كبيرة، أو عبر قنوات غير مباشرة، كالمصافي الصينية التي فرضت عليها واشنطن عقوبات بدورها، ما يقلل من العائد الصافي مقارنة بالأسعار العالمية.
وتشير السيناريوهات المعتمدة في مشروع الموازنة إلى حساسية شديدة للإيرادات النفطية تجاه تغيرات السعر وحجم الصادرات، ففي السيناريو المتشائم، يؤدي انخفاض سعر البرميل إلى خمسين دولارا وتراجع الصادرات إلى مليون برميل يوميا إلى انخفاض كبير في الموارد المتاحة، بينما يتيح السيناريو المتفائل، مع سعر ستين دولارا وصادرات أعلى، متنفسا محدودا للموازنة، غير أن جميع هذه السيناريوهات تبقى رهينة تطورات سياسية وجيوسياسية خارجة عن سيطرة صانعي القرار الاقتصادي في طهران.

في هذا السياق، يتزايد إدراك النخب الاقتصادية والسياسية في إيران بأن عصر الدولة النفطية يقترب من نهايته، ليس فقط بسبب العقوبات، بل أيضا نتيجة تحولات عالمية أعمق، فالاقتصادات المتقدمة تسير بخطى متسارعة نحو تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، مدفوعة بالاعتبارات البيئية، والتقدم التكنولوجي في مجال الطاقة المتجددة، والتغيرات في أنماط الاستهلاك، هذا فيما أدت الحرب في أوكرانيا إلى تسريع هذه العملية، إذ دفعت الدول الأوروبية إلى إعادة التفكير في أمنها للطاقة، وتقليل اعتمادها على مصادر النفط والغاز التقليدية، أما بالنسبة لإيران، يعني ذلك أن نافذة الفرص المتاحة لتصدير النفط والغاز قد تكون محدودة زمنيا، وأن الاعتماد المستقبلي على هذا المورد لن يكون خيارا آمنا أو مستداما.

في الداخل، يواجه الاقتصاد الإيراني ضغوطا إضافية ناجمة عن تزايد النفقات الهيكلية، وعلى رأسها التزامات صناديق التقاعد، فمع شيخوخة السكان وتراجع نسبة المساهمين إلى المتقاعدين، أصبحت هذه الصناديق تعتمد بشكل متزايد على الدعم الحكومي المباشر، وتشير التقديرات إلى أن جزءا كبيرا من الموازنة العامة يوجّه لتغطية عجز هذه الصناديق، وهو عبء مرشح للزيادة في السنوات المقبلة. وفي ظل تراجع الإيرادات النفطية، يصبح تمويل هذه الالتزامات تحديا أكثر تعقيدا، ما يفرض ضغوطا على النظام الضريبي، ويزيد من احتمالات العجز والدين العام.
إلى جانب ذلك، يعاني الاقتصاد الإيراني من اتساع الفجوة الطبقية وارتفاع معدلات الفقر، وهي ظواهر تفاقمت خلال العقد الماضي بفعل التضخم المرتفع، وتراجع القدرة الشرائية، وضعف النمو الاقتصادي، وتشير بيانات متعددة إلى أن نسبة كبيرة من السكان باتت تحت خط الفقر، وأن أدوات إعادة توزيع الدخل، مثل الضرائب والدعم، لم تعد تؤدي دورها بكفاءة، بل في بعض الأحيان تسهم في تعميق الاختلالات. وفي هذا السياق، فإن أي تراجع إضافي في الإيرادات النفطية دون إيجاد بدائل فعالة قد يؤدي إلى ضغوط اجتماعية وسياسية متزايدة.
البدائل غير النفطية… بين الضرائب وحدود الاحتمال الاجتماعي
أمام هذا المشهد، تبرز مسألة البدائل غير النفطية بوصفها محورا أساسيا في النقاش الاقتصادي الإيراني، فيتفق معظم الخبراء على أن الضرائب تشكل المصدر الأكثر استدامة للإيرادات الحكومية في المدى الطويل، كما هو الحال في الاقتصادات الحديثة. غير أن رفع الاعتماد على الضرائب يواجه تحديات كبيرة، من بينها محدودية القاعدة الضريبية، وانتشار الاقتصاد غير الرسمي، وضعف الثقة بين المواطنين والدولة، كما أن زيادة الضرائب دون إصلاحات هيكلية شاملة قد تؤدي إلى سخط اجتماعي، تماما كالحادث في إيران الآن ومنذ 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025، خاصة في ظل تراجع مستويات المعيشة.

إلى جانب الضرائب، ينظر إلى الصادرات غير النفطية كأحد المسارات الواعدة لتعويض جزء من الفاقد في الإيرادات النفطية، وتشمل هذه الصادرات المنتجات البتروكيماوية، والخدمات الفنية والهندسية، والسلع الصناعية والزراعية. غير أن تطوير هذا القطاع يتطلب استثمارات كبيرة، وتحسين بيئة الأعمال، وتخفيف القيود المرتبطة بالعقوبات، وهي شروط لا تزال صعبة التحقيق في المدى القصير. كما أن الاعتماد المفرط على الصناعات المرتبطة بالطاقة قد يعيد إنتاج نمط الاعتماد على النفط بشكل غير مباشر.
أما قطاع السياحة، فيطرح كخيار استراتيجي آخر، نظرا لما تمتلكه إيران من مقومات ثقافية وطبيعية ودينية متنوعة، إلا أن هذا القطاع يتأثر بدوره بالعوامل السياسية والأمنية، وبصورة إيران في الإعلام الدولي، ما يجعل عوائده عرضة للتقلب. ومع ذلك، يرى بعض الاقتصاديين أن الاستثمار المنهجي في السياحة قد يوفر مصدرًا مستدامًا نسبيًا للإيرادات، ويسهم في خلق فرص عمل وتخفيف الضغوط الاجتماعية.
في خضم هذه التحولات، يبرز نقاش آخر حول دور الدولة في النشاط الاقتصادي، فبعض الخبراء يدعون إلى إعادة نظر في سياسات الخصخصة، وإلى تمكين الدولة من إدارة بعض الموارد والأعمال الاستراتيجية، مثل التجارة الخارجية أو استغلال الموارد الطبيعية، لضمان تحقيق عوائد مستقرة، فيما يطرح مفهوم الأنفال بوصفه إطارا فكريا لإعادة تأكيد دور الدولة في إدارة الثروات العامة، بما في ذلك النفط والمعادن، بما يخدم المصلحة العامة ويعزز الاستقرار المالي.
غير أن تحقيق أي من هذه البدائل يتطلب، في النهاية، بيئة سياسية واقتصادية أكثر استقرارا، وقدرا من الانفتاح على العالم، فالعقوبات الأميركية تظل عاملا حاسما في تحديد هوامش الحركة المتاحة للاقتصاد الإيراني، فحتى أكثر السياسات الداخلية كفاءة ستظل محدودة الأثر إذا استمرت القيود على التجارة، والتحويلات المالية، والاستثمار الأجنبي. وفي هذا السياق، يبقى ملف الاتفاق النووي حاضرا بقوة، رغم تآكل آمال إحيائه الكامل، إذ يرى كثيرون أن الوقت الضائع قلل من الفوائد المحتملة لأي تسوية مستقبلية.
إيران ما بعد النفط… تحديات الحاضر ورهانات المستقبل
يشير مسار الموازنة الجديدة وما رافقها من نقاشات اقتصادية وسياسية إلى أن إيران تقف عند مفترق طرق حاسم في تاريخها المالي، فتراجع حصة النفط في الموازنة ليس مجرد رقم، بل هو إشارة إلى نهاية نموذج اقتصادي استمر لعقود، وإلى بداية مرحلة تتطلب إعادة تعريف دور الدولة، ومصادر تمويلها، وعلاقتها بالمجتمع، غير أن هذا التحول يتم في ظل بيئة معقدة، تتشابك فيها العقوبات الأميركية مع التحولات العالمية في سوق الطاقة، ومع تحديات داخلية متراكمة تشمل العجز المالي، وشيخوخة السكان، واتساع الفقر.
إن مستقبل الإيرادات النفطية في إيران يبدو محكوما بالتراجع النسبي، سواء بفعل القيود الخارجية أو بفعل تغيرات الطلب العالمي، وفي المقابل، فإن بناء اقتصاد أقل اعتمادا على النفط يتطلب إصلاحات هيكلية عميقة، وتوافقا سياسيا واجتماعيا واسعا، واستراتيجية واضحة لتنويع مصادر الدخل. وبينما تمثل العقوبات عائقا كبيرا، فإنها في الوقت نفسه تفرض على صانعي القرار مواجهة حقائق طال تأجيلها، والبحث الجدي عن بدائل مستدامة. ويبقى السؤال المفتوح هو ما إذا كانت إيران قادرة، في ظل الظروف الراهنة، على تحويل هذا التحدي إلى فرصة لإعادة بناء نموذجها الاقتصادي على أسس أكثر توازنا وعدالة واستدامة.

