بعد شد وجذب بين البرلمان والحكومة… الموازنة الإيرانية تأخذ الضوء البرلماني الأخضر

Image

تأتي مناقشات الموازنة الإيرانية الجديدة في واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية والسياسية حساسية التي تمر بها البلاد، في ظل تضخم مرتفع، وتراجع ملحوظ في القدرة الشرائية للمواطنين، واتساع رقعة الاحتجاجات الاجتماعية، وتزايد الانتقادات لأداء الحكومة في إدارة الموارد المالية. ولم تكن الموازنة، منذ لحظة تقديمها الأولى إلى البرلمان، مجرد وثيقة مالية سنوية، بل تحولت سريعا إلى ساحة مواجهة بين الحكومة والبرلمان من جهة، وبين السلطة والشارع من جهة أخرى، حيث عكست أرقامها وبنودها حجم الاختلالات البنيوية في الاقتصاد الإيراني، وحدود قدرة الدولة على التوفيق بين متطلبات الاستقرار المالي والاستجابة للمطالب المعيشية.

الجدل الذي رافق مشروع الموازنة لم يكن تقنيا بحتا، بل اتخذ طابعا سياسيا واجتماعيا واضحا، خاصة مع اتهامات وجهت للحكومة بمحاولة معالجة العجز المالي عبر تحميل المواطنين كلفة التضخم ورفع الضرائب، في مقابل زيادات لافتة في موازنات بعض المؤسسات الرسمية. هذا السياق المشحون جعل مسار الموازنة استثنائيا، بدءا من رفضها الأولي في لجنة التوفيق، مرورا بسحبها فعليا من قبل الحكومة لإعادة النظر فيها، وصولا إلى إقرارها لاحقا بعد إدخال تعديلات وصفت بأنها معيشية وجوهرية.

الموافقة على الموازنة بعد الرفض… مسار معقد وسحب حكومي غير مسبوق

شهد البرلمان الإيراني تطورا لافتا عندما وافق، في جلسته العلنية الإثنين 5 يناير/ كانون الثاني 2025 على الخطوط العريضة لمشروع موازنة للعام 1405، ما يوافق مارس/ آذار 2026 إلى الشهر نفسه من العام 2027، بأغلبية 171 صوتا، مقابل 69 صوتا معارضا و6 أصوات ممتنعة، من أصل 248 نائبا حاضرا.

Image

هذا وقد جاءت هذه الموافقة بعد مسار شائك ومعقد، إذ كانت لجنة التوفيق البرلمانية المشتركة قد رفضت في وقت سابق الخطوط العريضة للموازنة، في خطوة عكست عمق الخلافات داخل المؤسسة التشريعية بشأن توجهات الحكومة المالية، الرفض الذي اعتبره مراقبون رسالة مباشرة للحكومة بضرورة إعادة النظر في أولوياتها الاقتصادية، وجاء في ظل انتقادات حادة وجهها نواب ونقابات مهنية وممثلون عن المتقاعدين والعمال، الذين رأوا أن مشروع الموازنة بصيغته الأولى لا يراعي الواقع المعيشي الصعب، ولا يعكس حجم التضخم الذي تجاوز وفق الأرقام الرسمية 45%.

Image

وفي أعقاب هذا الرفض، أعلن رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف أن الحكومة، عمليا سحبت مشروع الموازنة لإعادة تعديله، معتبرا أن الرسالة التي أرسلها الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إلى البرلمان عنت استرداد مشروع الموازنة وإعادة تقديمه بصيغة جديدة، موضحا أن هذه الخطوة جاءت بهدف فتح باب الحوار مع النواب ولجنة التوفيق، وإدخال إصلاحات دون المساس بالبنية الأساسية للموازنة.

Image

جديرا بالذكر أن رسالة بزشكيان، التي أحيلت رسميا إلى البرلمان، تضمنت إقرارا بوجود إشكالات حقيقية في مشروع الموازنة، وأبدت استعداد الحكومة لإجراء تعديلات في ملفات حساسة، أبرزها رواتب الموظفين والمتقاعدين، والسياسات الضريبية، وضريبة القيمة المضافة، وآليات تقديم الدعم، كما أكد الرئيس الإيراني في رسالته أن أي تعديل يجب أن يراعي سقف الموازنة والاعتبارات التضخمية، في إشارة إلى القيود التي تواجهها الحكومة من حيث الموارد.

وبعد إحالة المشروع المعدل إلى لجنة التوفيق، بدأت اللجنة، بالتنسيق مع الحكومة وممثليها، مراجعة شاملة لبنود الموازنة، مع التركيز على القضايا التي أثارت أكبر قدر من الجدل، هذه المراجعة انتهت بإدخال تعديلات وصفت بأنها استجابة مباشرة لمطالب النواب والشارع، وهو ما مهد لإعادة طرح الخطوط العريضة للموازنة على الجلسة العامة، حيث نالت في النهاية موافقة الأغلبية.

أهم التغييرات في الموازنة الجديدة… تعديلات معيشية وإعادة توجيه للدعم

شكلت التعديلات التي أُدخلت على مشروع الموازنة جوهر التحول في موقف البرلمان، إذ ركزت بشكل أساسي على القضايا المعيشية التي كانت محور الانتقادات السابقة، فمن أبرز هذه التغييرات تعديل سياسة زيادة الأجور، حيث رفعت النسبة المقترحة من الحكومة، والبالغة 20%، إلى زيادة تدريجية تصل إلى 43%، بحيث يحصل أصحاب الدخل الأدنى على نسبة زيادة أعلى، في محاولة للتخفيف من آثار التضخم المتسارع، هذا التعديل جاء استجابة مباشرة لانتقادات واسعة اعتبرت أن الزيادة المقترحة سابقا لا تغطي سوى جزء محدود من ارتفاع الأسعار، ولا تحمي القوة الشرائية للموظفين والمتقاعدين، وقد شدد النواب على أن ربط الأجور، ولو جزئيا، بمستويات التضخم بات ضرورة اجتماعية، وليس مجرد خيار سياسي.

Image

ومن التغييرات المهمة أيضا إلغاء زيادة ضريبة القيمة المضافة، حيث تقرر الإبقاء عليها عند مستوى 10% بدلا من رفعها إلى 12% كما ورد في مشروع الحكومة، هذا القرار اعتبر خطوة تهدف إلى تخفيف الضغط عن المستهلكين، خاصة أن ضريبة القيمة المضافة تعد من الضرائب غير المباشرة التي تؤثر بشكل أكبر على الفئات ذات الدخل المحدود.

وفي ملف الدعم، أُعيد توجيه السياسة الحكومية نحو التركيز على المستهلك النهائي، حيث أُقر تخصيص 8.8 مليارات دولار من العملة التفضيلية لاستيراد السلع الأساسية، على أن تقدم هذه الموارد في إطار منظومة القسائم التموينية، ويهدف هذا التوجه إلى الحد من الفساد والريع، ومنع تسرب الدعم إلى الوسطاء، وهي مشكلة لطالما أثارت جدلًا واسعًا في السياسات الاقتصادية الإيرانية.

كما تضمنت الموازنة المعدلة تخصيص اعتمادات كبيرة للشراء المضمون للقمح، بهدف تأمين الخبز للمواطنين والحفاظ على الاستقرار الغذائي، إلى جانب رصد مخصصات لملاءمة رواتب المتقاعدين، هذه البنود عكست إدراكا رسميا لحساسية الأمن الغذائي وأوضاع المتقاعدين، الذين يمثلون شريحة واسعة ومتزايدة في المجتمع الإيراني.

إلى جانب ذلك، جرى إدخال تعديلات تتعلق بآلية عودة العملة الأجنبية الناتجة عن صادرات النفط والمكثفات الغازية، مع التأكيد على ضرورة تعزيز الشفافية في الجداول المالية المرتبطة بهذه الموارد. وقد رأى النواب أن غموض هذا الملف كان من بين نقاط الضعف الأساسية في مشروع الموازنة الأولي.

آراء الموافقين على الموازنة… دفاع عن الواقعية وتحذير من التضخم

قدم النواب الذين أيدوا الخطوط العريضة للموازنة جملة من المبررات السياسية والاقتصادية لموقفهم، مؤكدين أن الموازنة المعدلة باتت أكثر واقعية من النسخة السابقة، فمهدي طغیاني، عضو هيئة رئاسة اللجنة الاقتصادية في البرلمان، شدد على أن تقييم الموازنة يجب أن يتم على أساس الموارد والمصارف، وليس على أساس التوقعات غير القابلة للتحقق، محذرا من أن تمويل العجز عبر خلق النقود سيؤدي حتمًا إلى تضخم أكبر.

Image

طغیاني رأى أن تقديرات إيرادات النفط والغاز في الموازنة الجديدة جاءت أقرب إلى الواقع، وأن السياسات الضريبية والإعفاءات جرى تنظيمها بشكل أفضل، كما اعتبر أن التركيز على الموارد المستدامة يمثل نقطة قوة، مقارنة بالاعتماد على التمويل التضخمي. وأكد أن التضخم، وفق الأدبيات الاقتصادية، هو نتيجة مباشرة للتوسع النقدي غير المنضبط، داعيًا إلى ضبط نمو السيولة.

من جانبه، اعتبر محمد رضا أحمدي سنكر، البرلماني الإيراني، أن التعديلات التي أُدخلت عليها جاءت لصالح المواطنين، خاصة فيما يتعلق بزيادة الرواتب بشكل تدريجي، وإلغاء زيادة ضريبة القيمة المضافة. وأشار إلى أن تنظيم دعم الخبز والطاقة، ومعالجة ملف العملة الناتجة عن الصادرات، من الإصلاحات المهمة التي تعزز شفافية الموازنة.

Image

أما مهرداد لاهوتي، عضو لجنة الخطة والموازنة، فرأى أن الموافقة على الخطوط العريضة لا تعني نهاية النقاش، بل تفتح الباب أمام إدخال إصلاحات إضافية عند مناقشة التفاصيل، كما أكد أن الحكومة حاولت هذا العام جعل الموازنة أكثر واقعية، عبر خفض تقديرات تصدير النفط وسعره، وعدم الاعتماد على أرقام غير قابلة للتحقق.

Image

لاهوتي شدد أيضا على أن من النقاط الإيجابية في الموازنة توازنها التشغيلي، ووضوح جداول الموارد والمصارف، معتبرا أن توجيه الدعم إلى المستهلك النهائي بدل الحلقة الأولى في سلسلة التوريد يسهم في الحد من الفساد والريع، كما دافع عن الاعتمادات المخصصة للمشاريع العمرانية، مؤكدًا أنها أعلى مما يروّج له منتقدو الموازنة.

بدوره، وصف مهرداد كودرزوند جكيني التعديلات التي أدخلتها لجنة التوفيق بأنها نقطة أمل للمستقبل، معتبرا أن الموازنة الجديدة تختلف عن موازنات الأعوام السابقة، خاصة مع الفصل بين الجداول التجميعية والنفقات، وأكد أن الإصلاح الحقيقي يتطلب شجاعة وعدم التمسك بالمسارات الاقتصادية القديمة التي أوصلت البلاد إلى أزمتها الحالية>

Image

وفي السياق نفسه، قال فرهاد بشيري إن الموازنة وبرنامج التنمية يشكلان خريطة طريق للمخططين والمنفذين والمواطنين، داعيا إلى إعدادها وتنفيذها بدقة، مع ضرورة التوازن بين الموارد والنفقات، والعمل على تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، ومصارحة الرأي العام بالتحديات الاقتصادية القائمة.

Image

تحذيرات برلمانية من موازنة تضخمية وتداعيات اجتماعية

على الجانب الأخر عبر عدد من النواب عن معارضتهم الشديدة للخطوط العريضة للموازنة، محذرين من تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، ومعتبرين أنها لا تعالج جذور الأزمة المعيشية، بل قد تكرس مسارا تضخميا أعمق في العام المقبل، وأكد المعارضون أن الموازنة، بصيغتها المطروحة، تفتقر إلى رؤية تنموية متماسكة، ولا تتوافق على نحو كاف مع أهداف الخطة التنموية السابعة.

فقد اعتبر النائب عن مدينة طهران حسين صمصامي أن الموازنة أداة أساسية للسياسة المالية، وكان ينبغي أن تسهم في كبح التضخم وتحسين مستوى معيشة المواطنين، لا أن تصبح عاملا لتغذيته، وحذر من أن إقرار موازنة ذات طابع تضخمي يعني عمليا الإضرار بسلة معيشة المواطنين، مشيرا إلى أن جذور الاحتجاجات الحالية تعود إلى قرارات مالية سابقة، ولا سيما تلك المتعلقة برفع سعر الصرف واعتماد موازنات مبنية على أسعار مرتفعة للعملة الأجنبية.

Image

وفي السياق ذاته، رأى رئيس اللجنة الاجتماعية في البرلمان على بابائي أن أبرز مصادر القلق في المجتمع تتمثل في أوضاع أصحاب الأجور، مؤكدا أن القوانين النافذة تلزم الحكومة بربط زيادة الرواتب بمعدل التضخم، وأوضح أن التباين الواسع في نسب الزيادات المقترحة قد يؤدي إلى مشكلات بنيوية في سوق العمل، ويهدد بخسارة الكفاءات، في وقت تستهدف فيه الخطة التنموية رفع الإنتاجية وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.

Image

من جانبه، شدد نائب رئيس لجنة الخطة والموازنة، هادي قوامي، على أن الموازنة لا تلتزم كميا ولا نوعيا بأهداف الخطة السابعة، لافتا إلى أن معدلات النمو المتوقعة لا تتناسب مع المستهدفات المعلنة، سواء فيما يتعلق بالنمو الاقتصادي أو بخلق فرص العمل. وأشار إلى أن الجداول المالية لا تعكس نموا حقيقيا في قطاعات النفط والخدمات والصادرات.

Image

كما انتقد النائب محمد رضا صباغيان آلية إعادة توزيع الدعم، معتبرا أن نقل الدعم إلى الحلقة الأخيرة دون معالجة مكامن الخلل في بدايات السلسلة يفتح الباب أمام التضخم والفساد. وحذر من ضعف الرقابة ومن استمرار الاعتماد على سياسات غير فعالة في إدارة الدعم النقدي.

Image

وفي ختام مواقف المعارضين، أكد حسين علي حاجي دليجاني أن التعديلات التي أُدخلت على الموازنة لا ترقى إلى مستوى إصلاح جذري، محذرا من العجز الخفي والديون المتراكمة، ومن غياب العدالة الضريبية والشفافية في تقدير الإيرادات، وشدد على أن البلاد بحاجة إلى إصلاح اقتصادي مدروس ومسؤول، لا إلى حلول مؤقتة قد تعمق الأزمة بدل معالجتها.

Image