من النووي إلى الصاروخي: كيف تعيد إيران ترتيب أولوياتها استعدادا لمواجهة محتملة مع إسرائيل؟

Image

كتب: الترجمان

لم تكن المواجهة العسكرية القصيرة والمكثفة التي اندلعت بين إيران وإسرائيل، وامتدت لنحو اثني عشر يوما، مجرد جولة عسكرية عابرة في سجل الصراع الطويل بين الطرفين. فالهجمات الجوية الواسعة، التي شاركت فيها الولايات المتحدة بشكل مباشر، أصابت قلب البنية الاستراتيجية الإيرانية، مستهدفة منشآت نووية وصاروخية حساسة. 

غير أن ما بدا للوهلة الأولى نجاحا تكتيكيا في إلحاق أضرار مادية جسيمة، سرعان ما كشف عن أثر أعمق: إعادة صياغة الأولويات الاستراتيجية لطهران، بما قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة في معادلات الردع الإقليمي.

تقييم الأضرار: تباطؤ لا كسر

تشير التقديرات الغربية إلى أن الضربات الجوية ألحقت أضرارا ملموسة ببنى تحتية رئيسية في منشآت مثل نطنز وفردو وأصفهان، وقد تؤدي – وفق تصريحات مسؤولين أمريكيين – إلى تأخير بعض جوانب البرنامج النووي الإيراني لعام أو عامين.
غير أن هذه التقديرات تصطدم بثلاث حقائق بنيوية وهي لا مركزية البرنامج النووي، فهو شبكة موزعة من المنشآت والكوادر وسلاسل الإمداد، لا يمكن شلها بضربة واحدة.

إضافة إلى استحالة قصف المعرفة: الخبرات المتراكمة لدى العلماء الإيرانيين تمثل أصلًا استراتيجيًا لا تُدمّره القنابل، والخبرة الإيرانية في الصمود: أثبتت طهران سابقًا قدرتها على الحفاظ على برامجها الاستراتيجية وتطويرها تحت أقسى العقوبات.

من هنا، يمكن توصيف نتائج الهجمات بأنها أحدثت أضرارا تشغيلية قابلة للإصلاح، لا أضرارا استراتيجية تغير مسار البرنامج جذريا.

تغيير الأولويات: الصاروخ قبل النووي

التحول الأبرز بعد حرب الـ12 يوما يتمثل في المؤشرات المتزايدة على أن طهران تعيد ترتيب سلم أولوياتها، واضعة تطوير القدرات الصاروخية في مقدمة أجندتها الدفاعية، مقابل تباطؤ نسبي في بعض جوانب البرنامج النووي.

هذا التحول لا يعكس تراجعا عن الطموح النووي، بل إدارة مختلفة للموارد والتهديدات. فمن منظور القيادة الإيرانية تشكل الصواريخ الباليستية أداة ردع فورية وملموسة ضد إسرائيل والولايات المتحدة.

وتمتلك إيران خبرة صناعية أعمق وأسرع في إعادة بناء ترسانتها الصاروخية مقارنة بتعقيدات إعادة إعمار المنشآت النووية.

أظهرت المواجهة الأخيرة أن القدرة على توجيه ضربات دقيقة وسريعة هي ما يرفع كلفة أي هجوم معاد. بهذا المعنى، تقدم طهران الردع التقليدي العاجل على الردع النووي طويل الأمد، دون أن تتخلى عن الأخير.

البعد الخارجي: الصين ومعادلة إعادة الإعمار

لا تجري عملية إعادة التموضع الإيراني في فراغ دولي. فالتقارير التي تتحدث عن دعم صيني فني ولوجستي لإيران، خصوصا في المجال الصاروخي، تثير قلقا متزايدا في العواصم الغربية.
فالتعاون الإيراني–الصيني، إن تعمق، قد يقلص زمن التعافي الإيراني، ويحول الضربات العسكرية إلى عامل تسريع للتسلح بدلا من كبحه، ويدمج الصراع الإيراني–الإسرائيلي ضمن منافسة جيوسياسية أوسع بين الكتل الدولية.

وهنا، تصبح القدرة على إعادة الإعمار بعد الضربة عنصرا لا يقل أهمية عن القدرة على توجيه الضربة ذاتها.

Image

الخوف من التماسك لا من الانقسام

في قراءة إسرائيلية لافتة، اعترف باحثون في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) بأن الخطر الأكبر على إسرائيل لا يتمثل في الاحتجاجات المتفرقة داخل إيران، بل في لحظات التلاحم الوطني التي يولدها التهديد الخارجي.

وتقترح الاستراتيجية الإسرائيلية – كما ورد في دراسة المحلل الإسرائيلي “راز زيمت” – الإبقاء على إيران في حالة استنزاف دائم عبر إبقاء التهديد العسكري حاضرا، وعدم يقين استراتيجي يعيق إعادة الإعمار النووي.

إضافة إلى توتر داخلي مزمن يمنع تحول الضغط الخارجي إلى وحدة وطنية. هذه المقاربة تعكس إدراكا إسرائيليا بأن الحرب الشاملة قد توحد الداخل الإيراني بدل أن تضعفه.

الاستعداد الإيراني للحرب: ما بين العقيدة والواقع

تصريحات شخصيات دينية وإعلامية إيرانية، مثل تأكيد رجل الدين ناصر رفيعي على “وجوب إعداد الصواريخ وفق أوامر القرآن”، تكشف عن تأطير أيديولوجي للاستعداد العسكري، يهدف إلى شرعنة التسلح داخليا، وتحصين الجبهة الداخلية نفسيا، وتحويل الصراع إلى معركة وجودية لا مجرد نزاع سياسي.

في الوقت نفسه، تشير تسريبات عن مناورات وتجارب صاروخية إلى أن القوات الجوفضائية للحرس الثوري تعمل بوتيرة عالية، تحسبا لسيناريوهات مفاجئة.

سيناريوهات التصعيد: حرب أم إدارة صراع؟

رغم ارتفاع منسوب التهديدات المتبادلة، لا تبدو الحرب الشاملة الخيار المرجح في المدى القريب. الأرجح هو استمرار حالة “السلم المسلح”، واشتباكات محدودة أو عمليات نوعية مفاجئة، وحرب ظل استخباراتية وسيبرانية.

لكن هذه الحالة تظل هشّة؛ إذ إن فشل المسارات الدبلوماسية، وإعادة فرض العقوبات الأوروبية، وتضييق “نافذة الفرصة” الإسرائيلية، كلها عوامل تجعل التصعيد مسألة توقيت لا مبدأ.

Image

تكشف تجربة “حرب الـ12 يوما” عن مفارقة استراتيجية عميقة فبينما نجحت الضربات في تأخير بعض جوانب البرنامج النووي الإيراني، فإنها أسهمت في تغيير نمط التهديد بدل تقليصه. لقد خرجت إيران من المواجهة أكثر اقتناعا بأن أمنها لا يُصان عبر التعويل على المسارات الدبلوماسية وحدها، بل عبر امتلاك أدوات ردع تقليدية فعالة وسريعة الاستخدام.

إن تركيز طهران على البرنامج الصاروخي لا يعني التخلي عن النووي، بل يعكس استراتيجية مرحلية تهدف إلى سد فجوة الردع الفوري، بانتظار ظروف دولية وإقليمية أكثر ملاءمة. وفي المقابل، تدرك إسرائيل أن أي حرب شاملة قد تعزز التماسك الإيراني، لكنها تخشى في الوقت ذاته من ترك إيران تعيد بناء قدراتها بهدوء.

النتيجة هي دخول المنطقة في دورة تصعيد منخفض الوتيرة وعالي المخاطر: لا سلام حقيقي ولا حرب فاصلة، بل إدارة صراع طويلة الأمد، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع التنافس الجيوسياسي العالمي. وفي مثل هذه البيئات، لا تكون المفاجأة في اندلاع الحرب بحد ذاتها، بل في شكلها وتكتيكاتها.

وعليه، فإن السؤال الجوهري لم يعد: هل تستعد إيران للحرب مع إسرائيل؟
بل: كيف تُعيد تعريف الحرب ذاتها، وأي ردع تسعى لفرضه في شرق أوسط يتغير بسرعة؟