- زاد إيران - المحرر
- 435 Views
كتب: الترجمان
دخلت إيران مرحلة جديدة من إدارة أزمتها المعيشية مع الإعلان الرسمي عن بدء تنفيذ «الخطة الشاملة للدعم المعيشي والأمن الغذائي» المكوّنة من 15 بندا، والتي تقوم في جوهرها على إلغاء سعر الصرف التفضيلي للسلع الأساسية واستبداله بدعم مباشر للأسر عبر «بطاقة تموينية» بقيمة (مليون تومان) أي 10 مليون ريال شهريا لكل فرد.
القرار، الذي وصفه الرئيس مسعود بزشكيان بأنه «جراحة اقتصادية كبرى»، لم يبقَ في حدود السياسة المالية، بل تحوّل سريعا إلى قضية سياسية–اجتماعية تمس علاقة الدولة بالمجتمع، وتعيد طرح سؤال الثقة، والعدالة، وحدود قدرة الحكومة على إدارة التحول دون كلفة اجتماعية مرتفعة.

من اقتصاد الدعم إلى سياسة الشرعية
بحسب ما أعلنته صحيفة إيران ووكالات رسمية مثل «إيرنا» و«إيسنا»، فإن الخطة تهدف إلى نقل الدعم من بداية سلسلة التوريد – حيث كان يذهب إلى المستوردين – إلى نهايتها، أي إلى المستهلك النهائي، عبر كوبون إلكتروني يغطي 80 مليون مواطن لمدة أربعة أشهر قابلة للتمديد.
لكن خلف هذا التوصيف التقني، تقف معادلة سياسية حساسة: الدعم في إيران لم يكن يوما مجرد أداة اقتصادية، بل ركيزة من ركائز الشرعية الاجتماعية. وكل تعديل فيه يُقاس بميزان الاستقرار أكثر مما يُقاس بميزان الكفاءة.
الرئيس بزشكيان شدّد مرارا على أن الحكومة لا تحذف الدعم ولا تقلّصه، بل تعيد توجيهه، مؤكدا ضرورة الرقابة الصارمة ومنع أي ارتفاع في أسعار السلع والخدمات الأخرى. غير أن التجارب السابقة تجعل الشارع والنخب على حد سواء أقل استعدادًا لتصديق الوعود من دون نتائج ملموسة.

لماذا أُلغي الدولار الرخيص؟
وفق أرقام وكالة «إيرنا»، كانت الحكومة تنفق سنويا نحو 10 مليارات دولار بسعر تفضيلي يبلغ 285000 ريال لاستيراد السلع الأساسية، دون أن ينعكس ذلك على الأسعار النهائية. بل إن العملة المدعومة تحولت، بحسب خبراء، إلى مصدر ريع واسع لفئة محدودة من المستوردين.
إلغاء هذا النظام، من وجهة نظر الفريق الاقتصادي، يوقف نزيف الموارد ويحدّ من الفساد، ويتيح إعادة توزيع الدعم بشكل عادل وشفاف.
غير أن التحول العملي يعني انتقال سعر صرف السلع الأساسية إلى «الصالة الثانية» بمركز المبادلة، أي إلى مستويات تقارب 1.3 مليون ريال للدولار، بزيادة تعادل 4.6 أضعاف. وهنا يكمن جوهر القلق الاجتماعي: الأسعار سترتفع أولا، والدعم سيأتي لاحقا.
انقسام إعلامي… وصراع سرديات
الإعلام الإيراني عكس انقساما حادا حول الخطة. صحيفة كيهان الأصولية قدّمت الخطة بوصفها خطوة شجاعة لإزالة الريع، مؤكدة أن البطاقة التموينية ستضمن تأمين السلع الأساسية دون دفع نقدي مباشر، وبشبكة تضم أكثر من 260 ألف متجر.
في المقابل، تبنّت صحيفة جمهوري إسلامي خطابًا تحذيريا حادا، معتبرة أن شراء السلع بأسعار مرتفعة ثم انتظار الدعم «أسلوب معيب ومهين»، يترك أثرا نفسيا سلبيا، ويغذّي التضخم، ويحوّل المواطنين إلى منتظري إعانات.
أما صحيفة سازندكي فطرحت سؤالا مركزيا: هل نحن أمام إصلاح حقيقي أم إعادة إنتاج لتجارب مفاجئة شبيهة بصدمة رفع أسعار البنزين؟ وانتقدت أسلوب الإعلان الليلي دون تمهيد اجتماعي أو نقاش عام، معتبرة أن المفاجأة في السياسات المعيشية تخلق ارتباكا وتُفعّل التوقعات التضخمية.

البرلمان: تحذير من وهم التعويض
في البرلمان، ارتفع صوت الاعتراض بوضوح. فقد نقلت صحيفة همشهري عن النائب حسين صمصامي، عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان، قوله إن رفع سعر الصرف سيؤدي حتما إلى غلاء شامل في السكن والملابس والأجهزة والسيارات، وإن 10 مليون ريال لن يغطي سوى جزء ضئيل من الزيادة.
ووصف تقديم الدعم بأنه «غلاء مقنّع»، معتبرا أن التجارب السابقة – من 450 ألف ريال عام 2010 إلى دعم الحكومات اللاحقة – أثبتت أن القيمة الحقيقية للدعم تتآكل سريعا مع التضخم.

الحسابات تقول نعم… بشرط
تحليل صحيفة دنياي اقتصاد قدّم قراءة أكثر توازنا. فبحسب حساباتها، فإن الموارد المتحررة من حذف السعر كافية نظريا لتغطية دعم 10 مليون ريال شهريا لكل فرد دون تحميل الميزانية أعباء إضافية.
لكن الصحيفة ربطت النجاح بشروط صارمة منها استدامة الموارد، ووالانضباط المالي، والرقابة على شبكة التوزيع، والأهم كسب الثقة العامة. من دون ذلك، يتحول الدعم من أداة حماية إلى وقود تضخمي.
السعر أهم من التعويض
أحد أهم الانتقادات الاجتماعية، كما عبّرت عنه صحيفة جمهوري إسلامي، يتمثل في الأثر النفسي لارتفاع الأسعار «لحظة الشراء». فحتى لو عُوّض الفرق لاحقا، يبقى الغلاء صدمة مباشرة تمس الكرامة والشعور بالأمان.
في مجتمع يعاني أصلا من ضغوط معيشية وتآكل القدرة الشرائية، لا يُقاس الرضا بحجم الدعم وحده، بل بما يراه المواطن على الرفوف.
السياسة في الخلفية: الخوف من عدم الاستقرار
لا يمكن فصل الخطة عن السياق السياسي الأوسع. فوزير العمل أحمد ميدري ربط صراحة بين تحسين المعيشة والأمن الوطني، محذرا من أن الأزمات المعيشية كانت مدخلًا لتدخلات خارجية في دول أخرى.
هذا الربط يعكس إدراكا رسميا بأن الاقتصاد المعيشي هو خط الدفاع الأول عن الاستقرار، وأن أي خلل في إدارة هذا التحول قد يفتح الباب لاحتجاجات أو توترات يصعب احتواؤها.

لا يمكن قراءة قرار إلغاء سعر الصرف التفضيلي للسلع الأساسية وتدشين نظام «الكوبون المليوني» باعتباره خطوة تقنية لتحسين كفاءة الدعم فحسب، بل بوصفه إعادة تعريف لعلاقة الدولة الإيرانية بمجتمعها في واحدة من أكثر اللحظات حساسية منذ سنوات. فالدعم، في السياق الإيراني، لم يكن يوما أداة اقتصادية محايدة، بل كان جزءا من منظومة إدارة الرضا، وتخفيف أثر العقوبات، وضمان حد أدنى من التماسك الاجتماعي في مواجهة الضغوط الخارجية والداخلية.
تكمن المفارقة الأساسية في أن الحكومة تسعى، من جهة، إلى التخلص من تشوهات الريع والفساد المرتبطة بالدولار المدعوم، لكنها، من جهة أخرى، تُدخل نفسها في مواجهة مباشرة مع المزاج الشعبي الذي يقيس السياسات بلحظة الشراء لا بجداول التعويض اللاحقة. فارتفاع الأسعار يُدرك فورا، بينما الدعم يُختبر بمرور الوقت، وفي هذا الفارق الزمني تحديدًا تتشكل فجوة الثقة أو تُردم.
سياسيا، يعكس القرار إدراكا رسميا بأن استمرار نموذج الدعم القديم لم يعد ممكنا في ظل عجز الموازنة وتراجع الموارد النفطية، لكنه في الوقت نفسه يكشف محدودية الخيارات أمام صانع القرار. فالإصلاح الاقتصادي في إيران يتم في بيئة لا تسمح بصدمة اجتماعية واسعة، ولا تحتمل إخفاقا في إدارة التوقعات. لذلك، يصبح التحدي الحقيقي ليس في توفير 10 مليون ريال، بل في منع تحوّل الدعم إلى رمز لعجز الدولة عن ضبط السوق.
اجتماعيا، يتجاوز الجدل مسألة الأرقام ليصل إلى الشعور بالكرامة والأمان. فالمواطن الذي يرى الأسعار ترتفع أمامه، ثم يُطلب منه انتظار التعويض، لا يتعامل مع المسألة كحساب مالي، بل كإشارة إلى هشاشة وضعه وإلى تراجع قدرة الدولة على حماية معيشته. ومن هنا، فإن أي خلل في وفرة السلع، أو أي تأخير في وصول الدعم، أو أي تآكل سريع لقيمته، قد يعيد إنتاج مشاعر الإحباط التي خبرها المجتمع في تجارب سابقة.
في المقابل، يحمل القرار فرصة سياسية إذا أُحسن استثماره. فنجاح الحكومة في ضبط الأسعار، وتحديث قيمة الكوبون، ومكافحة الاحتكار، والتواصل الصريح مع الرأي العام، قد يسمح لها بتقديم نفسها كسلطة قادرة على اتخاذ قرارات صعبة دون التخلي عن مسؤوليتها الاجتماعية. لكن هذه الفرصة مشروطة بقدرة الدولة على الانتقال من منطق الإعلان عن القرار إلى منطق إدارته يوما بيوم.
وختاما، لا يُختبر هذا الإصلاح في دفاتر الموازنة ولا في بيانات الوزارات، بل في الأسواق، والمتاجر، وسلوك المستهلكين، وحديث الناس اليومي عن الغلاء والدعم. وبين سيناريو الاحتواء وسيناريو الانفجار، يقف «الكوبون المليوني» بوصفه أداة اقتصادية ذات رهانات سياسية عالية: إما أن يكون جسرا هشا تعبر به الحكومة نحو استقرار نسبي، أو شرارة جديدة تُعيد فتح ملف الثقة المؤجل بين الدولة والمجتمع.

