- زاد إيران - المحرر
- 625 Views
تشهد الساحة الإيرانية في الآونة الأخيرة، وعلى وقع التظاهرات التي تشهدها طهران وعدة مدن إيرانية، حراكا اقتصاديا وسياسيا لافتا، يعكس تحولا واضحا في طريقة مقاربة الدولة لملفات طالما اعتبرت شديدة الحساسية والتعقيد. فبين ضغوط معيشية متزايدة، ونقاشات داخلية محتدمة حول كلفة السياسات السابقة وجدواها، يبرز خطاب رسمي جديد يسعى إلى إعادة فتح ملفات مغلقة، وكشف ما تراكم حولها من اختلالات وتشوهات. هذا الحراك لا يقتصر على القرارات بحد ذاتها، بل يمتد إلى اللغة المستخدمة في تبريرها، وطريقة مخاطبة الرأي العام، ومحاولة رسم مسار مختلف لإدارة الاقتصاد، في لحظة فارقة تختبر فيها الدولة قدرتها على التغيير ومواجهة التحديات المتشابكة.
تصريحات بزشكيان… كواليس رفض الإصلاحات والفساد المرتبط بالعملة التفضيلية
شهد الخطاب الاقتصادي والسياسي في إيران خلال الفترة الأخيرة تحولا لافتا في نبرته وحدته، خصوصا مع التصريحات المتكررة للرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، حول ملف الفساد البنيوي المرتبط بالعملة التفضيلية، وما سماه صراحة الرفض المنظمة الذي يواجه أي محاولة جادّة للإصلاح، حيث لم تكن هذه التصريحات عابرة أو ظرفية، بل جاءت ضمن سياق أوسع من إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والاقتصاد، وبين الدعم الاجتماعي والريع، وبين السياسة النقدية والعدالة الاقتصادية.

فحسب التقارير والمشاهدات، حرص بزشكيان، منذ توليه الرئاسة في أغسطس/ آب 2024، على كسر اللغة التقليدية التي كانت تغلف ملفات الفساد بعبارات عامة أو اتهامات مبهمة، وفي أكثر من مناسبة، ولا سيما خلال جولاته الميدانية في المحافظات، قدم رواية مباشرة عما يجري خلف الكواليس، متحدثا عن شبكات مصالح متجذرة تستفيد من بقاء الوضع القائم، وتقاوم بشراسة أي مساس بمصادر ريعها، ففي خطابه الشهير خلال زيارته إلى محافظة جهارمحال وبختياري، قال بوضوح “إن العملة التفضيلية تحولت إلى ملكية خاصة بيد فئة محددة، في القطاعين العام والخاص، والمقربين من تلك الدوائر هم من التهموها وأخذوها لأنفسهم”، في إشارة نادرة الصراحة إلى تواطؤ إداري وسياسي في نهب الدعم.

على أن هذا الخطاب لم يأت في فراغ، بل تزامن مع ضغوط تضخمية خانقة، واحتجاجات اجتماعية متفرقة، ونقاشات محتدمة داخل مؤسسات الدولة حول جدوى استمرار الدعم السلعي غير المباشر، حيث وصفت الإصلاحية أن بزشكيان قدم نفسه في هذا السياق بوصفه رئيسا لا يبحث عن شماعة خارجية، إذ شدد على أن تحميل العقوبات أو الولايات المتحدة كامل المسؤولية هو نوع من الهروب من الحقيقة، مؤكدا أن جزءا كبيرا من الأزمة سببه مديرون داخليون يهدرون الموارد. وبهذا المعنى، فإن حديثه عن العملة التفضيلية لم يكن تقنيا، بل اتهاما سياسيا مباشرا لمنظومة إدارة اقتصادية راكمت الفشل والفساد معا.
ومن وجهة نظر إصلاحية، فإن بزشكيان أعاد تعريف ملف العملة التفضيلية من كونه سياسة دعم إلى كونه وثيقة فساد، معتبرا أن استمرار تخصيص الدولار المدعوم في بداية سلسلة الاستيراد لم يحم الفقراء، بل حمى الوسطاء، وخلق طبقة من المستفيدين المستعدين لتعطيل أي إصلاح يهدد امتيازاتهم، فيما أشار بوضوح إلى أن الممانعة التي تواجه قرارات الحكومة ليست نابعة من الخوف على معيشة الناس، بل من الخوف على الأرباح الريعية، وهو ما يفسر الحملات الإعلامية والضغوط السياسية التي رافقت إعلان نية حذف الدولار التفضيلي.
ما هي العملة التفضيلية؟ …الفرق بينها وبين نيما …وكيف ينشأ الفساد عبرها؟
العملة التفضيلية، كما طبقت في إيران منذ عام 2017–2018، هي سعر صرف تحدده الدولة بشكل إداري، وبمستوى أدنى من سعر السوق الحرة وسعر منصة نيما، بهدف دعم استيراد السلع الأساسية وكبح التضخم، فالفكرة النظرية تقوم على أن الدولة، عبر بيع الدولار بسعر منخفض لمستوردي الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج، تستطيع حماية القدرة الشرائية للمواطنين ومنع انتقال تقلبات سوق الصرف إلى أسعار السلع الحيوية.

لكن هذه السياسة، التي بدأت بسعر 42000 ريال للدولار، ثم رفعت لاحقا إلى 285000 ريال للدولار، والذي وصل الآن إلى سقف 1.5 مليون ريال في سوق الصرف، اصطدمت منذ البداية بإشكالية تعدد أسعار الصرف، فإلى جانب السعر التفضيلي، وجد سعر “نيما” الذي يحدّد عبر منصة شبه رسمية بين المصدرين والمستوردين، وسعر السوق الحرة الذي يعكس العرض والطلب الحقيقيين. هذا التعدد خلق فجوة سعرية ضخمة، تحولت تلقائيا إلى فرصة ربح غير طبيعي لكل من يستطيع الوصول إلى الدولار المدعوم.
ومن هنا نشأت دائرة الفساد، فالمستورد الذي يحصل على الدولار التفضيلي لا يكون ملزما فعليا، في ظل ضعف الرقابة، ببيع السلعة بالسعر المدعوم. وفي كثير من الحالات، كانت السلع المستوردة تباع بأسعار قريبة من السوق الحرة، بينما يحتفظ بفارق السعر كربح صاف، تقارير رسمية، منها تقارير مركز أبحاث البرلمان الإيراني، أظهرت أن نسبة محدودة فقط من الدعم كانت تصل فعليا إلى المستهلك النهائي، في حين يتبخر الجزء الأكبر في حلقات الاستيراد والتوزيع.

الفرق الجوهري بين العملة التفضيلية ونيما يكمن في آلية التخصيص والسعر، فنيما تمثل سعرا أعلى نسبيا، وتخضع نظريا لتفاعل العرض والطلب بين المصدرين والمستوردين، بينما العملة التفضيلية تمنح بقرار إداري لسلع محددة. هذا الفرق جعل العملة التفضيلية أداة لتشكيل ريع، لأن الوصول إليها لا يعتمد على الكفاءة الاقتصادية، بل على القرب من مراكز القرار، والحصول على التراخيص، والعلاقات داخل الجهاز البيروقراطي.
اقتصاديا، أدت هذه السياسة إلى نتائج متناقضة، فمن جهة، لم تمنع ارتفاع أسعار السلع الأساسية على المدى المتوسط، ومن جهة أخرى، ساهمت في استنزاف الاحتياطيات الأجنبية، وزيادة الدين الحكومي للبنك المركزي، وتشويه هيكل الحوافز في الاقتصاد، حيث أصبح الاستيراد أكثر ربحية من الإنتاج، وأصبح السعي وراء الدولار الرخيص نشاطا اقتصاديا بحد ذاته.
أما الضرر الناتج عن حذف العملة التفضيلية، فيوضح الخبراء أنه ضرر قصير الأجل في الغالب، يتمثل في صدمة سعرية محتملة، وارتفاع تكلفة المعيشة إذا لم تنفذ سياسات تعويضية فعالة، لكن أنصار الحذف، ومنهم بزشكيان، يرون أن هذا الضرر مؤقت وأقل كلفة من استمرار نزيف الريع والفساد، وأن المشكلة ليست في الحذف بحد ذاته، بل في كيفية إدارة مرحلة ما بعد الحذف.

مسار الدولة لإصلاح فساد العملة التفضيلية… بين القرار السياسي وحسابات التنفيذ
في مواجهة هذا الإرث المعقد، أعلنت حكومة بزشكيان، الأحد 4 يناير/ كانون الثاني 2025، مسارا إصلاحيا يقوم على مبدأ أساسي، وهو نقل الدعم من بداية السلسلة إلى نهايتها، فبدلا من دعم المستورد أو المنتج عبر الدولار الرخيص، يتم دعم المستهلك النهائي مباشرة، سواء عبر تحويلات نقدية أو أدوات إلكترونية مثل القسائم الذكية، هذا التحول، بحسب الحكومة، يهدف إلى تجفيف منابع الريع، وتعزيز الشفافية، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.

الإعلان الذي لا يقرأ فقط كتحول في آلية الدعم، حسب خبراء، بل كإقرار رسمي بفشل نموذج اقتصادي استمر سنوات، وأنتج شبكة معقدة من المصالح حالت دون وصول الدعم إلى المواطنين. فالحكومة، وفق خطابها المعلن، لم تعد ترى في العملة التفضيلية أداة حماية اجتماعية، بل باتت تعتبرها أحد أبرز أبواب الفساد البنيوي، وأحد الأسباب المباشرة لهدر الموارد العامة وتآكل الثقة بين الدولة والمجتمع.
حول القرار، أكد نائب الرئيس الإيراني للشؤون التنفيذية، محمد جعفر قائم بناه، أن التجربة العملية خلال الأعوام الماضية أظهرت بوضوح أن ضخ مليارات الدولارات عبر العملة التفضيلية لم يمنع ارتفاع أسعار السلع الأساسية، ولم يحسن معيشة المواطنين، بل على العكس، ساهم في تشويه السوق وخلق هوامش ربح غير مبررة، فحسب نائب الرئيس، فإن نقل الدعم إلى المستهلك النهائي هو الاختبار الحقيقي لجدية الدولة في مكافحة الفساد، لأنه يقطع الصلة بين الدعم والسلطة التقديرية للإدارة، ويحد من إمكان التلاعب في حلقات الاستيراد والتوزيع.

في المقابل، لم تخف الحكومة إدراكها لحساسية هذا التحول، خصوصا في ظل مخاوف من آثار تضخمية قصيرة الأجل، لذلك فقد انتشرت تقارير رسمية عن تطبيق للآلية تدريجي ومدروس، يبدأ بقطاعات محددة مثل مدخلات الثروة الحيوانية، ولا يشمل في مرحلته الأولى سلعا عالية الحساسية كالدّواء والقمح. هذا التدرج، بحسب مصادر حكومية وبرلمانية، يهدف إلى اختبار آليات التعويض، وقياس ردود فعل السوق، قبل توسيع نطاق الإصلاح.
من زاوية الخبراء، يرى الأمين العام السابق لغرفة التجارة، محمد مهدي راسخ، أن ما تقوم به الحكومة اليوم هو تصحيح لمسار خاطئ طال أمده، كذلك فقد ربط راسخ بين تعدد أسعار الصرف واستحالة السيطرة على الفساد، معتبرا أن أي إصلاح جزئي أو تجميلي لن ينجح ما لم يمس جوهر المشكلة، أي الفجوة السعرية التي تحولت إلى منجم ريع. وفي تقييمه، فإن نقل الدعم إلى نهاية السلسلة لا يعد حلا سحريا، لكنه الشرط الأول لأي إصلاح حقيقي، لأنه يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن بعيدا عن الوسطاء.

هذا وقد عكست ردود الفعل البرلمانية مزيجا من الدعم الحذر والقلق الاجتماعي، فقد وصف النائب، أحمد فاطمي، القرار بأنه خطوة شجاعة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن نجاحها مرتبط بقدرة الدولة على ضبط مرحلة التنفيذ، ومنع تحميل كلف الإصلاح للفئات المتوسطة والضعيفة، أما جعفر قادري، نائب رئيس اللجنة الاقتصادية، فقد ذهب أبعد من ذلك، معتبرا أن استمرار العملة التفضيلية من دون رقابة صارمة هو أسوأ الخيارات، لكنه حذر من أن تحرير الاستيراد من دون آليات تعويض واضحة قد يعيد إنتاج الأزمة بشكل مختلف.


في السياق ذاته، عبر النائب مجيد دوستعلي عن مخاوف تتعلق بكفاية التعويضات النقدية المقترحة، متسائلا عما إذا كانت المبالغ المتداولة قادرة فعليا على تعويض ارتفاع أسعار سلة الغذاء والطاقة في حال التحرير الكامل، هذه الملاحظات، وإن بدت تقنية، تكشف عن التحدي السياسي الأكبر الذي تواجهه الحكومة وعن كيفية الموازنة بين مطلب مكافحة الفساد، وضغط الواقع المعيشي اليومي.

في المحصلة، يظهر مسار إصلاح العملة التفضيلية كأحد أكثر ملفات الحكومة حساسية وتعقيدا، لأنه يضع الدولة في مواجهة مباشرة مع شبكات مصالح راسخة، وفي الوقت نفسه يختبر قدرتها على إدارة انتقال اقتصادي من دون صدمات اجتماعية واسعة، وبين الخطاب الحاد الذي يتبناه بزشكيان ضد المستفيدين والتحذيرات البرلمانية والخبرات الاقتصادية المتراكمة، يتبلور مشهد إصلاحي مفتوح على احتمالات متعددة، سيكون معيار نجاحه الأساسي ليس في إعلان القرارات، بل في قدرتها على الصمود سياسيا، والتنفيذ عمليا، والإقناع اجتماعيا.

