إيران في العناوين: توزيع أدوار ذكي بين “عرين السيادة” و”كواليس التفاهم”

كتب: الترجمان

تعكس عناوين الصحف الإيرانية الصادرة اليوم الثلاثاء 26 مايو/أيار 2026، مشهدا سياسيا واستراتيجيا بالغ الدقة والكثافة، يتأرجح بين استعراض أوراق الدبلوماسية الاقتصادية والميدانية الحازمة في عواصم المنطقة، وبين صياغة الأطر التنفيذية والسيادية لـ “تفاهم محتمل” يلوح في الأفق الدولي لإنهاء الحرب، بالتزامن مع قرارات داخلية مفصلية تهدف إلى ترتيب البيت الداخلي.

وعلى الصعيد التحليلي، يبرز انقسام واضح في زوايا المعالجة الصحفية؛ حيث يركز الجناح الأصولي والمحسوب على التيارات السيادية على توثيق تعنت الطرف الأمريكي ورفض تقديم أي تنازلات مجانية تمس منجزات الميدان، في حين تسلط الصحف الإصلاحية والمعتدلة والحكومية الضوء على كواليس “التفاهمات الوشيكة”، وتسييل الأصول المجمدة، مع ضبط الإيقاع الاجتماعي والسياسي الداخلي خلف قرار مؤسسات الدولة العليا عبر “الانفراجة الرقمية” المتمثلة في عودة الإنترنت.

جناح الردع والسيادة.. ريبة تفاوضية وشروط صارمة لـ “التسوية”

تصدر مانشيت صحيفة “کیهان” الأصولية عنوان استراتيجي حاسم يلخص محددات الموقف الإيراني الراديكالي من كواليس المفاوضات والتعامل مع الطرف الأمريكي:

“آمریکا به عراقچی ویزا نداد؛ پاسخ آن توقف مذاکره است” (أمريكا لم تمنح عراقجي تأشيرة دخول؛ والرد على ذلك هو إيقاف المفاوضات).

وأردفت الصحيفة في تفاصيلها هجوما حادا يطالب بتأديب الإدارة الأمريكية الجديدة، مستعرضة في عناوين فرعية منجزات المواجهة العسكرية تحت عنوان: “ایران با این جنگ ابرقدرت شد” (إيران أصبحت قوة عظمى بهذه الحرب)، مؤكدة أن أي تراجع أمام الغرب يمثل تفريطاً في دماء الشهداء ومكتسبات الميدان.

Image

وفي ذات السياق التعبوي، جاء مانشيت صحيفة “رسالت” باللون العريض فوق صورة حاشدة للمسيرات الشعبية الحاملة للأعلام الإيرانية ورايات المقاومة ليعلن بوضوح:

“یک ملت ابراهیم، یک ملت اسماعیل” (أمة واحدة لإبراهيم، أمة واحدة لإسماعيل).

واعتبرت الصحيفة في افتتاحيتها السياسية تحت عنوان “پایان‌بندی جنگ” (نهاية الحرب) أن أي صيغة تفاهم مقترحة لإنهاء الحرب يجب ألا تمس بالقدرات الصاروخية أو النفوذ الإقليمي، واصفة التحركات الأمريكية والغربية في الدوحة بأنها مناورات تهدف إلى فرض الاستسلام على طهران وهو ما يرفضه الشعب تماما.

Image

من جانبها، قدمت صحيفة “همشهری” (التابعة لبلدية طهران) قراءة ميدانية واجتماعية شديدة الحذر عبر صورة تعبيرية لشاب يعاني من الارتباك والتحير يغطي صفحتها الأولى، متسائلة عبر مانشيت ضخم:

“سرگیجه اینترنتی” (الدوار والدوخة من الإنترنت).

وانتقدت الصحيفة التخبط في اتخاذ القرارات الرقمية متسائلة عن دواعي الحجب ورفعه في هذا التوقيت، مع الحفاظ على لغة القوة في ملف السياسة الخارجية عبر عنوان فرعي بارز: “کفگیر آمریکا به ته دیگ خورد / شروط ایران روی میز مذاکره” (کفگیر أمريكا ضرب قاع القدر / شروط إيران على طاولة المفاوضات)، لتأكيد ثبات معادلة الردع الإيرانية.

Image

أما صحيفة “قدس”، فقد اتخذت مسارا تحليليا يوازن بين الأبعاد الدينية والسياسية، مصدرة صفحتها بمانشيت يناقش كواليس التسوية:

“ترامپ دنبال نمایش، تهران در پی تضمین” (ترامب يبحث عن استعراض، وطهران تطالب بالضمانات).

وأكدت الصحيفة أن الدبلوماسية الإيرانية الصبورة أجبرت الأطراف الدولية على القبول بحتمية التفاوض، لكنها شددت على أن طهران لن تكتفي بالوعود الشفهية لإدارة ترامب، بل تريد ضمانات قانونية صلبة وملموسة لإنهاء الحرب بشكل دائم.

Image

وعلى صعيد استعراض روايات القوة الميدانية، ركزت صحيفة “جوان” (المحسوبة على الحرس الثوري) على القيمة الاستراتيجية للوفد الإيراني المشترك، واصفة التحرك تحت مانشيت عريض يغطي خريطة المنطقة:

“رژه ایرانی در قطر: رأی قاطع به رئیس میدان و پارلمان” (استعراض إيراني في قطر: رأي قاطع لرئيس الميدان والبرلمان).

ونشرت الصحيفة صورة بارزة تجمع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف مع الوفد الدبلوماسي والاقتصادي (عباس عراقجي وعبد الناصر همتي)، معبرة عن أن هذا التنسيق هو الركيزة الأساسية لحماية السيادة وتثبيت شروط المقاومة، معلنة بوضوح: “برنامه هسته‌ای مسئله حل است” (البرنامج النووي أمر محسوم) ولا مجال لتقديم تنازلات فيه.

Image

الصحافة الإصلاحية والمعتدلة.. “هندسة التوافق” والانفراجة الرقمية

على الجانب الآخر، ركزت الصحف المعتدلة والإصلاحية والحكومية على المسارات القانونية والدبلوماسية لتسييل انتصارات الميدان وتحويلها إلى مكتسبات سياسية واقعية؛ حيث أفردت صحيفة “إیران” الحكومية صفحتها الأولى لمانشيت يتسم بالبراغماتية والتفاؤل الحذر:

“آزمون عملی آمریکا در بزنگاه دوحه” (الاختبار العملي لأمريكا في منعطف الدوحة).

وأشارت الصحيفة إلى وجود إشارات إيجابية متبادلة كواليس التحركات الدبلوماسية لإنهاء الحرب، مبرزة تصريحات الرئيس مسعود بزشكيان في لقائه مع القطاع الخاص: “دولت و بخش خصوصی در یک جبهه برای عبور از جنگ اقتصادی” (الحكومة والقطاع الخاص في جبهة واحدة لعبور الحرب الاقتصادية). كما احتفت الصحيفة بقرار مجلس الأمن القومي والحكومة عبر عنوان عريض في منتصف الصفحة: “مصوبه بازگشت اینترنت به وضعیت قبل” (مصوبة عودة الإنترنت إلى وضعه السابق).

Image

وفي ذات السياق، جاء مانشيت صحيفة “سازندكی” (لسان حال حزب كوادر البناء) ليعكس الرؤية التفاوضية المتقدمة، واضعة صورة طولية ضخمة للثلاثي (قاليباف، وعراقجي، وهمتي) وهم يتحركون بثقة في أروقة الدبلوماسية:

“وصول دارایی‌های ایران” (وصول واسترداد الأصول الإيرانية).

وأبرزت الصحيفة نجاح الفريق التفاوضي في تحرير الأموال الإيرانية المجمدة في قطر كجزء من ترتيبات التسوية الشاملة، معتبرة أن الأجواء مهيأة لإقرار إنهاء الحرب من موقع قوة واقتدار اقتصادي.

Image

أما صحيفة “شرق” الإصلاحية العريقة، فقد ركزت على البعد الهيكلي وانعكاسات السلام على الأسواق المحلية، مصدرة صفحتها بمانشيت باللون الأسود:

“سایه مذاکره بر معاملات مسکن” (ظلال المفاوضات تخيم على معاملات المسكن).

ونقلت الصحيفة تفاصيل التحركات الجارية في قطر عبر عنوان فرعي: “در قطر به دنبال تفوهم” (في قطر بحثا عن التفاهم)، مبرزة في الوقت ذاته الأثر الإيجابي لقرار عودة الشبكة العنكبوتية على لسان وزير الاتصالات تحت عنوان: “بازگشایی اینترنت پیام‌آور اعتماد و ثبات کشور” (إعادة فتح الإنترنت رسالة تحمل الثقة والاستقرار للبلاد).

Image

وهو ما ركزت عليه أيضا صحيفة “اعتماد” الإصلاحية عبر مانشيت رئيسي فائق الحجم باللون الأسود العريض:

“آزادی اینترنت” (حرية الإنترنت).

ونقلت الصحيفة انتقادات النائب الأول لرئيس الجمهورية محمد رضا عارف الصريحة للسياسات السابقة قائلا: “لا يمكن إغلاق الأوتوستراد بالكامل بسبب مخالفة سائق واحد”، معتبرة القرار خطوة حاسمة لتعزيز الجبهة الداخلية، بالتزامن مع تغطية كواليس الدوحة تحت عنوان “جدال اراده‌ها” (صراع الإرادات) و”پشت پرده سفر قاليباف، عراقچی و همتی به قطر”.

Image

وفي سياق الترقب الدبلوماسي، جاء مانشيت صحيفة “آرمان ملی” ليجمع بين صورة قاليباف وعراقجي وبين التساؤل عن أمتار التفاوض الأخيرة:

“توافق در مرحله نهایی؟” (التوافق في مرحلته النهائية؟).

وأشارت الصحيفة في محورها الاقتصادي إلى ترقب الأسواق للانفراجة المالية وتحسن المعيشة تحت عنوان: “بهبود شرایط اقتصادی با یک توافق خوب” (تحسن الظروف الاقتصادية باتفاق جيد)، لافتة إلى أن بوصلة الأموال بدأت تتجه نحو الملاذات الآمنة المستقرة تحت عنوان “رونق بازار مسکن به جای طلا” (انتعاش سوق الإسكان بدلا من الذهب).

Image

وهو ما أكدته أيضا صحيفة “جمهوری اسلامی” المعتدلة، مبرزة في مانشيتها الرئيسي آثار هذا التوافق على الخصوم الإقليميين: “نگرانی سران رژیم صهیونیستی از توافق احتمالی ایران و آمریکا” (قلق قادة الكيان الصهيوني من التوافق المحتمل بين إيران وأمريكا)، مع إبراز تصريحات عارف الرافضة للتعامل المزاجي مع قضايا المواطنين والإنترنت.

Image

بينما اتخذت صحيفة “مردم سالاری” مسارا تنفيذيا يربط المسارين بوضوح عبر تصميم يدمج خريطة البلاد بكابلات الشبكة العالمية تحت مانشيت مزدوج: “سفر ناگهانی قالیباف و عراقچی به دوحه” (الزيارة المفاجئة لقاليباف وعراقجي إلى الدوحة) و”مصوبه حیاتی درباره اینترنت” (مصوبة حيوية بشأن الإنترنت)، لافتة إلى رغبة مؤسسات الدولة في خفض التصعيد الخارجي والداخلي بالتوازي.

Image

الجبهة الاقتصادية والقطاعية.. انتعاش البورصة وطفرة “دنياي اقتصاد” و”خراسان”

واكبت الصحف الاقتصادية والقطاعية الأثر المباشر لإنهاء الأجواء العسكرية وتراجع احتمالات المواجهة الشاملة على حياة المواطنين وبنية الأعمال؛ حيث أفردت صحيفة “دنیای اقتصاد” المرموقة عنوانا ماليا وتقنيا بارزا في مقدمة صفحتها الأولى:

“گام اول بازگشت اینترنت” (الخطوة الأولى لعودة الإنترنت).

وأشارت الصحيفة إلى أن تراجع حدة التوترات ودخول القرار الرقمي حيز التنفيذ دفعا المؤشرات المالية إلى طفرات قياسية تاريخية، معلنة في هوامشها: “بورس در مرز ۴ میلیونی” (البورصة على أعتاب حاجز الـ 4 ملايين نقطة) كدليل ملموس على تدفق الرساميل المحلية نحو سوق الأوراق المالية وانتعاش حركة التجارة والشركات الناشئة بعد الإفراج عن الأصول.

Image

بينما اتخذت صحيفة “خراسان” مسارا يدمج بين تعزيز الهوية الوطنية والتطلع الدبلوماسي، واضعة صورة ضخمة لعازف ومغني الفلكلور الخراساني الشهير تحت عنوان “دوتار رجزخوان خراسان”، لتمهيد الطريق لمانشيتها السياسي العسكري في الجانب الأيمن:

“آزمون واشنگتن در دوحه” (اختبار واشطن في الدوحة).

وناقشت الصحيفة كواليس المهمة الدبلوماسية الحالية في قطر لاسترداد الأموال وفك العقد السياسية، لافتة في الوقت ذاته في ملفاتها الداخلية إلى ضرورة تنظيم قطاعات الاستيراد والخدمات لضمان التوزيع العادل لعوائد الانفراجة المرتقبة.

Image

خلاصة المشهد الصحفي

توضح هذه الجولة الشاملة والعميقة في الصحافة الإيرانية الصادرة اليوم أن طهران صاغت معادلة إعلامية وسياسية مزدوجة ومتكاملة لإدارة أمتار التفاوض الأخيرة وصياغة التسوية المرتقبة:

الجناح السيادي والأصولي (كيهان، وهمشهري، وجوان، ورسالت، وقدس): يتولى تصدير لغة القوة والقبضة الحديدية مستندا إلى منجزات الميدان وثبات معادلة الردع، واضعا شروطا صارمة ومبديا ريبة بالغة تجاه النوايا الأمريكية (خصوصا في ملف تأشيرة عراقجي والبرنامج النووي)، بهدف رفع سقف التفاوض الإيراني ومنع تقديم أي تنازلات مجانية وإجبار واشنطن على القبول بتسوية مشرفة تضمن حقوق البلاد كاملة.

الجناح الحكومي والمعتدل والإصلاحي والاقتصادي (إيران، وسازندكي، وشرق، واعتماد، وآرمان ملي، وجمهوري إسلامي، ومردم سالاري، ودنياي اقتصاد، وخراسان): يتحرك بمرونة وبراغماتية عالية لتسييل هذه القوة الميدانية ودعم الفريق التفاوضي الثلاثي (قاليباف وعراقجي وهمتي)، مستهدفا ضبط الإيقاع الإعلامي والاجتماعي الداخلي عبر “إنفراجة الإنترنت” لتعزيز الحاضنة الشعبية وتثبيت الثقة، مستنداً إلى مؤشرات اقتصادية حيوية واعدة تتمثل في وصول الأصول المالية المجمدة، وانتعاش بورصة طهران لتقترب من حاجز الـ 4 ملايين نقطة، والترقب الإيجابي في أسواق الإسكان والعملات.

في النهاية، لا يعكس التباين الظاهري في الصحافة الإيرانية صراعا على الهوية السياسية بقدر ما يكشف عن توزيع أدوار لإدارة مرحلة ما بعد الحرب؛ فبينما يتولى التيار الأصولي والسيادي حراسة “الخطوط الحمراء” ورفع سقف الشروط لضمان الضمانات السياسية، يتحرك الجناح الإصلاحي والحكومي بمرونة لتسويق التفاهمات الوشيكة في قطر وتمتين الجبهة الداخلية بالانفتاح الرقمي والاقتصادي.