- زاد إيران - المحرر
- 95 Views
كتب: الترجمان
في لحظة توصف بأنها الأكثر حرجا في تاريخ إيران المعاصر، خرج الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، بحديث يتجاوز في أبعاده مجرد التعليق السياسي العابر على الأحداث الجارية والتطورات الحالية في إيران، ليضع “مانيفستو” استراتيجيا لمرحلة ما بعد الصدام العسكري.
بعد أكثر من أربعين يوما من المواجهة التي استهدفت البنية العسكرية والعلمية والاقتصادية لإيران، يرى خاتمي أن إيران لم تنجُ فحسب، بل خرجت بموقع عزيز ومنتصر وضعها في قلب معادلة إقليمية جديدة.
غير أن هذا الانتصار، في نظر خاتمي، ليس نهاية الطريق بل هو بداية لاختبار أصعب: اختبار “الحكمة السياسية”. فقد حذر خاتمي بوضوح من أن الدخول في مرحلة “وقف إطلاق النار” يتطلب أدوات تفكير مغايرة تماما لتلك التي استُخدمت في الميدان، مشددا على ضرورة الانتقال من حالة “الاستنفار الدفاعي” إلى “البناء الاستراتيجي للسلام”، محذرا من أن الأخطاء السياسية الناتجة عن الاندفاع أو الابتهاج المفرط قد تفرغ المنجزات الميدانية من محتواها التاريخي.
ضرورة التثبيت السياسي والابتعاد عن فخاخ “النشوة” العابرة
استهل محمد خاتمي تحليله بالتأكيد على أن إيران، بفضل تلاحم جيشها وشعبها، استطاعت إفشال المخطط الاستراتيجي الرامي لتقويض نظامها السياسي وضرب استقلالها ووضعها الإقليمي الهام.
ومع ذلك، وجه تحذيرا شديد اللهجة من مغبة الانزلاق نحو (الابتهاج العاطفي) أو التنديد الراديكالي الذي قد يغشى الأبصار عن رؤية التعقيدات القادمة. ويرى أن “المرحلة الجديدة والحساسة” التي دخلتها البلاد تفرض تثبيت الموفقيات العسكرية عبر قنوات سياسية ودبلوماسية رصينة.
إن التثبيت هنا لا يعني الركون إلى ما تحقق، بل يعني تحويل القوة العسكرية إلى “رأس مال سياسي” يُستثمر في طاولة المفاوضات. يؤكد خاتمي أن أي تصرف غير مدروس نابع من الغرور العسكري قد يمنح الخصوم فرصة لشن هجوم دبلوماسي مضاد، ومن هنا تأتي دعوته لضرورة فهم المعطيات الدولية بـ “أطر ذهنية جديدة” تتجاوز لغة التصادم التقليدية، لضمان عدم عودة شبح الحرب تحت مسميات أخرى.

دبلوماسية “السلام المستدام” كاستمرارية لفعل المقاومة
في رؤية نقدية لمفهوم الصراع، يطرح خاتمي تعريفا ثوريا للسلام، معتبرا إياه “الوجه الآخر للدفاع الشامل”. السلام في قاموس خاتمي ليس استسلاما ولا هو مجرد صمت للمدافع، بل هو عملية معقدة تتطلب شجاعة تفوق شجاعة القتال في الخنادق.
ويشير إلى أن “التعقيدات والمشقات” التي تكتنف بناء السلام المستدام تفوق صعوبات الميدان العسكري، لأنها تتطلب حوارات حقيقية، ومفاوضات ذكية، وتوافقات معقولة تحمي المصالح الوطنية دون الانعزال عن العالم.
ويرى خاتمي أن الحوار في الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سواء على الصعيد الوطني أو الدولي، هو “دفاع مؤثر” يمنع استنزاف موارد الدولة ويؤمن مستقبل الأجيال.
وفي هذا الصدد، أثنى على التحركات التي بدأتها الحكومة الإيرانية وأركان الدولة في مسار التفاوض، معتبراً أن نجاح هذه الخطوات هو الضمان الوحيد لتحويل وقف إطلاق النار العابر إلى استقرار تاريخي ينهي حقبة التهديدات الوجودية.

تآكل الهيمنة الغربية والتحول في الرأي العام العالمي
رصد خاتمي، عند تحليل خاتمي للمشهد الدولي، بعمق بوادر فشل “استراتيجيات الحرب والعدوان” التي انتهجتها الولايات المتحدة وإسرائيل. ويشير خاتمي إلى أن العالم اليوم يشهد انهيارا في “الاقتدار العالمي” القائم على القوة المحضة، مستدلا بالمفارقة الكبيرة بين موقف البابا “ليو الرابع عشر” الذي انبرى للدفاع عن السلام من منطلق أخلاقي، وبين الموقف الأمريكي الذي اتسم بالتعالي والغطرسة والتهديد.
هذا التباين الأخلاقي، بحسب خاتمي، يعزز من مكانة إيران في المجتمع الدولي ويجعلها في وضعية “اليد العليا”، ليس فقط لقدرتها العسكرية، بل لامتلاكها القدرة على طرح بديل للاستقرار الإقليمي.
إن تأثير هذه الحرب على الاقتصاد العالمي وعلى سلاسل الإمداد جعل القوى الدولية الكبرى تعيد حساباتها، مما يفتح أمام طهران نافذة استراتيجية لتعزيز اعتبارها الدولي كشريك أساسي في استقرار المنطقة، بعيداً عن سياسات الإملاء والاحتواء.
الرهان على الجبهة الداخلية: المواطنة الحقة كصمام أمان
ينتقل خاتمي في الجزء الأخير من خطابه إلى ما يمكن وصفه بـ “التحصين الداخلي“، مؤكدا أن الاستقلال الحقيقي لا يتحقق فقط بالحدود المؤمنة، بل بالمجتمع القوي والمتماسك. ويشدد على أن العبور نحو المستقبل يتطلب “معرفة دقيقة وواقعية للمجتمع”، والاستجابة لضرورات ما بعد الحرب من خلال إشراك كافة فئات الشعب، لا سيما المفكرين والنخب، كـ “مواطنين صاحب حق وحرمة”.
إن إعادة بناء إيران “الحرة، المستقلة، والمزدهرة” هي الهدف الأسمى الذي يجب أن تلتف حوله كل الجهود. يرى خاتمي أن المشاركة الجدية للمواطنين في صنع القرار وتجاوز الأطر السياسية الضيقة هو الضمانة الحقيقية لإبعاد “ظل التهديد” عن البلاد.
فالدولة التي تحترم حقوق أبنائها وتفتح آفاق الإبداع أمام نخبها هي الدولة التي لا يمكن هزيمتها من الخارج، وهذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه “دولت الإصلاح” والنظام السياسي ككل في هذه المرحلة الانتقالية التي ستشكل ملامح الهوية الإيرانية في القرن الجديد.
التحديات الاقتصادية والسياسية في النظام العالمي الجديد
لم يغفل خاتمي الإشارة إلى أن الحرب والعدوان الأخير قد خلقا واقعا اقتصاديا وسياسيا جديدا على مستوى العالم، وهو ما يتطلب من إيران “يقظة استراتيجية” لمواكبة هذه التحولات.
إن تثبيت المنجزات يتطلب بالضرورة سياسات اقتصادية ناجعة تخفف من آثار الحرب على طبقات المجتمع المختلفة، وتجعل من إيران “أنموذجا” للتنمية والازدهار في بيئة ما بعد النزاع.
يرى خاتمي أن النجاح في استقرار السلام الإقليمي والعالمي سيعزز من قدرة إيران على لعب دور محوري في الاقتصاد العالمي، مما يساهم في بناء إيران المزدهرة. إن هذا الربط بين “العزة العسكرية” و”الازدهار الاقتصادي” و”الحقوق المدنية” هو الذي يشكل جوهر رؤية خاتمي للمرحلة القادمة، مؤكداً أن أي إهمال لواحد من هذه الأركان قد يؤدي إلى زعزعة استقرار البنيان الوطني في مواجهة العواصف الدولية المستمرة.

قراءة في “فلسفة العبور” عند خاتمي
تتجلى عبقرية التحذير الذي أطلقه خاتمي في إدراكه العميق بأن اللحظة التي تلي الصدام العسكري هي “الاختبار الحقيقي” لهوية الدولة وقدرتها على البقاء؛ فالمواجهة الميدانية، رغم نجاحها في تثبيت الردع، تظل منجزاً منقوصاً ما لم تُترجم إلى “رأس مال سياسي” على طاولة التفاوض.
فهو يرى أن الانزلاق نحو نشوة الانتصار أو الانغلاق الراديكالي يمثل فخا استراتيجيا قد يفرغ المنجزات العسكرية من محتواها، لذا يطرح ضرورة استبدال “لغة الخنادق” بـ “دبلوماسية الحكمة”، معتبرا أن السلام ليس استراحة للمقاتل، بل هو “دفاع مؤثر” يتطلب شجاعة سياسية تفوق شجاعة الميدان لضمان عدم عودة شبح الحرب تحت مسميات اقتصادية أو سياسية.
وعلى صعيد الجبهة الداخلية، يربط خاتمي بين السيادة الوطنية والشرعية الاجتماعية برباط وثيق، مؤكدا أن الاستقلال الحقيقي لا يحميه الجيش فحسب، بل تحميه “المواطنة الحقة”. إن دعوته لإشراك النخب والمفكرين واعتبار المواطن “صاحب حق وحرمة” تعكس رؤيته بأن المجتمع المتماسك هو صمام الأمان الوحيد ضد التهديدات الوجودية.
فالدولة التي تنجح في تحويل “العزة العسكرية” إلى “ازدهار اقتصادي” وعدالة اجتماعية هي الوحيدة القادرة على الصمود في وجه التحولات العالمية الجديدة، مما يجعل من رؤيته خارطة طريق للانتقال بإيران من عقلية “إدارة الأزمة” إلى استراتيجية “بناء الدولة المحورية” المزدهرة.

