- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 32 Views
كتب: الترجمان
تمر المنظومة الصحية والدوائية في إيران بمرحلة هي الأشد تعقيدا في تاريخها الحديث، حيث اجتمعت عوامل الضغط النقدي، والتحولات الهيكلية في سياسات الدعم، والتهديدات العسكرية المباشرة لتشكل ضغطاً غير مسبوق على حياة المواطن اليومية.
يأتي قرار إلغاء السعر التفضيلي (السعر المدعم) لقطاعات واسعة من الأدوية كإجراء جراحي مؤلم اتخذته الحكومة لمواجهة النقص الحاد في العملة الصعبة، إلا أن ارتدادات هذا القرار بدأت تظهر جليا في أروقة الصيدليات وعلى وجوه المرضى الذين باتوا يواجهون معادلة صعبة بين توفر الدواء وقدرتهم الشرائية المتآكلة.

القرار الرسمي: أولويات الدعم في ظل ندرة الموارد
كشف أكبر عبد اللهي أصل، مدير عام الأدوية والمواد الخاضعة للرقابة في منظمة الغذاء والدواء، عن ملامح الخطة الجديدة لتوزيع النقد الأجنبي، مؤكدا أن الحكومة لم تعد قادرة على منح السعر التفضيلي لكل مدخلات الإنتاج الدوائي.
وفي تصريح مفصل حول طبيعة المواد المستبعدة، أوضح عبد اللهي أصل أن إلغاء الدعم شمل المواد الفعالة والسلائف المرتبطة بالأدوية التي تُصرف دون وصفة طبية (OTC)، والأدوية المخصصة للأمراض غير المزمنة ذات التكلفة المنخفضة، بالإضافة إلى الأدوية المصنعة محلياً تحت تراخيص دولية.
وبرر هذا التوجه بضرورة توجيه الموارد المحدودة نحو “القائمة الحيوية والضرورية”، وهي الأدوية التي لا يمكن الاستغناء عنها للأمراض الخاصة والصعبة والتي لا تمتلك البلاد بدائل محلية لها، مما يعكس رغبة رسمية في حماية الأمن الصحي للمرضى الأكثر عرضة للخطر، ولو على حساب الأدوية الاستهلاكية العامة.

وفي سياق متصل، شددت التقارير الواردة من منظمة الغذاء والدواء على أن تخصيص السعر التفضيلي بات محصورا في أضيق الحدود، حيث لا يُمنح حاليا إلا للأدوية والمواد الأولية التي تم تخليصها واستهلاكها مسبقا بناء على مستندات الحد الأدنى.
هذا التوجه البيروقراطي الجديد يعكس حجم الاختناق المالي الذي تعاني منه الحكومة في مسألة الدواء، حيث تحاول موازنة فاتورة الدواء مع احتياجات القطاعات الاستراتيجية الأخرى في ظل ظروف إقليمية ودولية ضاغطة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول قدرة الشركات المصنعة على الاستمرار في الإنتاج بالأسعار السابقة دون الحصول على دعم نقدي يغطي فوارق أسعار الصرف المتزايدة.
الأدوية “اليومية” والقفزات السعرية المتوقعة
تمثل الأدوية التي رُفع عنها الدعم العصب الرئيسي للاستهلاك الشعبي، حيث تشمل أصنافا لا يخلو منها منزل، مثل مسكنات الألم (الباراسيتامول والجيلوفين)، وأدوية نزلات البرد، ومضادات الحساسية، وشراب السعال.
ويؤكد الخبراء أن تحويل تمويل هذه الأدوية وموادها الأولية من السعر التفضيلي إلى سعر الصرف الأعلى سيؤدي إلى زيادة “متعددة الأضعاف” في تكلفة الإنتاج والاستيراد.
وفي التحليل الميداني للوضع، يتوقع مراقبون أن يلمس المواطن العادي أثر هذا القرار بشكل فوري عند زيارة الصيدليات، حيث إن هذه الأدوية التي كانت تُصنف “رخيصة الثمن” ستتحول إلى عبء مالي جديد يضاف إلى قائمة التضخم التي تنهك جيوب الإيرانيين، خاصة أن نظام التأمين الصحي قد لا يغطي هذه الزيادات السعرية المفاجئة بنفس الكفاءة.
علاوة على ذلك، فإن شمول “الأدوية المنتجة تحت الترخيص” بهذا القرار يضع تحديات إضافية أمام الشركات المحلية التي تعتمد على التركيبات أو العلامات التجارية الأجنبية.
هذه الفئة من الأدوية غالبا ما يفضلها المرضى لجودتها العالية أو لعدم استجابتهم الكاملة للبدائل المحلية البسيطة. ومع رفع الدعم عنها، من المتوقع أن تشهد أسعارها ارتفاعا يتجاوز القدرة الشرائية للشريحة الأكبر من المجتمع، مما قد يدفع الكثيرين قسرا نحو بدائل أقل جودة أو التخلي عن متابعة العلاج في الحالات غير المزمنة، وهو ما يحمل مخاطر صحية تراكمية على المدى الطويل.

الردود السياسية في مواجهة الحقائق الميدانية
على المستوى السياسي الرفيع، حاول الرئيس مسعود بزشكيان خلال زيارته الأخيرة لوزارة الصحة تقديم صورة مطمئنة للداخل الإيراني، حيث صرح بوضوح أنه “لا يوجد حاليا نقص أدوية في البلاد”.
وأثنى بزشكيان على جهود الكادر الطبي والمديرين في الحفاظ على استمرارية الخدمات الحيوية مثل اللقاحات ورعاية الأمهات الحوامل والعمليات الجراحية الضرورية، معتبرا أن نجاح النظام الصحي في العمل بكفاءة خلال “الظروف الاستثنائية والحربية” هو إنجاز يستحق التقدير.
كما وجه الرئيس بضرورة حل مشكلات السيولة المالية للمصنعين وتعزيز المخزون الاستراتيجي من خلال الإنتاج المحلي والتعاون مع الدول الصديقة، في محاولة لرسم ملامح استراتيجية “الصمود الصحي”.
إلا أن هذه الصورة المتفائلة تصطدم بتصريحات مهنية أكثر تشاؤما من قلب الميدان؛ إذ أكد أمين عينكجي، عضو مجلس إدارة جمعية الصيدليات، أن الحديث عن انعدام النقص قد يكون موجها لرفع الروح المعنوية، لكن الواقع يحكي قصة أخرى.
وأوضح عينكجي أن الصيدليات تعاني من نقص فعلي في أكثر من 100 قلم دوائي، تشمل أدوية القلب والسكر وأمراض الأعصاب والجهاز الهضمي، مشيرا إلى أن المتوفر حاليا في الأسواق هو نتاج مخزونات المستودعات السابقة وليس نتيجة تدفق توريدات جديدة مستقرة.
كما انتقد عينكجي تأخر التأمينات الصحية في سداد ديونها للصيدليات، مما جعل الأخيرة تقف على حافة الإفلاس منذ عام 2021، محذرا من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى انهيار حلقة التوزيع النهائية للدواء.

المخاطر اللوجستية واستهداف البنية التحتية
لا تقتصر أزمة الدواء على الجوانب المالية فقط، بل تداخلت معها أبعاد أمنية وعسكرية خطيرة؛ فقد كشفت التقارير عن تعرض إحدى الشركات الكبرى لإنتاج المواد الأولية لأدوية السرطان والتخدير لضربات عسكرية مباشرة أدت لتدميرها بالكامل في الهجمات الأمريكية الإسرائيلية.
هذا الحادث يمثل ضربة موجعة للاكتفاء الذاتي الدوائي، حيث أكد مدير الشركة أن هدفهم إنساني بحت ولا علاقة لهم بالأنشطة السياسية أو العسكرية. إن فقدان مثل هذه المنشآت في هذا التوقيت يزيد من الاعتماد على الاستيراد، وهو المسار الذي بات محفوفاً بالمخاطر في ظل التوترات في مضيق هرمز وما يتبعها من تهديدات بفرض حصار بحري قد يقطع شريان المواد الحيوية والغذاء والدواء عن البلاد.
في الوقت نفسه، يحذر الخبراء من أن هذه الفوضى السعرية والنقص في المعروض يفتحان الباب على مصراعيه لانتشار الأدوية غير المرخصة والمقلدة. وقد جاء إعلان مختبر المرجعية لمنظمة الغذاء والدواء حول سحب منتج التنحيف “GC” المقلد، الذي يحتوي على مركبات خطيرة مثل الميثامفيتامين، كجرس إنذار للمجتمع.
ففي ظل صعوبة الحصول على الأدوية الرسمية أو ارتفاع أسعارها، قد يلجأ المواطنون إلى السوق السوداء أو المنتجات المهربة التي تشكل خطراً داهماً على الصحة العامة، مما يضع السلطات الرقابية في المحافظات، مثل ما يحدث في أستارا وكردستان، في حالة استنفار دائم لمراقبة الصيدليات وضمان وصول الدواء السليم للمواطنين.

تحدي العدالة الصحية في زمن الأزمات
إن إلغاء السعر التفضيلي للأدوية ليس مجرد قرار اقتصادي، بل هو اختبار لمدى قدرة الدولة على الحفاظ على عقدها الاجتماعي مع المواطنين في قطاع حساس كالصحة. وبينما تسعى الحكومة لترشيد الاستهلاك وإدارة الموارد المتاحة بـ “عقلية حربية”، يظل المواطن هو الحلقة الأضعف التي تتحمل تبعات القفزات السعرية ونقص الأصناف الحيوية.
إن الحل يتطلب أكثر من مجرد تصريحات مطمئنة؛ فهو يحتاج إلى ضخ سيولة حقيقية في شرايين المصانع، وتسريع وتيرة الاستيراد للأصناف المفقودة، وتفعيل رقابة صارمة تمنع الاحتكار والتهريب، لضمان ألا يتحول الدواء إلى سلعة لمن استطاع إليها سبيلا فقط.

