- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 113 Views
كتب: الترجمان
دخلت المواجهة العسكرية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، شهرها الثاني وسط تحولات دراماتيكية تجاوزت حدود القواعد العسكرية لتضرب العمق المدني والخدمي للبلاد.
وفيما يُعرف محليا بـ (حرب رمضان)، باتت ملامح الأزمة تترسم فوق جدران المدارس المهدمة، وفي غرف التحكم بمحطات الكهرباء التي تواجه تهديدات وجودية، وصولا إلى مائدة المواطن الإيراني التي باتت تعتمد على البطاقات التموينية لمواجهة غلاء فاحش يطحن الطبقات العاملة.
هذا التقرير يشرح تفصيليا أبعاد الدمار الذي لحق بالمؤسسات التعليمية، ومخاطر انقطاع التيار الكهربائي الشامل، والآليات الحكومية المتبعة لتفادي انهيار الأمن الغذائي.
شبح “انقطاع الكهرباء”: هل تغرق إيران في ظلام دامس؟
تتصدر قضية الطاقة المشهد السياسي والعسكري في إيران، خاصة مع تزايد التهديدات باستهداف المحطات الكهربائية كأداة لشل حركة الاقتصاد والحياة اليومية. وفي هذا السياق، يبرز تصريح مهدي غضنفري، رئيس هيئة صندوق التنمية الوطنية، كقراءة واقعية وحذرة للموقف؛ حيث يرى أن “عالم الحرب هو علم عدم اليقين”، مؤكدا أن النتائج ليست قطعية دائما.
ومع ذلك، يعول غضنفري على البنية التحتية “اللامتماثلة” لشبكة الكهرباء الإيرانية، حيث أوضح أن توزيع المحطات في نقاط جغرافية متفرقة، ونمو مزارع الطاقة الشمسية الصغيرة، يجعل من عملية “الإطفاء الشامل” أمرا صعبا ومعقدا عسكريا، إذ لا تتركز الطاقة في محطة واحدة أو اثنتين يمكن ضربهما لتعطيل الدولة بالكامل.
لكن خلف هذه الطمأنة التقنية، تبرز لغة الردع العسكري التي يصفها غضنفري بأنها انتقلت من مرحلة “العين بالعين” إلى استراتيجية “الرأس مقابل العين”. هذا التحول يعني أن القيادة الإيرانية باتت تهدد بوضوح بأن أي محاولة لإغراق المدن الإيرانية في الظلام ستقابلها عمليات تجعل “المنطقة بأسرها” تعيش حالة من العتمة الشاملة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت حساس تشهد فيه الأسواق العالمية ترقبا لأسعار النفط التي قد تقفز لمستويات قياسية إذا ما تصاعد التوتر في مضيق هرمز، مما يحول أزمة الكهرباء المحلية إلى أزمة طاقة عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية لإيران.
ميدانيا، بدأت ملامح التأثر تظهر بالفعل وإن كانت بشكل محدود حتى الآن؛ فقد أعلنت وزارة الطاقة عن انقطاعات مؤقتة في مناطق شرق طهران نتيجة إصابة بعض المنشآت بشظايا المقذوفات.
ورغم أن الفرق الفنية استطاعت إعادة التيار في أقل من ساعة، إلا أن هذا الحادث يعكس هشاشة الموقف وإمكانية تحول الانقطاعات الموضعية إلى أزمات كبرى إذا ما اتسعت رقعة الاستهداف المباشر للمحولات الرئيسية وخطوط النقل الحيوية التي تربط المحافظات ببعضها البعض.

قطاع التعليم: فاتورة الدم والدمار
لم تنجُ المؤسسات التعليمية من تداعيات القصف، حيث تحولت المدارس والجامعات إلى ما يشبه “خنادق المواجهة” وفق وصف المسؤولين الإيرانيين. التقرير الصادر عن البرلمان الإيراني يرسم صورة قاتمة لحجم الخسائر البشرية والمادية، حيث كشف المتحدث باسم لجنة التعليم، إحسان عظيمي راد، عن استشهاد 230 طالبا ومعلما وإصابة المئات منذ بداية الهجمات.
هذه الأرقام لم تتوقف عند هذا الحد، بل تصاعدت وفقا لآخر تحديث من حسين صادقي، رئيس مركز الإعلام بوزارة التربية والتعليم، لتصل إلى 290 شهيدا، بينهم أطفال في سن الروضة، مما يضع الهجمات تحت طائلة الانتقادات الدولية باعتبارها انتهاكاً لبروتوكولات جنيف واتفاقيات “المدارس الآمنة”.
أما على صعيد البنية التحتية، فقد بلغت حصيلة التدمير 640 فضاء تعليميا وثقافيا، تنوعت ما بين مدارس ابتدائية ومجمعات تربوية ومراكز إدارية. وفي تصريحات لـ حميد رضا خان محمدي، رئيس هيئة تطوير المدارس، تبين أن 17 محافظة إيرانية تعاني من دمار في مرافقها التعليمية، وأن هناك حاجة ملحة لهدم وإعادة بناء 15 مؤسسة بشكل كامل نتيجة الضرر الهيكلي الجسيم.
ورغم هذا الدمار، تصر الدولة على استمرارية التعليم عبر ما تسميه “العمل الجهادي”، حيث أعلن المسؤولون عن خطة للعام الحالي تركز على إعادة إعمار المدارس المتضررة كنوع من الرد السياسي على الهجمات.
التعليم العالي لم يكن بمنأى عن الاستهداف، فقد أكد مهدي بندار، نائب وزير العلوم، أن الخسائر المادية للجامعات والمراكز البحثية تجاوزت 40 ألف مليار ريال. وشملت الأضرار 21 جامعة ومعهدا بحثيا في 10 محافظات، منها جامعة أورومية وجامعة أصفهان وجامعة دریانوردی في تشابهار.
وتنوعت الأضرار بين تدمير كلي للمختبرات الدقيقة والمتاحف العلمية وبين أضرار إنشائية كصدوع الجدران وانهيار السقوف المستعارة، وهو ما وصفته الأوساط الأكاديمية بـ “الاشتباه المحاسباتي للعدو”، معتبرين أن تدمير المباني لا يعني تدمير المعرفة التي يحملها الأساتذة والطلاب الذين استُشهد منهم العشرات خلال الشهر الماضي.

أزمة الغذاء: بين وفرة الإنتاج وسعر “المليون” للكيلو
في الوقت الذي تشتعل فيه الجبهات العسكرية، تواجه الحكومة الإيرانية حربا أخرى على مائدة المواطن. التقارير الاقتصادية الميدانية تشير إلى تناقض صارخ، فبينما تؤكد الشركة المساهمة لدعم الثروة الحيوانية على لسان مديرها برویز جعفري أن وضع العرض والطلب “مطلوب” ولا توجد حاجة لاستخدام المخازن الاستراتيجية نظراً لوفرة الإنتاج المحلي، نجد أن الأسعار في الأسواق تحكي قصة مختلفة تماماً.
فقد سجلت أسعار اللحوم مستويات غير مسبوقة، حيث يتراوح سعر كيلو اللحم الضأن والشفاف بين 10 مليون إلى 30 مليون ريال، وهو رقم يفوق القدرة الشرائية للشريحة الأكبر من الموظفين والعمال.
هذه الفجوة بين “الوفرة” و”الغلاء” دفعت الحكومة لإطلاق نظام “الشراء الائتماني” لدعم الفئات الأكثر ضعفا. هذا النظام يتيح لرب الأسرة شراء سلع وخدمات بضعف قيمة الدعم النقدي الشهري، على أن يتم السداد بالتقسيط أو الخصم من الدعم المستقبلي.
ورغم أن الحكومة تروج لهذا المشروع كحل سحري لتعزيز الصمود المعيشي، إلا أن البنك المركزي اضطر لضخ مبالغ ضخمة من موارد صندوق التنمية الوطنية لتغطية تكاليف بطاقة السلع، مما يشير إلى استنزاف كبير في احتياطيات العملة الصعبة لمواجهة تبعات الحرب الاقتصادية.
من جانبهم، يعبر ممثلو العمال عن قلق عميق من كفاية هذه الحلول، حيث صرح ابراهيم رحیمیان، الأمين العام لـ “بيت العامل” في طبس. ، بأن بطاقات السلع الحالية “لا تسمن ولا تغني من جوع” أمام تضخم الأسعار الحالي. وأوضح رحيميان أن العامل لا يحتاج فقط إلى “خبز العشاء”، بل لديه احتياجات تعليمية وعلاجية تتضاعف في ظروف الحرب.
وطالب العودة إلى “نموذج الستينات” الذي كان يعتمد على توزيع حصص تموينية عينية ومنتظمة تضمن وصول السلع الأساسية لكل بيت، بدلا من الدعم النقدي أو الائتماني الذي يتآكل أمام التغييرات المفاجئة في الأسعار الناتجة عن التوترات العسكرية.

في الختام، تعيش إيران حالة من “توازن الرعب” على كافة الأصعدة، فبينما تحاول القوات المسلحة ردع التهديدات التي تطال محطات الكهرباء، تحاول المؤسسات التعليمية لملمة جراحها والاستمرار في أداء رسالتها فوق الأنقاض، في حين تسعى الحكومة عبر أدواتها المالية لضبط إيقاع السوق ومنع تحول الغلاء إلى انفجار اجتماعي.
وتبقى الحقيقة الماثلة في تصريحات المسؤولين والمواطنين على حد سواء: أن تكلفة هذه المواجهة لم تعد تُقاس فقط بالصواريخ والمسيرات، بل بمدى صمود “السفينة الاجتماعية” أمام أمواج الأزمات الخدمية والمعيشية المتلاطمة.

