- زاد إيران - المحرر
- 635 Views
نشرت صحيفة شرق الإصلاحية، السبت 26 يوليو/تموز 2025، تقريرا ذكرت فيه أنه، في ظل أسابيع من الصمت والقلق الذي خيّم على الدبلوماسية النووية الإيرانية، شكّلت محادثات إسطنبول بين إيران والترويكا الأوروبية (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا) نافذة هشّة لإحياء مسار التفاوض.
وأضافت الصحيفة أن هذه الجولة، وهي الثالثة من نوعها، جاءت في مناخ مشحون يسوده التوتر والعداء، بدءا من القصف الأمريكي-الإسرائيلي للمنشآت النووية الإيرانية، وصولا إلى التهديدات الأوروبية بتفعيل آلية الزناد.
وتابعت أن المشهد جمع بين أدوات الدبلوماسية وواقع التصعيد؛ فبينما تُطرح الآليات القانونية، تُخيّم الصواريخ والعقوبات على الأجواء، أما الجولات السابقة- الأولى في إسطنبول والثانية بجنيف في أثناء الحرب- فلم تخلُ من التوتر، إلا أن الجولة الثانية اعتُبرت خطوة إيجابية.
وأردفت أن الهجوم الأمريكي المباشر على البنية التحتية النووية الإيرانية، خلال حرب الـ12 يوما، أدى إلى توقف مسار المفاوضات، قبل أن تُستأنف المحادثات مجددا يوم الجمعة 25 يوليو/تموز 2025، من خلال استضافة القنصل الإيراني في إسطنبول لجولة جديدة من المشاورات المباشرة.
ستستمر المشاورات
نقلت الصحيفة عن نائب وزير الخارجية الإيراني، غريبآبادي، قوله في ختام هذه المفاوضات: “أجرينا حوارا جديا وصريحا ومفصلا مع المدراء السياسيين للدول الأوروبية الثلاث والاتحاد الأوروبي، وأكد أن المباحثات تناولت القضايا المتعلقة برفع العقوبات وآلية الزناد، مضيفا أنهم عبّروا بوضوح عن مواقفهم المبدئية وأن المشاورات ستتواصل”.
اختبار للعقلانية الأوروبية
أوردت الصحيفة إلى جانب تصريحات غريب آبادي أن المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي وصف الاجتماع بأنه اختبار لواقعية أوروبا وشدد على ضرورة أن تستفيد الدول الأوروبية الثلاث من الفرصة المتاحة لتصحيح رؤيتها تجاه البرنامج النووي الإيراني.
وأضاف أن المواقف المنحازة لأوروبا تجاه هجمات أمريكا وإسرائيل على إيران قد حولت هذه الدول عمليا إلى أطراف هامشية وغير موثوقة في مسار الدبلوماسية.
تهديد آلية الزناد؛ بعيد جدا وقريب جدا
أشارت الصحيفة إلى أنه قبيل انطلاق المفاوضات بشأن احتمال تمديد مهلة آلية الزناد لبضعة أشهر، شريطة صدور قرار جديد من مجلس الأمن، غير أن وكالة رويترز أفادت لاحقا بأن إيران رفضت هذا المقترح، ويُعزى هذا الرفض، وفق المزاعم، إلى أن طهران تعتبر تفعيل الأوروبيين للآلية غير مشروع لافتقارهم إلى الأساس القانوني لذلك.
وذكرت في رسالة رسمية وجهها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي وأعضاء المجلس، أن الدول الأوروبية الثلاث لم تعد من وجهة نظر إيران أطرافا مؤهلة قانونيا أو سياسيا أو أخلاقيا لتفعيل بنود الاتفاق النووي أو القرار 2231 بسبب دعمها السياسي والمادي للهجوم العسكري الأخير من قبل إسرائيل وأمريكا وإخلالها المتواصل بالتزاماتها في الاتفاق.
واعتبر عراقجي أن أي محاولة أوروبية لإحياء قرارات مجلس الأمن السابقة تُعد باطلة ولا أثر قانوني لها، ورغم تهديد باريس ولندن وبرلين بإعادة فرض العقوبات الأممية بحلول نهاية أغسطس/آب 2025، حذّرت طهران من أن هذه الخطوة قد تواجَه بردود أكثر حدة، قد تشمل الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT).
عودة خبراء الوكالة الفنية إلى إيران
أفادت الصحيفة بأنه في خضم المفاوضات الدبلوماسية، تستمر أيضا المسائل الفنية، فقد أعلنت إيران موافقتها على زيارة وفد فني من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكنها أوضحت أن تفقد المواقع النووية المتضررة ليس مدرجا على جدول الأعمال، وبحسب غريب آبادي، فإن هدف هذه الزيارة هو إعداد بروتوكول جديد للتعاون بين الجانبين.
وتطرقت إلى تصريح المدير العام للوكالة الذرية رافائيل غروسي الذي يزور سنغافورة حاليا بأن على إيران أن تُظهر مزيدا من الشفافية بشأن منشآتها النووية معربا عن أمله في أن يتمكن مفتشو الوكالة من العودة إلى إيران قبل نهاية عام 2025، ورغم ذلك أكدت طهران أن استمرار تعاونها مع الوكالة سيظل مرهونا بقرارات المجلس الأعلى للأمن القومي خاصة في ظل الهجمات الأخيرة.
دبلوماسية أم ردع؟
أوضحت الصحيفة أنه على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي لعب دورا تاريخيا في تشكيل الاتفاق النووي برجام، فإنه يواجه الآن اختبارا جديدا، ووفقا لصحف غربية، فإن على أوروبا إما أن تعود إلى دور الوساطة الصادقة في منع انتشار الأسلحة النووية أو أن تتحول إلى تابع لمغامرات إسرائيل والولايات المتحدة العسكرية.
وأبرزت أن تجربة الهجوم الإسرائيلي على مفاعل أوزيراك العراقي، التي لم تُسهم في الحد من الانتشار بل دفعت نحو مزيد من السرية، تُطرح كمرآة أمام أوروبا اليوم، وبدورها، حذّرت الباحثة البارزة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلي كرانمایه، من أن آلية الزناد لن تنجح في دفع إيران إلى قبول التخصيب الصفري، وقالت أن التجربة أثبتت أن إيران لا تُقدم تنازلات إلا في أجواء دبلوماسية تحفظ كرامتها.
التفاوض مع أمريكا؛ شروط للعودة
أبلغت الصحيفة أنه في ظل الظروف الراهنة، يرى بعض خبراء السياسة الخارجية أن التفاوض مع أوروبا دون التوصل إلى تفاهم مع الولايات المتحدة لن يثمر شيئا؛ إذ إن أوروبا لا تملك استقلالية كافية في اتخاذ القرار، كما أن واشنطن لا تشعر بالالتزام تجاه أي اتفاق يُبرم مع الأوروبيين فقط، لذلك، يتعين على إيران في الوقت ذاته أن تُعيد إحياء مفاوضاتها غير المباشرة مع الولايات المتحدة، من خلال متابعة الشروط المطلوبة.
شروط إيران واضحة، وهي كالتالي:
- عدم تنفيذ أي هجوم خلال فترة المفاوضات.
- التوصّل إلى اتفاق يُحقق مكاسب متبادلة (ربح-ربح) للطرفين، يشمل رفع العقوبات، ودفع تعويضات عن الحرب التي استمرت 12 يوما، والحفاظ على حق إيران في التخصيب النووي، في المقابل، تلتزم إيران بمنح الضمانات اللازمة حول مستوى التخصيب النووي، بما يطمئن الطرف الآخر بأنها لا تتجه نحو تصنيع قنبلة نووية.

وأفادت الصحيفة بأن عراقجي صرّح، بشأن إمكانية التفاوض المباشر مع الحكومة الأمريكية بهدف خفض التوتر، قائلا إن إيران مستعدة للحوار، لكنها في الوقت الراهن غير مستعدة للتفاوض المباشر.
وأقر بأنه إذا بادروا إلى حل يقوم على مبدأ الربح للطرفين، فهو مستعد للتعامل معهم، مؤكدا استعداد إيران لاتخاذ أي خطوة لبناء الثقة، وإثبات الطابع السلمي لبرنامجها النووي، والتأكيد أن أنشطتها ستبقى سلمية، وأنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي.
وأردف: “في المقابل، نتوقع منهم أن يرفعوا العقوبات، وسيكون ذلك اتفاقا يربح فيه الجميع، ونحن مستعدون للتعاون من أجل الوصول إليه، ومع ذلك، لا يمكننا بدء مثل هذه المفاوضات بشكل مباشر، وما زلنا نُفضل أن تكون غير مباشرة”.
اجتماع مع الدول الصديقة
نوَّهت الصحيفة إلى أنه في هذه الأثناء، شكّلت القمة الثلاثية بين إيران وروسيا والصين في طهران بشأن آلية الزناد (سنابباك) والملف النووي الإيراني، مؤشرا على سعي طهران لتوسيع دورها متعدد الأطراف في مواجهة المحور الغربي.
ولفتت إلى أن إيران تنظر بعناية وحساب إلى إمكانيات أصدقائها، وتحاول، في ظل الظروف الحالية، أن تبقي روسيا والصين إلى جانبها، على أمل أن تُفضي مفاوضات إسطنبول إلى اتفاق يربح فيه الطرفان، ومع ذلك، فإن الواقع يشير إلى أن محادثات إسطنبول لا تتعلق فقط بالاتفاق النووي (برجام)، بل تمسّ مصداقية النظام الدولي وبقاء الدبلوماسية في عالم يبدو وكأنه يعود مجددا إلى منطق القوة.
وأبرزت أنه رغم مجيء إيران وأوروبا إلى طاولة المفاوضات بدوافع وحسابات مختلفة، فإن ما تبقى حتى نهاية شهر أغسطس/آب 2025 يُعد وقتا قصيرا للغاية لتجنّب الانهيار الكامل لأحد أهم اتفاقات الحد من التسلح في القرن الحادي والعشرين.
ورأت أنه لا ينبغي أن ننسى أن استئناف المفاوضات النووية بين إيران وأوروبا، في ظل أجواء يغلب عليها التهديد والعداء، قد وضع أمام الطرفين مسارا معقدا ومتعدد الأبعاد؛ مسارا قد يمرّ عبر اتفاق هشّ، أو قد ينتهي إلى طريق مسدود وإعادة فرض العقوبات الدولية.
وأوضحت أن محادثات يوم الجمعة 25 يوليو/تموز 2025 في إسطنبول، رغم فتحها نافذة محدودة أمام المسار الدبلوماسي، فإن ما تبقى حتى نهاية أغسطس/آب 2025 يُعد ضيقا للغاية، في وقت تتزايد فيه حدة المخاطر المقبلة.
وأظهرت أنه يمكن تحليل ثلاثة سيناريوهات رئيسية محتملة في هذا المسار، وهي كما يلي:
۱. توافق مشروط أو محدود: في هذا السيناريو، يتوصل الطرفان، انطلاقا من إدراكهما لخطورة الوضع وتجنبا لتصعيد التوتر، إلى اتفاق محدود، تقترح أوروبا، مقابل الامتناع عن تفعيل آلية الزناد، حوافز جزئية مثل تعليق بعض العقوبات أو تسهيل المعاملات المالية، وفي المقابل، يجب على إيران أن تضبط مستوى تخصيبها لليورانيوم أو أن تقبل بشفافية محدودة في تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأن توضح أيضا مسألة اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، سواء تم دفنه تحت الأرض، أو تدميره بالكامل.
وبيَّنت أن هذا السيناريو يترتب عليه تبعات مثل خفض مؤقت للتوترات السياسية والاقتصادية، واستمرار الإطار الدبلوماسي وبقاء مسار الحوار مفتوحا، وإمكانية إدارة الخلافات على المستوى الفني، ولكن من دون ضمانات تنفيذية طويلة الأمد، ومع استمرار انعدام الثقة المتبادل.
۲. العودة إلى الاتفاق النووي (برجام) أو التوصل إلى اتفاق شامل: السيناريو الثاني يتمثل في إحياء جزء من الاتفاق النووي (برجام) أو التوصل إلى اتفاق جديد بمشاركة مباشرة من الولايات المتحدة، وهذا المسار يتطلب تعديل المواقف المتشددة، ووقف الإجراءات التصعيدية، والعودة إلى إطار تفاوضي قائم على مبدأ الربح المتبادل؛ كما أشار إليه أيضا غريب آبادي.
وسلّطت الضوء على أن هذا السيناريو بدوره يحمل نتائج مثل الإحياء الكامل للدبلوماسية النووية، وإنهاء التهديدات المتبادلة، وتقليص كبير في الضغوط الاقتصادية، وتهيئة الأرضية للاستثمار الأجنبي والتعاون الإقليمي، لكنه يتطلّب إرادة سياسية قوية في طهران وواشنطن والعواصم الأوروبية.
۳. عدم التوصل إلى اتفاق وتفعيل آلية الزناد: في حال عدم إحراز تقدم في المفاوضات، فإن تفعيل آلية الزناد وعودة عقوبات مجلس الأمن سيكون السيناريو الأكثر احتمالا، ولكنه أيضا الأكثر خطورة، وفي هذه الحالة، قد تكون ردة فعل طهران بما في ذلك الخروج المحتمل من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) أو وقف كامل للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية عاملا في تطرف الأجواء الإقليمية.
وأوردت أن تداعيات هذا السيناريو المتشائم تتمثل في عزلة إيران في النظام الدولي، وتصاعد النزاعات الإقليمية وربما مواجهة مباشرة جديدة، والانهيار الكامل لبنية الاتفاق النووي (برجام)، وفقدان المصداقية للمؤسسات الدولية، وتزايد الاصطفاف العالمي بين إيران والصين وروسيا من جهة، في مواجهة المعسكر الغربي.
ولفتت إلى أن مفاوضات إسطنبول لا تتعلق فقط بمستقبل البرنامج النووي الإيراني، بل تمسّ مصير الدبلوماسية في نظام عالمي يعود مجددا إلى منطق القوة، فأوروبا تواجه الآن خيارا مصيريا، إما العودة إلى دور الوسيط المستقل من أجل الحفاظ على الاتفاق النووي (برجام)، أو الانخراط في النهج التصادمي الذي تتبناه واشنطن وتل أبيب.
وأفادت بأن إيران، من جانبها، حرصت- إلى جانب تمسكها بأدوات الردع- على إبقاء باب الحوار مفتوحا، سواء عبر المفاوضات الفنية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو من خلال المبادرات الإقليمية ومتعددة الأطراف.
وفي الختام رجَّحت الصحيفة أن توازن العقلانية والضغط، حتى نهاية 2025، هو الذي سيحسم ما إذا كان مستقبل هذا النزاع سيتجه نحو ترسيخ السلام أم نحو تصعيد المواجهة.

