- زاد إيران - المحرر
- 602 Views
أجرت صحيفة اعتماد الإصلاحية، السبت 26 يوليو/تموز 2025، حوارا مع السياسي الإيراني البارز إسحاق جهانغيري، حول خلفيات الحرب الأخيرة التي استمرت 12 يوما، وأداء النظام في مواجهتها، وأسبابها السياسية والاجتماعية، إضافة إلى رؤيته لمتطلبات المرحلة المقبلة لترسيخ الوحدة الوطنية وتعزيز الاستقرار الداخلي، وفي ما يلي نص الحوار:
كيف كانت أوضاع إيران واستعداداتها قبل الحرب؟
في الواقع إن إيران وشعبها يمران بمرحلة حساسة ومصيرية تستدعي تحليلات دقيقة تعتمد على الحقائق التاريخية والعلمية لمساعدة المسؤولين والشعب على اتخاذ قرارات صائبة، وللإعلام دور مهم في نقل الصورة بصدق وموضوعية.
وقبل الحرب، كانت الأوضاع معقدة، فقد واجهت إيران عقوبات منذ انتصار الثورة، وخاصة من عام 2005 بسبب التهاون في ملف الطاقة النووية، مما أدى إلى إحالة الملف لمجلس الأمن وفرض عقوبات ملزمة دوليا، رغم رفضنا لها، وهذه العقوبات كانت فريدة واستهدفت الاقتصاد وحياة الناس مباشرة.

وبعد مفاوضات طويلة تم رفعها عبر الاتفاق النووي، لكنه تعرّض لانتكاسة بانسحاب الولايات المتحدة وفرض عقوبات جديدة، ما زاد الأزمات، خاصة مع بعض نقاط الضعف في السياسات والإدارة.
وبالرغم من نقاط القوة، شهدت إيران اختيارات إدارية خاطئة أدت إلى فشل تحقيق هدف أن تصبح إيران القوة الاقتصادية والتكنولوجية الأولى في المنطقة بحلول عام 2025، ورغم النمو الاقتصادي المستمر في بداية الألفية، إلا أن منافسو إيران تفوقوا اقتصاديا، وحصلت اختلالات كبيرة في القطاعات الحيوية كالطاقة، مما أثر سلبا على التنمية ومستوى المعيشة.
كما شهد الاقتصاد تضخما مرتفعا تجاوز 40% بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، ما دفع أعدادا كبيرة إلى الفقر وغيّر من الطبقات الاجتماعية، مسببا أضرارا كبيرة في رأس المال الاجتماعي لإيران.
في ظل هذه الظروف، تم تشكيل حكومة بزشكيان فبأي أفق أو رؤية تشكلت هذه الحكومة؟
تولى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان رئاسة الحكومة بشعار الوفاق، مركّزا على إصلاح الاقتصاد، ومعالجة الاختلالات، والتفاوض مع الغرب خاصة أميركا لرفع العقوبات، وحظي هذا النهج بدعم واسع، وفي المقابل، اعتبر العدو ضعف إيران الاقتصادي والاجتماعي فرصة للهجوم بذريعة الملف النووي.
لكن المرشد الأعلى علي خامنئي أكد أن إيران لا تسعى للحرب، لأنها تحتاج لإرادة من الطرفين، والإرادة لم تكن لدى إيران، بينما النظام الإسرائيلي استهدفها لتحقيق أهدافه، لذا، لم تكن إيران راغبة أو مستعدة للحرب، وكانت تركز على ترتيب أوضاعها الداخلية، وكانت الحرب تحميليّة فرضت عليها ولم تكن خيارها.

هل كانت أهداف إسرائيل في الحرب تقتصر على تفكيك إيران فقط أم تشمل أهدافا أخرى؟ وعلى أي أسس اعتمدت لتعتقد بقدرتها على تحقيقها؟
تبنى النظام الإسرائيلي منذ تأسيسه سياسة توسعية ورفض وجود دول أكبر منه في المنطقة، مع اعتبار تفكيك دول الجوار هدفا دائما، وكانت إيران من بين أهدافه بسبب مكانتها الكبيرة، وبعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، رأت إسرائيل فرصة لتصعيد المواجهة، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يعتبر إيران رأس الأفعى سعى لإقناع الولايات المتحدة بضربها مستغلا الملف النووي ذريعة.
ورغم ذلك، رأى مسؤولون أمريكيون سابقون أن قصف المنشآت النووية كان خطأ، فلقد دخلت إيران مفاوضات نووية جادة منذ 2013، والتزمت بالاتفاق وفق تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وعندما انسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق، وتمسكت إيران به بدعم من أوروبا وروسيا والصين الذين استمروا في تنفيذ التزاماتهم رغم غياب الولايات المتحدة.

يطرح الأوروبيون اليوم بعض الادعاءات بشأن عدم وفاء إيران بالتزاماتها النووية، فهل هذه الادعاءات صحيحة؟
إن الادعاءات الأوروبية الحالية بأن إيران غير ملتزمة بالاتفاق النووي تتناقض مع تعهداتهم السابقة، حيث لم يقدموا خطوات عملية سوى الدعم السياسي، ومع ذلك، تعاونوا مع روسيا والصين لصد محاولات ترامب لتمرير قرارات ضد إيران في مجلس الأمن، وتم الاتفاق على أن تقليص إيران لبعض التزاماتها لا يشكل خرقا، بل خطوات قابلة للتراجع عبر التفاوض.
والتزمت إيران بالقوانين الدولية وعملت تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مطالبة بحقوق مساوية للدول الأخرى، وفي المقابل، يعتمد نتنياهو على خلق التوترات السياسية، مستغلا انسحاب ترامب من الاتفاق لتحقيق أهدافه.

هل تشيرون إلى فترة ولاية ترامب الثانية المحتملة؟
نعم بالتأكيد، يرى نتنياهو أن بقائه السياسي يعتمد على إشعال الحروب، فاستخدم التوترات والملف النووي ذريعة لإقناع الأميركيين، لكن الهجوم لم يستهدف البرنامج النووي بل كان موجها ضد العلماء والقادة العسكريين والبُنى التحتية، بدعم من خونة أوهموا العدو بدعم شعبي، فأحداث الأسبوع الأول من الحرب، مثل قصف المدنيين والمناطق الحساسة، تُظهر خطة مدروسة.
كما أن تغريدة ترامب التي دعت لإخلاء طهران أو الاستسلام، وهجمات نتنياهو على الإعلام، وسجن إيفين، واجتماع رؤساء السلطات تؤكد أن الهدف كان إسقاط الدولة، مع اعتقاد ترامب بأن النظام الإيراني انتهى ليستغل اللحظة.
إن الهجوم على اجتماع رؤساء السلطات الثلاث كان أيضا في الفترة الزمنية نفسها، أليس كذلك؟
نعم بالضبط، يعني كان من المقرر خلال يومين أو ثلاثة أيام أن يتم حسم كل شيء، لذلك، عندما تتم دراسة قضايا الحرب، يتضح أن هناك مخططا بهذا الحجم، وبمشاركة قوتين نوويتين وقوى أخرى مثل أوروبا وحلف الناتو، وكان يحمل أهدافا خاصة، وفي مثل هذا المشهد، من المهم التركيز على سلوك إيران وإنجازاتها خلال الحرب.

في الساعة الـ03:30 من فجر يوم 12 يونيو/حزيران، كيف علمتم بالهجوم الإسرائيلي، وفيم كنتم تفكرون، وما الشعور الذي سيطر عليكم آنذاك؟
في تلك اللحظة، كان الشعور السائد هو التوتر والقلق، لأن الأميركيين كانوا يهددون بأنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، فسيشنّون هجوما، وكانت المفاوضات قد بدأت، وكان يُقال إن مدّتها 60 يوما، وهذه أيضا كانت نقطة مهمة، إذ إن مهلة الستين يوما كانت قد انتهت.
هل كنتم تعلمون أن مهلة الستين يوما التي وعد بها ترامب قد انتهت؟
نعم، كنا نعلم أن مهلة الستين يوما انتهت، لكن موافقة الأميركيين على جولة مفاوضات جديدة زادت الغموض.
ورغم احتمال الهجوم الإسرائيلي، كان لا بد من الاستعداد، فأنا شخصيا استيقظت على صوت الانفجارات، وظننت أنها رعدا، لكن تبيّن أنه هجوم على طهران، رغم أن العدو كان يقول إنه سيقصف المنشآت النووية فقط، ولكن ما حدث في 13 يونيو/حزيران كان مفاجئا، وشعرت أننا دخلنا مرحلة صعبة تستدعي مواجهة طويلة مع العدو.

ما مدى واقعية فرص التوصل لاتفاق في ربيع 2021، وهل كان يمكن أن تقلل من احتمالية الحرب مع إيران؟
من الجيد أحيانا مناقشة الفرص الضائعة سواء بسبب عوامل داخلية أو خارجية، لكن التمسك بالماضي واتهام الآخرين لا يفيد ويخلق خلافات تضر بإيران، والآن يجب التركيز على حماية إيران وتجاوز الأزمات بكرامة، وبعدها يمكن مناقشة الأخطاء واستخلاص الدروس،
وبالنسبة للحرب الإيرانية العراقية، رغم تحرير خرمشهر وسيطرة إيران على فاو، لم تُنهَ الحرب حينها بسبب تغير الظروف، وبالنسبة للحرب الأخيرة، من الأفضل أن ننتظر قليلا قبل الدخول في نقاشات مماثلة.
كيف كانت الأجواء والظروف في إيران بعد الأيام الأولى من الحرب 12 يوما، خاصة بعد الاغتيالات والضحايا وصدور بيان المرشد الأعلى وتغيير التوازن؟
كانت حرب الـ12 يوما مفاجئة وشاملة شنتها قوتان نوويتان على إيران، وأدت في بداياتها إلى استشهاد عدد كبير من القادة العسكريين البارزين، ما شكل صدمة كبيرة، ورغم ذلك، تمكن المرشد الأعلى من السيطرة على الوضع بسرعة من خلال تعيين قادة جدد متمرسين خلال ساعات قليلة، مما سمح للجيش بالاستعداد للعمليات بسرعة، وهذه الإدارة الحاسمة للحرب كانت خطوة مهمة أشاد بها الجميع وستُذكر في تاريخ الحروب.

ما الخاصية الإيجابية التالية؟
أدارت الحكومة توفير الاحتياجات الأساسية خلال الحرب بنجاح، ونجحت السياسة الخارجية في إشراك الدول الإقليمية، كما أن القوة الصاروخية لإيران كانت فعالة، وردّت القوات المسلحة بسرعة مقلقلة خطط العدو، وأبرز ما كان مميزا هو التلاحم الوطني الكبير بين الشعب، مما أسقط هدف العدو بتفكيك إيران، ورغم الخسائر، لم تُهزم إيران ونجحت في صد الهجوم بدعم القيادة والقوات والحكومة والشعب.
هل يمكننا الحديث عن نقاط الضعف أيضا بعد أن تحدثتم عن نقاط القوة؟
كانت النقطة الأهم في ضعفنا هي تسرب المعلومات والاستخبارات نتيجة خرق بشري رفيع المستوى، وليس فقط عبر الفضاء الإلكتروني أو وسائل التواصل الاجتماعي، كما تمكن العنصر البشري من معرفة مواعيد وأماكن اجتماعات أمنية مهمة، مما أدى إلى تسريب معلومات حساسة، ورغم التقدم التقني، كان الاختراق البشري السبب الأساسي، خاصة مع غياب استخدام القادة للهواتف الذكية وتداخل تحركاتهم.
هل صحيحٌ أنه في حالة معينة كان من المقرر حضور 10 قادة لاجتماع، وأن الأعداء انتظروا قدوم قائد متأخر قبل شن الهجوم، مما يدل على وجود سيطرة استخباراتية كبيرة؟
يجب النظر إلى عوامل الاختراق البشري والتكنولوجي معا دون الوقوع في معلومات مغلوطة، فقد منعتنا العقوبات من الوصول إلى تقنيات حديثة، كما أن بعض الجهات الداخلية قاومت التطور التقني، واليوم، يشكل الذكاء الاصطناعي والحوسبة المعتمدة على ميكانيكا الكم
عناصر حاسمة في المجال العسكري، ويجب علينا تدارك هذا التأخر بسرعة، ورغم التحديات، أثبتت إيران صمودها في حرب استمرت 12 يوما ضد قوى نووية، وخرجت منها بثبات وفخر.
كيف يمكن لنظام صنع القرار حماية التضامن الوطني وتحويله من حالة عاطفية مؤقتة إلى استقرار دائم يُسهم في التنمية؟
بعد انتهاء الحرب، فإن وقف إطلاق النار لا يعني نهاية المواجهة، إذ قد يعود العدو إلى استئناف القتال أو خلق حالة من عدم الاستقرار، لذلك، من الضروري الحفاظ على الجاهزية العسكرية وتعزيز الوحدة الوطنية التي تجلت خلال أيام الحرب، والاستفادة من هذه التجربة عبر حوار وطني شامل لتقوية عناصر القوة ومعالجة مكامن الضعف.
وإيران، باعتبارها حضارة عريقة ووحدة وطنية متماسكة، تمثل دعامة للإسلام، ويجب صون هذا الاعتزاز، كما أن دعم الشعب للقوات والحكومة كان لافتا، ما يوجب على الدولة تلبية مطالبه وتفادي ما يُضعف التماسك الداخلي، كما يلعب الإعلام دورا في تعزيز الوحدة، وفي الختام، لا بد من بث الأمل في الجيل الجديد، وتجنب صراعات جديدة عبر دبلوماسية فعالة ومفاوضات جادة تنهي الأزمة وتمنع استمرارها.
هل كانت تلك المفاوضات غير مباشرة؟
أنا لا أهتم بشكل التفاوض، سواء مباشر أو غير مباشر، بل بالنتيجة، فالدبلوماسية أداة قوة يجب أن تستمر حتى في الحرب من موقع قوة، ويجب تبني سياسات تخفف استياء الناس خاصة في الإنترنت والأعمال الرقمية، مع التعامل العقلاني رغم الرغبة في التوجيه الثقافي.
تمتلك إيران مقومات قوة إقليمية، ومن شأن رفع العقوبات لعام واحد أن يحقق نموا اقتصاديا كبيرا بفضل مواردها، وشبابها، وبنيتها التحتية، وقد أثبتت الحرب أهمية القوة الشاملة: الدفاعية، والاقتصادية، والشعبية، ومن حقها امتلاك أنظمة دفاع متطورة.
لكن القوة العسكرية لا تكفي وحدها إذا كان الشعب يعاني اقتصاديا، لذا لا بد من دعم الاستثمار، وتمكين القطاع الخاص، وإشراك الشعب في صنع القرار مع احترام التنوع، فمستقبل إيران يرتكز على ثلاث دعائم يتمثل في التماسك الوطني، وتجنب الحرب، والتنمية الواقعية بعيدا عن الشعارات.
هل تعتقد أن احتمال اندلاع حرب أكبر أم أن الوصول إلى اتفاق هو الأرجح؟
العدو الذي نواجهه يتسم بالعدوانية ولا يمكن التنبؤ بسلوكه، إذ يرى بقاءه في الحرب لا في السلام، ورغم ذلك، وجهت إيران له درسا قاسيا في الحرب الأخيرة، وفي الواقع إن القيادة الإيرانية لا تسعى للحرب، لكنها تؤمن بأهمية القوة والجاهزية، وتؤكد أنه لا حرب ولا تفاوض في الوقت الراهن، لأن خيارنا هو تجنب الصراع.
والجدير بالذكر أن احتمال الحرب منخفض بسبب ضربتنا القوية للعدو وعدم استخدامنا لكامل قوتنا، وإسرائيل لا تستطيع تحمل المزيد من الخسائر، كما أننا نركز على قضايا الداخل وأولوياتنا أهم من الحرب، وآمل أن نتجه لحل مستدام للمشكلة، ولدينا دبلوماسيون أقوياء يجب أن يستغلوا كل الإمكانيات لمساعدة إيران على تجاوز هذه الأزمة، مع التعاون بين الجميع.
هل ترى إمكانية التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة بشأن تخصيب اليورانيوم، أم أن التوترات الحالية تعيق ذلك؟
لو كانت الولايات المتحدة جادّة في التأكد من سلمية البرنامج النووي الإيراني، لكان بإمكانها تحقيق ذلك عبر التفاوض، خاصة أن إيران التزمت بتعهداتها ورفضت امتلاك القنبلة النووية لأسباب دينية وعسكرية، واعتمدت بدلا من ذلك على الصواريخ في الدفاع.
ورغم ذلك، بنت الولايات المتحدة على مدى سبعين عاما جدارا من عدم الثقة، لكنها تدرك في الوقت ذاته أهمية إيران في المعادلة الإقليمية، وكما قال وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كيسنجر، فإن الأمن في المنطقة لا يتحقق من خلال الهجوم، بل عبر الحوار مع إيران.

