إيران والطريق نحو استدامة الطاقة.. مواجهة أزمة الكهرباء الكبرى

نشر موقع اقتصاد 24، الخميس 14 أغسطس/آب 2025، تقريرا ذكر فيه أن اختلال توازن الكهرباء مصطلح شائع يشير إلى اضطراب التوازن بين إنتاج واستهلاك الكهرباء، وقد دخل في السنوات الأخيرة إلى الأدبيات الاقتصادية في قطاع الكهرباء الصناعي بإيران.

وأضاف الموقع أن الكهرباء دخلت إيران لأول مرة في عام 1885، أي بعد ست سنوات بالضبط من اختراع توماس إديسون أول مصباح كهربائي، بأمر من ناصر الدين شاه القاجار لإضاءة قصر كلستان، ومنذ عهد البهلوي زاد نموها مع إنشاء أول محطة كهرباء في عام1937، وبعد الثورة تسارعت وتيرة الاستخدام العام لها في المدن والقرى الصغيرة والنائية بشكل متزايد.

بداية الانقطاعات الكهربائية

أوضح الموقع أن الناس اعتادوا استهلاك الكهرباء بشكل مستمر ودون انقطاع، حتى دقت ساعة الحرب العراقية الإيرانية، وفي الواقع خلال عقد الثمانينيات وبسبب الظروف الاقتصادية الصعبة الناتجة عن الحرب، واجهت إمدادات الكهرباء للقرى والمناطق الطرفية للمدن مشاكل نتيجة أمور مثل قصف معدات الإنتاج وشبكة نقل الكهرباء، وظهرت حالة جعلت انقطاع الكهرباء جزءا من أسلوب حياة جيل الثمانينيات. 

وتابع أن الانقطاعات كانت عشوائية وغير مخططة، لكن لم ينجُ أحد منها، وحتى بعد سنتين أو ثلاث من الحرب، ظل إمداد الكهرباء في إيران مصحوبا بالانقطاعات، لكن منذ أوائل عقد التسعينيات أصبحت شبكة الكهرباء الإيرانية أكثر قدرة، وودع الناس الانقطاعات.

انخفاض وتيرة الانقطاعات الكهربائية بعد عقود السبعينيات والثمانينيات

نقل الموقع عن الباحث في مجال الطاقة محمد حسين أحمدي قوله أنه منذ عام 2013، بدأ الفارق بين الطلب على الكهرباء في أوقات الذروة والقدرة المتاحة للتلبية في أوقات الذروة يزداد تدريجيا، واستمر هذا الفارق في التوسع، ومنذ أواخر العقد الثامن وأوائل العقد التاسع، بدأت خصخصة صناعة الكهرباء، لا سيما في قطاع الإنتاج، وتم نقل المحطات الكهربائية التابعة لوزارة الطاقة إلى القطاع الخاص. 

وأشار إلى أن المحطات لم تتطور بما يتناسب مع زيادة الطلب على الكهرباء في إيران، نتيجة عدم وجود تخطيط مناسب ومنع الاستثمار الحكومي في قطاع الإنتاج، مما أدى إلى ازدياد اختلال التوازن بين الإنتاج والاستهلاك الكهربائي.

وأردف أن اختلال الكهرباء يعني عدم التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، نتيجة زيادة الطلب بسبب نمو السكان وتوسع المدن واستخدام الأجهزة الكهربائية، مع ضعف البنية التحتية، ونقص مصادر الطاقة، وتأثير التغيرات المناخية، والعقوبات الاقتصادية التي تعيق توفير المعدات والتقنيات، وقد أدت هذه العوامل منذ العقد التاسع إلى انقطاعات متكررة واضطرابات اقتصادية واجتماعية.

أين نحن وأين اختلال الكهرباء؟

أكَّد الموقع أنه مع ظهور اختلال الكهرباء، برزت بشكل أكبر أسئلة مثل: ما هو أصل نقص الكهرباء في إيران؟ ومن أين نشأت قلة الاستثمارات في هذا القطاع؟ ولماذا لا يمتلك المستثمرون في القطاع الخاص الدافع الكافي لتطوير قدرات إنتاج الكهرباء والتخلص من أزمة الانقطاعات؟

وأبرز أن نائب البحث والتخطيط في نقابة صناعة الكهرباء، علي رضا أسدي، لفت إلى أن إيران تواجه تأخرا في إنتاج الكهرباء، وقال، أن صناعة الكهرباء هي صناعة لا يمكن تلبية نقص العرض فيها على المدى القصير، ومن ناحية أخرى، لا يمكن الاعتماد على استيراد الكهرباء، وحتى على نطاق واسع، لا يزال من الصعب تعويض نقص الكهرباء عن طريق التخزين، لذلك، عندما يحدث تأخر في برامج التنمية، يستغرق الأمر عدة سنوات للتعويض عنه.

وبيَّن أن بناء محطة كهربائية يتطلب من ثلاث إلى أربع سنوات على الأقل حتى بدء التشغيل، وبالظروف المالية الحالية للحكومة، من غير الممكن عمليا تأمين رأس المال بسرعة وكفاية، ومن غير المرجح أن تتمكن الحكومة من تعويض نقص العرض عن طريق الإنتاج، وبالنتيجة، لا يوجد حل آخر سوى الإجراءات التقييدية مثل نقل الانقطاعات من منطقة إلى أخرى.

وأفاد بأن المحلّل في مجال الطاقة فرزين سوادكوهي، تحدث عن عدم فعالية الانقطاعات والإجازات قائلا: “أرى أن الحلول المؤقتة مثل الإجازات تشبه مهدئا قصير المدى يخفف الألم لساعات قليلة فقط، لكن اليوم يعقبه يوم جديد، ولا يمكن أن نغلق إيران كل يوم بحجج التلوث أو استهلاك الغاز أو الكهرباء أو أي ذريعة أخرى، وهذه الإجازات تسبب ضررا اقتصاديا كبيرا لإيران، لأنها عمليا تسد طريق الإنتاج والخدمات”.

وذكر أن المدير التنفيذي لشركة محطة توليد الكهرباء بالدورة المركبة في برند مپنا، ميثم نصر، صرَّح قائلا لا يوجد حل أمثل حاليا لإدارة انقطاع الكهرباء في الصناعات، كما أن حجم الطلب الكلي لا يمكن حله عبر إدارة الطلب فقط، وصناعة الكهرباء صناعة مستقبلية، وليست مثل إدارة الأزمات التي يمكن إيجاد حل لها فورا، والسياسات المتبعة في قطاع الطاقة، وخاصة الكهرباء، تعاني من مشكلات أساسية، والنتيجة هي الوضع الحالي. 

وأكَّد أن أزمة الطاقة في إيران مشكلة متعددة الأبعاد، تتفاقم نتيجة مزيج من عوامل مثل سوء الإدارة، واتخاذ قرارات خاطئة، وعدم جذب الاستثمارات الأجنبية، وفشل السياسات الخارجية.

أزمة الاختلال الكبرى

لفت الموقع إلى أن المدير التنفيذي السابق للشركة الأم لمحطات الطاقة الحرارية في إيران محسن طرز طلب، توقع في عام 2020 أن إنتاج الكهرباء في إيران سيواجه مشكلة جدية بدءا من عام 2023، وقال في العام نفسه: “نشهد أن لا أحد يتقدم للاستثمار في إنتاج الكهرباء، ولا يوجد أي حافز يجعل المنتج يستثمر في قطاع الكهرباء، وابتداء من عام 2023 واجهنا مشكلة جدية، حيث لم تستثمر الحكومة لأنها لم تمتلك الموارد، ولم يعد القطاع الخاص لديه الحافز اللازم للاستثمار”.

ودعا إلى ضرورة البحث في جذور هذا التحليل وسبب عدم رغبة القطاع الخاص في الاستثمار في قطاع الكهرباء ضمن تفاصيل الاقتصاد الصغير للطاقة في إيران، كما أن عدم الوضوح في تصنيف الكهرباء في النظام السياسي الإيراني، بين كونها سلعة أو خدمة، أدى إلى تحميل المنتجين ضغطا كبيرا، ولم يشجع أي مستثمر خاص على دخول هذا القطاع.

ونوَّه إلى أن السياسي البارز حميد رضا كودرزي أوضح أن اختلال التوازن موجود في جميع القطاعات وليس أمرا جديدا، وأكد أن الإدارة غير الفعالة أدت إلى تفاقم الأزمة على شكل دومينو، وأشار إلى أن اختلال الكهرباء، الذي توقعه الخبراء منذ أوائل العقد التاسع، لم يُتخذ بشأنه أي إجراء، وأن هذه الأزمات تؤثر على حياة الجميع، مثل المزارعين الذين يعانون من نقص المياه وانقطاع الكهرباء والمصانع التي تواجه ساعات طويلة من الانقطاع، ما يقلل الإنتاج ويهدد بزيادة البطالة مستقبلا.

وبيَّن أن الخبير الاقتصادي، عماد رفيعي‌ نجاد، أشار إلى أن صناعة الكهرباء في إيران تمتلك قدرات فنية وتنفيذية عالية وخبرات واسعة في بناء وتشغيل المحطات والمعدات وتصدير الخدمات الهندسية، لكنها تعاني بسبب الهياكل الاقتصادية المعيبة والقرارات غير العقلانية، ما يعيق القدرة على مواجهة التحديات وتحسين الإنتاجية.

نحو نصف كهرباء إيران تستهلكها أجهزة التبريد

أوضح الموقع أنه وفقا لبيانات وزارة الطاقة وتصريحات مسؤولي قطاع الكهرباء في الوزارة، يُخصص ما لا يقل عن نحو 40% من استهلاك الكهرباء في إيران لأجهزة التبريد، وقال نائب وزير الطاقة للكهرباء والطاقة همايون حائري، هل تصدقون أن استهلاك أجهزة التبريد في الصيف وحده يصل إلى 25 – 26 ألف ميغاوات؟ لا يمكننا أن نجعل رفاهية الناس تواجه مشاكل. 

وأكَّد أن “العديد من أجهزتنا مستهلكة للطاقة، سواء في الصناعة أو التجارة، حيث يتم استخدام أجهزة غير معيارية لأنها أرخص، لكنها ذات كفاءة منخفضة جدا”.

إلى متى سنعاني من انقطاع الكهرباء؟

أبرز الموقع أن اختلال الكهرباء في إيران يتفاقم سنويا، ما يضع الشبكة تحت ضغط شديد ويجبر السلطات على فرض انقطاعات كهربائية مؤقتة، ويرى الخبراء أن الحل يحتاج إلى تحقيق توازن بين الإنتاج والطلب وتحسين كفاءة الاستهلاك، وليس الاكتفاء بالإجراءات المؤقتة.

وأفاد بأن جیت‌ ساز صرَّح بأن أزمة الكهرباء الحالية في إيران نتاج سياسة استراتيجية طويلة الأمد منذ الحرب، وليس نتيجة حكومة أو برلمان واحد، وأن الإصلاح ممكن تدريجيا رغم التحذيرات من تأثيراته الفورية على الاستقرار.

المفتاح لتجاوز أزمة الكهرباء الكبرى

ذكر الموقع أن الخبراء أشاروا إلى أن أزمة الكهرباء في إيران ناتجة عن الاعتماد على الوقود الأحفوري وقلة تنوع مصادر الطاقة، مؤكدين على أهمية تطوير الطاقة الشمسية، وأوضح سوادكوهی أن سيطرة الحكومة على التسعير ونقص البنية التحتية يعيقان استثمار القطاع الخاص، ما يخلق دائرة مفرغة مع تزايد الطلب. 

وأظهر أن الحل يتطلب أيضا تحديث البنية التحتية، وتصحيح السياسات التسعيرية، ومعالجة الاختلال المالي، وجذب كوادر ملتزمة لضمان إدارة فعالة للطاقة الوطنية.

نقاط توجيهية للخروج من الأزمة

أبرز الموقع أن الخبراء لفتوا إلى أن حل اختلال الكهرباء في إيران يتطلب خروج الحكومة من الإدارة المباشرة والتركيز على التنظيم والرقابة، مع إشراك القطاع الخاص في بناء المحطات وإنتاج الكهرباء، فالأزمة ناتجة عن الفجوة بين الإنتاج والطلب، وضعف الحوكمة، ونقص الاستثمار، وأنماط استهلاك غير مستدامة، ولا تُحل بإجراءات قصيرة الأمد مثل إيقاف المصانع أو إدارة استهلاك المنازل. 

وفي الختام أقرَّ الموقع بأن إيران تحتاج إلى إصلاحات اقتصادية عميقة، وتسعير واقعي للطاقة، وجذب الاستثمار، وتنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الإدارة نحو نموذج لامركزي وإقليمي، وإلا ستظل الكهرباء تهديدا للنمو الصناعي والرفاه وأمن الطاقة.